تحلّ ذكرى النكبة الفلسطينية في الخامس عشر من أيار/ مايو من كل عام، لتعيد إلى الأذهان واحدة من أكبر محطات التهجير في التاريخ الحديث، حين أُجبر نحو 750 ألف فلسطيني عام 1948 على هجرة أراضيهم قسراً، في حدث خلّف مأساة إنسانية ممتدة ما زالت تداعياتها مستمرة حتى اليوم، ولا سيما في المخيمات الفلسطينية في الداخل والشتات.

ورغم مرور 78 عاماً على النكبة، لا تزال حاضرة بقوة في الذاكرة الجمعية الفلسطينية، حيث يحرص الفلسطينيون على نقل روايتهم الوطنية عبر مختلف أشكال الفن والثقافة، من الرسم والدبكة والأغاني الوطنية إلى الشعر والموسيقى، في تأكيد مستمر على التمسك بالهوية الفلسطينية وحق العودة.

وفي هذا السياق، أجرى موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين مقابلات مع عدد من الفنانين الفلسطينيين اللاجئين للوقوف على كيفية تجسيدهم لذكرى النكبة عبر أعمالهم ورسائلهم الفنية والوطنية.

الذاكرة البصرية والفلكلور يحفظان الرواية الفلسطينية

الفنان التشكيلي الفلسطيني أسامة زيدان قال لموقعنا: إن "ذكرى النكبة تمثل قصة شعب مظلوم واجه احتلالاً جائراً، وتحولت إلى بداية لمسيرة طويلة من الكفاح والصمود"، موضحاً أن الفن التشكيلي يوفّر مساحة واسعة للتعبير عن معاناة الفلسطينيين، من خلال توثيق الألم واللجوء والوجع، ليبقى الفن شاهداً وداعماً لصمود الشعب الفلسطيني ونضاله المستمر.

لوحة أسامة زيدان 1.jpg


وأضاف زيدان أن "الذاكرة البصرية تلعب دوراً محورياً في تثبيت الرواية الفلسطينية ونقلها عبر الأجيال، لأنها توثق الأحداث بكل تفاصيلها لتبقى شاهداً حياً في التاريخ"، مشيراً إلى أن تأثير الفن الفلسطيني عالمياً يتعزز عندما ينجح الفنان في إيصال قضيته بلغة بصرية مفهومة دولياً، مؤكداً أهمية المشاركة في المعارض الفنية كوسيلة لنقل الرواية الفلسطينية والدفاع عن الهوية والحق.

لوحة أسامة زيدان 2.jpg

من جانبها، قالت حورية الفار، مسؤولة ومدربة فرقة "الكوفية للتراث الفلسطيني": إنه رغم مرور عقود على النكبة واستمرار اللجوء حتى اليوم، فإن الأجيال الفلسطينية ما زالت متمسكة بإرثها وهويتها الوطنية من خلال الحفاظ على المأكولات الشعبية واللباس الفلسطيني والدبكة والأهازيج والأغاني الوطنية، خاصة داخل المخيمات التي ما تزال تحتضن التراث الفلسطيني وتحفظه من الاندثار.

وأوضحت الفار أن الأطفال يتلقون منذ الصغر شرحاً حول أحداث النكبة عام 1948 وتهجير الأجداد قسراً من أرضهم، إلى جانب ترسيخ مفهوم حق العودة في وعيهم باعتباره حقاً ثابتاً لا يسقط بالتقادم، مشيرة إلى أن الدبكة الفلسطينية تمثل جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية والوطنية للشعب الفلسطيني.

الدبكة الفلسطينية.jpg

وأضافت: أن "الشعب الذي لا يمتلك ثقافة لا يمتلك أرضاً ولا هوية"، وأكدت أن الهوية الفلسطينية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتراث، وخاصة الدبكة التي تُعد وسيلة فاعلة لنقل الرسالة الفلسطينية إلى العالم عبر المهرجانات والفعاليات واللوحات التراثية التي تجسد النكبة ومكونات الوطن، لافتة إلى أنها تعمل حالياً على التحضير لإحياء ذكرى النكبة من خلال عروض فنية تجسد معاناة الشعب الفلسطيني وتمسكه بهويته.

حاجة المواهب الفنية لحاضنة رسمية يحافظ على الأغنية الشعبية

بدوره، قال الفنان والشاعر الفلسطيني مصطفى زمزم: إن "الموسيقى هي لغة الشعوب، والشعب الذي لا يملك ثقافة لا يملك تاريخاً ولا حاضراً ولا مستقبلاً"، مشدداً على أن دور الشعراء والملحنين والمطربين يتمثل في ترجمة معاناة الفلسطينيين وإيصال صوتهم إلى العالم.

وأوضح زمزم أن الأغنية الفلسطينية مستمدة من التراث الوطني، ما يفرض ضرورة حمايتها من السرقة والاندثار، محذراً من محاولات طمس القضية الفلسطينية في ظل غياب الحاضنة الداعمة للمواهب الفنية، الأمر الذي يؤثر على استمرارية الرسالة الثقافية والوطنية.

أطفال -ى النكبة - لاجئون - مخيم.jpg

وأشار إلى أنه أسس معهداً فنياً بهدف الحفاظ على الأغنية الفلسطينية وإنتاج جيل جديد من الأصوات الشابة، وتعزيز التربية الوطنية وترسيخ التمسك بحق العودة لدى الأجيال، لافتاً إلى أن له أعمالاً غنائية وطنية مرتبطة بذكرى النكبة، من بينها أغنية للمطرب أيمن أمين جاء في كلماتها: "شعبك صامد بالتصدي، يا قدس وقد التحدي، صرنا بآخر المشوار، ورح نشهد عالإنتصار، بعزيمة وهمة وإصرار، نخلع عنك ثوب النكبة"، إضافة إلى أغنيات أخرى مثل "أرض الأقصى".

فرقة مصطفى زمزم.jpg

وتبقى ذكرى النكبة حاضرة في وجدان اللاجئين الفلسطينيين كقضية مستمرة تتوارثها الأجيال عبر الفن والثقافة والتراث، حيث يواصل الفنانون الفلسطينيون عبر اللوحات والدبكة والأغاني تجديد الذاكرة الوطنية، والتأكيد على أن حق العودة سيبقى ثابتاً رغم مرور الزمن وتعدد محاولات الطمس والتغييب.