تعيد ذكرى النكبة الفلسطينية في الخامس عشر من أيار/ مايو من كل عام إلى الواجهة واحدة من أكبر المآسي التي عاشها الشعب الفلسطيني عام 1948، وهي المأساة التي ما تزال فصولها مستمرة حتى اليوم.

وبينما بقيت النكبة حيّة في ذاكرة الفلسطينيين عبر الروايات والوثائق، لعبت الأمهات والجدات دوراً محورياً في نقل الحكاية جيلاً بعد جيل، والحفاظ على تماسك الأسرة والهوية الوطنية داخل المخيمات ومناطق اللجوء، ليصبحن حارسات الذاكرة الفلسطينية وحاملات التراث والقضية.

وفي هذا السياق، تحدثت نساء فلسطينيات لموقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين عن الدور الذي لعبته المرأة الفلسطينية في صون الهوية الوطنية والتراث الشعبي، ونقل ذاكرة النكبة إلى الأجيال الجديدة رغم قسوة اللجوء وظروف المخيمات.

المرأة الفلسطينية بعد النكبة.. نموذج استثنائي للصبر والقوة

وقالت الناشطة السياسية والاجتماعية الفلسطينية وصال الجشي: إن المرأة الفلسطينية بعد النكبة "شكلت نموذجاً استثنائياً للصبر والقوة"، بعدما حملت على عاتقها مسؤولية الحفاظ على الأسرة والهوية الوطنية في آن معاً، لا سيما داخل المخيمات التي عانى سكانها من الفقر والحرمان وظروف الحياة القاسية.

وأوضحت الجشي أن المرأة الفلسطينية أبدعت في إدارة شؤون الأسرة رغم الصعوبات، فاهتمت بتربية الأبناء وتعليمهم ورعايتهم صحياً واجتماعياً، معتبرة أن التعليم كان "سلاحاً أساسياً لبناء جيل واعٍ يستطيع الاعتماد عليه في المستقبل"، خصوصاً في ظل انشغال الأب بالعمل خارج المنزل معظم الوقت.

امرأة تبيع الخضار في مخيم البداوي -1981 - أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي.jpg
سيدة فلسطينية تبيع الخضار في مخيم البداوي - 1981 (أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي)

السهرات في المخيمات تتحول إلى مساحة لاستحضار فلسطين

وأضافت أن دور المرأة لم يقتصر على إدارة الأسرة، بل امتد إلى حماية الهوية الوطنية الفلسطينية من خلال التربية والتنشئة الاجتماعية، حيث حرصت الأمهات والجدات على غرس حب الوطن في نفوس الأبناء وربط حياتهم اليومية بالعادات والتقاليد الفلسطينية وبالبلد الذي هُجّروا منه.

وبيّنت أن الجلسات العائلية والسهرات داخل المخيمات كانت تتحول إلى مساحة لاستحضار فلسطين، عبر حكايات الجدات عن القرى والحقول والبساتين والبيارات وتفاصيل الحياة قبل التهجير، إلى جانب الحرص على إقامة الأعراس والمناسبات وفق العادات الفلسطينية، في محاولة للحفاظ على الذاكرة الجماعية وترسيخ الانتماء الوطني لدى الأجيال الجديدة.

وأكدت الجشي أن المرأة الفلسطينية زرعت الأمل في نفوس أبنائها، وأصرت دائماً على التمسك بحق العودة، من خلال إيمانها بأن الأجيال الصاعدة ستعيد الأرض والبيوت والحياة التي سُلبت من الفلسطينيين.

وعن أبرز التحديات التي واجهت المرأة الفلسطينية، أشارت الجشي إلى أنها تحملت مسؤولية الأسرة كاملة في ظل ظروف معيشية صعبة داخل المخيمات، حيث الفقر وضعف الإمكانيات، ما دفعها أحياناً إلى التحلي بالحزم حفاظاً على تماسك العائلة، حتى وإن كان ذلك على حساب صحتها واحتياجاتها الشخصية.

امرأة مسنة تحمل بعض المتاع وتمشي في مخيم للاجئين الفلسطينيين خلال الاجتياح الاسرائيلي للبنان..jpg
لاجئة فلسطينية تحمل متاعاً خلال الاجتياج "الإسرائيلي" للبنان (أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي)

وأضافت أن غالبية النساء في تلك المرحلة عانين من ضعف التعليم، إلى جانب خضوعهن لعادات وتقاليد قاسية بحق المرأة، إلا أنهن أثبتن قوة كبيرة في المواقف الصعبة، وكنّ سنداً حقيقياً للعائلة والمجتمع، كما لعبن دوراً وطنياً بارزاً عبر تشجيع الأبناء على الانخراط في العمل الوطني والنضالي، واستقبال الشهداء بالزغاريد ورفع الرأس، حتى أصبحت المرأة الفلسطينية اليوم شريكة أساسية في النضال من أجل الحرية والعودة، ونموذجاً يحتذى به عالمياً.

المرأة بعد النكبة: وطن متنقل

من جهتها، قالت غادة سلامة، التي عملت في مجال تعزيز دور المرأة في المجتمع: إن المرأة الفلسطينية تحولت بعد النكبة إلى "الذاكرة الحية" و"الوطن المتنقل"، بعدما حملت مسؤولية الحفاظ على الهوية الوطنية والتراث الفلسطيني في حياة اللجوء والشتات.

وأوضحت سلامة أن المرأة الفلسطينية حافظت على التراث الشعبي من خلال التمسك بالثوب الفلسطيني والتطريز التقليدي، حيث تتميز كل منطقة فلسطينية بنقوشها الخاصة التي بقيت حاضرة رغم مرور العقود.

وأضافت أن الأمهات حرصن على إلباس بناتهن الثوب الفلسطيني في الأعراس والمناسبات المختلفة كي لا تنسى الأجيال الجديدة تراثها وهويتها الوطنية، مؤكدة أن الثوب الفلسطيني لم يعد مجرد لباس تراثي، بل أصبح "جواز سفر" يثبت الانتماء إلى الأرض الفلسطينية ويحفظ ذاكرة القرى والمدن المهجرة.

تطريز.jpeg


 

كما أشارت إلى أن المرأة الفلسطينية حافظت أيضاً على المطبخ الشعبي، من خلال الاستمرار في إعداد الأكلات التراثية مثل المسخن والمفتول والمقلوبة وخبز الطابون، وربط الطعام بالأرض والذاكرة عبر عبارات كانت ترددها الأمهات للأبناء مثل: "هذا زعتر ستك" و"هذا زيت جدك"، في محاولة لترسيخ العلاقة بين الأجيال وأرض فلسطين.

وأكدت سلامة أن الفنون الشعبية بقيت حاضرة بفضل النساء الفلسطينيات، إذ لم تتوقف الدبكة والأغاني التراثية رغم اللجوء، بل ظلت شكلاً من أشكال التمسك بالهوية الوطنية والحفاظ على الذاكرة الفلسطينية.

حرص المرأة على تعليم وحفظ تفاصيل فلسطين

بدورها، قالت الحاجة ردينة عطا، وهي جدة لخمسة أحفاد، إن النساء في المخيمات الفلسطينية ما زلن حتى اليوم يحرصن على تعليم الأجيال الجديدة أسماء القرى والمدن الفلسطينية، والحديث عن البيوت والأراضي التي هُجّر منها الفلسطينيون، في محاولة للحفاظ على الهوية الوطنية من الضياع.

وأضافت عطا: "أنا كأم وجدة قمت بواجبي في حماية التراث الشعبي الفلسطيني من خلال الأكلات التراثية والعادات والتقاليد الفلسطينية. فمثلاً، كنت اليوم أتحدث مع حفيدي صبحي عن طبخة المقلوبة التي سنقوم بتحضيرها غداً، كما أصريت على أن نحتفل بزوجة ابني بحفلة حنة فلسطينية، حيث ارتدينا الأثواب الفلسطينية ورددنا الأهازيج الوطنية وأحيينا الطقوس التي كان يقوم بها أجدادنا".

وأوضحت أن والدتها الراحلة كانت تحدثهم دائماً عن فلسطين وقريتهم وذكريات النكبة، مضيفة: "كل ما سمعته من والدتي نقلته لأولادي، وهم اليوم ينقلونه لأبنائهم، لذلك تبقى ذاكرتنا حيّة ولا تموت، بل تستمر مع كل جيل يحمل الرواية الفلسطينية وينقلها للأجيال القادمة".

وتحملت المرأة الفلسطينية مسؤوليات كبيرة بعد النكبة، خاصة في ظل فقدان كثير من العائلات لمنازلها ومصادر رزقها، فكانت الأم والمربية والعاملة في آن واحد، تسعى للحفاظ على وحدة الأسرة من التفكك رغم الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة. كما لعبت دوراً محورياً في تربية الأبناء على قيم الصمود والانتماء الوطني، وغرست فيهم حب فلسطين والتمسك بحق العودة، ما ساهم في بقاء القضية الفلسطينية حيّة في وجدان الأجيال المتعاقبة.