تسعة عشر عاماً مرّت على تدمير مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين شمال لبنان، في حرب شنها الجيش اللبناني على تنظيم "فتح الإسلام" عام 2007، ولا تزال مئات العائلات تدفع ثمن حرب لم تكن طرفاً فيها، وسط ملف إعمار لم يستكمل بعد، وتعويضات لا تزال عالقة، وأوضاع معيشية تزداد صعوبة مع مرور الوقت.

فبين وعود متكررة بإغلاق ملف الإعمار والتعويضات، يعيش جزء من أهالي المخيم حالة نزوح مستمرة داخل لبنان، في ظل ارتفاع الإيجارات وتدهور الأوضاع الاقتصادية، فيما تتراكم الأزمات الاجتماعية والنفسية داخل مجتمع المخيم، رغم مرور ما يقارب عقدين على الكارثة.

ورغم ما أنفق من مليارات الليرات والهبات الدولية منذ عام 2007، لا يزال جزء من المخيم القديم مدمراً، فيما ينتظر متضررو المخيم الجديد تعويضاتهم منذ سنوات، وسط اتهامات متكررة بالتقصير وسوء الإدارة والفساد في إدارة ملف الإعمار.

مخيم نهر البارد.jpeg

إعمار متعثر ومناطق خارج التنفيذ

عضو اللجنة الشعبية في مخيم نهر البارد أبو نزار خضر، قال لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: إن الذكرى التاسعة عشرة لتدمير المخيم تحل هذا العام، بينما لا يزال ملف الإعمار غير مكتمل، مشيراً إلى أن ست مناطق "أنات" ما تزال خارج عملية الإعمار، وهي: N45 وN59 وN61 وN63 وN65 وN68.

وأوضح خضر أن منطقة N45 ما زالت متوقفة بذريعة وجود "آثار"، رغم توفر التمويل منذ أكثر من ثماني سنوات، لافتاً إلى أن الأموال جرى تحويلها إلى مشاريع أخرى بدل المباشرة في التنفيذ.

وأضاف أن أهالي المخيم نظموا خلال السنوات الماضية اعتصامات وتحركات متكررة للمطالبة بالإسراع في إعادة الإعمار، في ظل استمرار حالة الانتظار الطويل.

وأشار إلى أن بقية المناطق التي لم تُعمر بعد تعاني من غياب التمويل الواضح، إلى جانب إشكالات هندسية تتعلق بجدران الدعم وتعديل الخرائط وإلغاء مخازن، ما أدى إلى مزيد من التعقيد والتأخير.

وأكد خضر أن هذا التأخير انعكس بشكل مباشر على حياة الأهالي، حيث لا تزال عائلات كثيرة تعيش في منازل مستأجرة، أو تنتظر العودة إلى بيوتها المدمرة، قائلاً إن "19 عاماً مرّت والناس ما زالت تنتظر العودة إلى منازلها دون معرفة موعد انتهاء الملف".

مخيم نهر البارد لبنان.jpeg

تعويضات المخيم الجديد: ملفات عالقة واتهامات بالتقصير

من جهته، قال نائب أمين سر تجمع مخيم نهر البارد الجديد حاتم الأسدي، لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، إن القرارات التي اتخذت بعد أزمة المخيم نفذت بشكل جزئي فقط، فيما بقيت ملفات أساسية دون حل، أبرزها تعويضات وإعمار المخيم الجديد.

وأوضح أن نحو 30% من الوحدات السكنية وغير السكنية لم تحصل على تعويضاتها حتى الآن، رغم وجود 13 مبنى تضم 72 شقة سكنية ما تزال ضمن ملفات التعويض منذ عام 2022.

وأضاف أن مئات العائلات عادت إلى منازل متضررة ومحروقة ومسروقة، واضطرت لترميمها على نفقتها الخاصة دون أي تعويض عن الأضرار أو الممتلكات، على خلاف ما حصل في مناطق لبنانية أخرى.

وأشار الأسدي إلى أن نحو 200 إلى 230 وحدة سكنية وغير سكنية، تشمل محالاً ومدارس ومساجد، ما تزال بلا أي تعويضات، داعياً الجهات اللبنانية والفلسطينية والأممية إلى إنهاء هذا الملف وإنصاف الأهالي.

كما اعتبر أن ملف الإعمار يشهد "مستوى غير طبيعي من الفساد"، مشيراً إلى أن كلفة المشاريع في المخيم القديم "فوق التصور"، في حين تُرك المخيم الجديد دون حلول فعلية.

الحواجز تخنق الاقتصاد وتعمّق الأزمة الاجتماعية

بدوره، قال الناشط الشبابي زياد حامد لموقعنا، إن تداعيات تدمير المخيم لم تقتصر على الإعمار، بل امتدت إلى الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وأوضح أن المخيم كان قبل عام 2007 مركزاً تجارياً نشطاً يرتبط بمناطق عكار والشمال، إلا أن الحواجز والإجراءات الأمنية على مداخله أدت إلى تراجع الحركة التجارية بشكل كبير، مضيفاً أنّ "البحر مغلق، النهر مغلق، الجبل مغلق، والمداخل كلها مغلقة"، ما تسبب بانكماش اقتصادي حاد داخل المخيم.

وأشار حامد إلى أن النزوح والاكتظاظ السكاني أدّيا أيضاً إلى تفكك اجتماعي وازدياد المشكلات العائلية داخل المجتمع المحلي.

بطء الإعمار وهدر التمويل وتعليق الهبات

وانتقد حامد بطء إنجاز ملف الإعمار، معتبراً أن 19 عاماً مدة كافية لإنهائه بالكامل، لافتاً إلى أن ما بين 30 و35% من الأهالي ما زالوا يعيشون في بيوت مستأجرة.

وأضاف أن مشاريع البنية التحتية ما تزال غير مكتملة رغم مرور سنوات طويلة، مشيراً إلى أن التمويل كان متوفراً، لكن سوء الإدارة والفساد عطّلا التنفيذ.

كما كشف أن الهبة الكويتية الخاصة بتعويضات المخيم الجديد ما تزال لدى الحكومة اللبنانية، ولم تُسلَّم للأهالي حتى اليوم.

شوارع مخيم نهر البارد.jpeg

نزوح طويل ومعاناة مستمرة

من جانبه، قال وسام الديراوي، أحد أبناء المخيم القديم، الذين لم يُعَد إعمار منازلهم، إن قسماً من الأهالي ما زال يعيش حالة نزوح مستمرة منذ 19 عاماً، بين منازل الإيجار في ظروف معيشية صعبة.

وأوضح لبوابة اللاجئين الفلسطينيين أن ارتفاع الإيجارات وتدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة زادت من معاناة السكان، في وقت ما يزال فيه ملف التعويضات عالقاً، ما دفع العديد من العائلات إلى إعادة ترميم منازلها على نفقتها الخاصة.

وأضاف أن هذا الواقع يشكّل عبئاً إضافياً على سكان المخيم الذين يعانون أصلاً من ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية.

وبين مخيم قديم لم يكتمل إعمار أجزاء واسعة منه، ومخيم جديد ما تزال تعويضاته معلّقة، تبقى مأساة نهر البارد ملفاً مفتوحاً وشاهداً على واحدة من أطول أزمات الإعمار في لبنان، رغم مرور نحو عقدين على تدمير المخيم.

ومع استمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يطالب الأهالي بإنهاء هذا الملف بشكل كامل بعيداً عن الوعود المتكررة، بما يضمن حقهم في العودة إلى منازلهم، والحصول على تعويضاتهم، واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي الذي طال انتظاره.

موضوع ذو صلة: وعود الإعمار المؤجلة تبقي مئات العائلات الفلسطينية وسط الركام والمعاناة