في كل غرزة من غرز التطريز الفلسطيني تختبئ حكاية وطن، وفي كل نقشة تتجسد ذاكرة قرية أو مدينة ما زالت حاضرة رغم عقود اللجوء والتهجير. فهذا التراث الذي تناقلته الأجيال لم يكن يوماً مجرد زينة على الأثواب، بل تحوّل إلى لغة بصرية تعبّر عن الهوية والانتماء والجذور العميقة للشعب الفلسطيني.

ومع التحولات الاجتماعية وتغيّر أنماط الحياة، برزت مبادرات شبابية تسعى إلى إعادة إحياء هذا التراث بأساليب معاصرة تحافظ على روحه، وتقرّبه من الجيل الجديد. ومن بين هذه المبادرات يبرز مشروع "رمزنا"، الذي أسسته الشابة الفلسطينية روان كريم، بهدف تحويل التطريز الفلسطيني من قطعة تراثية تقليدية إلى حضور يومي في الأزياء والمناسبات والفعاليات الوطنية.

"رمزنا".. من فكرة منزلية إلى مشروع ثقافي

أضاءت بوابة اللاجئين الفلسطينيين على المشروع في حديث مع روان كريم، مديرة مشروع "رمزنا"، التي تقول إن المشروع انطلق عام 2019 كفكرة بسيطة داخل المنزل، حيث بدأت باستخدام التطريز اليدوي لإنتاج قطع صغيرة للديكور، مثل البرطمانات والإكسسوارات التراثية، بهدف إبقاء التطريز الفلسطيني حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية.

وتوضح أن الفكرة تطورت تدريجياً مع تزايد تفاعل الناس واهتمامهم بالتراث الفلسطيني، ما دفعها إلى توسيع نطاق العمل ليشمل العبايات والأزياء العصرية، إضافة إلى إعادة تدوير الملابس عبر تطريزها بلمسات فلسطينية، حيث يتم استقبال قطع الملابس وإعادة تصميمها بروح تراثية تعكس الهوية الفلسطينية.

كما تشير كريم إلى أن المشروع لم يعد يقتصر على إنتاج وبيع القطع المطرزة، بل توسّع ليشمل تنسيق وتأجير الأثواب الفلسطينية للمناسبات الوطنية وحفلات الحناء والأعراس، باستخدام التطريز اليدوي أو الماكينات الحديثة، بما يتيح خيارات متنوعة تناسب مختلف الفئات.

WhatsApp Image‏ 2026-05-20 at 11.13.05.jpeg


الثوب الفلسطيني.. ذاكرة مكان وهوية شعب

وترى مؤسسة "رمزنا" أن التطريز الفلسطيني ليس مجرد عنصر جمالي أو صيحة أزياء، بل هو امتداد لتاريخ طويل وذاكرة ثقافية متجذرة في الأرض الفلسطينية.

وتؤكد أن كل نقشة تحمل دلالات خاصة مستوحاة من البيئة الفلسطينية، مثل غصن الزيتون، وشبكة الصيد، وزهرة كنعان، إلى جانب رموز تعبّر عن القرى والمدن المختلفة، ما يجعل كل ثوب بمنزلة سجل بصري للهوية الفلسطينية.

وتضيف أن اختلاف "القطبة" بين منطقة وأخرى يعكس التنوع الثقافي والجغرافي لفلسطين، معتبرة أن الثوب الفلسطيني يشكّل أرشيفاً حياً يوثّق الحكايات والعادات والتقاليد والذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني عبر الأجيال.

كما تلفت إلى أن هذا التراث يستحق حضوراً أكبر في المناهج التعليمية، إلى جانب المواد الأساسية، نظراً لقيمته التاريخية والثقافية والوطنية.

WhatsApp Image‏ 2026-05-20 at 13.32.38.jpeg

التكنولوجيا تعيد وصل الشباب بالتراث

وتوضح كريم أن مواقع التواصل الاجتماعي أدت دوراً محورياً في إعادة إحياء الاهتمام بالتطريز الفلسطيني بين فئة الشباب، حيث بات كثيرون يتعرفون إلى أسماء النقوش ومعاني الألوان ودلالاتها الجغرافية عبر المحتوى الرقمي الذي يقدمه المشروع.

وتشير إلى أن هذا التفاعل ساهم في تعزيز ارتباط الجيل الجديد بتراثه، إذ أصبحت العديد من الفتيات يربطن بين النقوش والألوان وبين القرى الفلسطينية التي تعود إليها جذور عائلاتهن، بعد أن كان هذا التراث يُنظر إليه سابقاً كزينة فقط دون فهم معانيه العميقة.

كما تؤكد أن إدخال التطريز الفلسطيني في الأزياء العصرية والمناسبات الحديثة أسهم في تقديمه بطريقة أكثر قرباً من الشباب، خصوصاً في حفلات الحناء والأعراس التي باتت تشهد حضوراً متزايداً للثوب الفلسطيني.

من مبادرة فردية إلى فريق عمل متكامل

وتستعيد كريم بدايات المشروع، موضحة أن "رمزنا" انطلق بجهود فردية قبل أن يتوسع تدريجياً ليصبح فريقاً يضم نحو 12 شخصاً يعملون في التصميم والتنفيذ وتطوير الأفكار المرتبطة بالتطريز الفلسطيني.

كما تشير إلى محطة مفصلية عام 2021، عندما نظّمت عروس لبنانية حفل حناء بطابع فلسطيني كامل، معتبرة أن هذه التجربة شكّلت نقلة نوعية في وصول التراث الفلسطيني إلى بيئات ومجتمعات مختلفة خارج فلسطين.

وتؤكد أن هدف المشروع لا يقتصر على الحفاظ على التراث، بل يتعداه إلى نقل الوعي بالهوية الفلسطينية وتعريف الناس بمعاني الرموز والتفاصيل التي يحملها التطريز.

وبين الخيط والإبرة، يستمر التطريز الفلسطيني في رواية قصة شعب يتمسك بهويته رغم محاولات الطمس والتهجير. وفي ظل تسارع الحداثة، تسعى مبادرات مثل "رمزنا" إلى إبقاء هذا التراث حياً في الذاكرة والحياة اليومية، عبر تحويله من ثوب تقليدي إلى رسالة ثقافية ووطنية تحملها الأجيال بفخر. فالتطريز الفلسطيني، كما تؤكد روان كريم، ليس مجرد زخرفة على القماش، بل ذاكرة وطن كاملة تُحاك بخيوط الانتماء والصمود.