تتفاقم معاناة اللاجئين الفلسطينيين في مخيمي شاتيلا ومار الياس في العاصمة اللبنانية بيروت، مع تصاعد العدوان "الإسرائيلي" على لبنان، وما يرافقه من قصف طال الضاحية الجنوبية ومناطق قريبة من المخيمات، ما زاد من المخاوف بشأن سلامة الأبنية المتصدعة أصلاً، في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

ولم تعد الأزمة محصورة بالفقر والبطالة، بل امتدت إلى البنية التحتية الهشة التي باتت تهدد حياة السكان يومياً، نتيجة البناء العشوائي، والاكتظاظ السكاني، وتشابك شبكات الكهرباء والمياه، إضافة إلى التأثيرات غير المباشرة للقصف، ما أدى إلى تسجيل حالات وفاة مفاجئة.

ويعيش اللاجئون حالة من القلق الدائم داخل أبنية متصدعة وآيلة للسقوط، وسط تحذيرات من أن أي اهتزازات ناتجة عن القصف في محيط المخيمات قد تسرّع انهيارها، في ظل غياب واضح للتدخلات الفاعلة من الجهات المعنية، وعلى رأسها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، رغم تكرار المناشدات.

أسقف تنهار بلا إنذار وخوف دائم من كارثة

في هذا السياق، يروي اللاجئ محمد سريس، من مخيم شاتيلا، لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، أن سقف مطبخ منزله انهار بشكل مفاجئ قبل أسبوعين دون أي مؤشرات مسبقة، نتيجة خلل في البناء.

وأوضح سريس أنه يقطن في الطابق الثاني، ولم تكن عائلته داخل المنزل لحظة الانهيار، ما حال دون وقوع إصابات، مشيراً إلى أن أي جهة معنية، سواء اللجان الشعبية أو "أونروا"، لم تتدخل حتى الآن، مؤكداً أن المنزل بات غير صالح للسكن، ومناشداً إجراء كشف فني عاجل تفادياً لانهيار المبنى بالكامل، خاصة في ظل استمرار القصف في محيط بيروت.

WhatsApp Image‏ 2026-04-15 at 01.47.21.jpeg
 

بدوره، يقول بسام محمد، وهو لاجئ يقيم في الطابق السادس من مبنى متصدع في شاتيلا، إن الخوف يسيطر عليه، وعلى عائلته بسبب التشققات الواسعة، لا سيما بعد القصف الذي طال محيط المخيم مؤخراً، معتبراً أن أي غارة قريبة قد تؤدي إلى انهيار المبنى.

ويشير محمد لموقعنا إلى غياب أي تواصل من الجهات المعنية، معتبراً أن "أونروا" تتحمل مسؤولية ملف البناء، إلا أن دورها "غائب منذ سنوات". ويضيف أن عائلته تستضيف أقارب نزحوا من مخيم برج البراجنة، ما يزيد الضغط داخل المنزل.

ويعاني محمد من أوضاع معيشية قاسية، بعد توقف مساعدات "الشؤون" التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ أكثر من سبعة أشهر، وانقطاع مصدر دخله، في وقت يحتاج فيه إلى تأمين أدوية لابنته من ذوي الاحتياجات الخاصة، ما اضطره إلى قطع الكهرباء والإنترنت عن منزله.

خطر قاتل وتحذيرات قديمة تتضاعف مع الحرب

من جهته، يحذر اللاجئ عبيدة عبادي من خطورة تشابك شبكات الكهرباء والمياه داخل المخيم نتيجة التمديدات العشوائية، حيث يقوم بعض السكان بربط أشرطة الكهرباء مع المياه، ما تسبب بوقوع حالات وفاة.

ويؤكد عبادي لبوابة اللاجئين الفلسطينيين أن الأبنية تفتقر إلى أسس هندسية متينة، ما يجعلها أكثر عرضة للانهيار، لافتاً إلى أن القصف في محيط المخيمات يزيد من احتمالات التصدع والانهيار، خاصة في الأبنية القديمة.

كما أشار إلى تغيّر التركيبة السكانية مع مغادرة عدد من السوريين وحلول لاجئين فلسطينيين من مخيمات أخرى مكانهم، ما يزيد الضغط على الأبنية والبنية التحتية.

كما انتقد إغلاق عيادة "أونروا" داخل المخيم، متسائلاً عن أسباب ذلك، في وقت يضطر فيه السكان للتوجه إلى مخيم مار الياس لتلقي العلاج.

بدوره، يؤكد أمين سر اللجان الشعبية في مخيم شاتيلا، المهندس ناجي دوالي، أن عدداً من المباني مصنف رسمياً كمهدد بالانهيار، من بينها "مبنى زيدان"، مشيراً إلى أن البلدية ووزارة الداخلية أبلغتا اللجان بضرورة تحذير السكان، خاصة في ظل الظروف الأمنية الحالية.

وأوضح دوالي أن نحو 30 مبنى شُيّدت بشكل عشوائي، دون مراعاة قدرة الأعمدة على تحمل طوابق إضافية، خصوصاً بعد لجوء بعض السكان للبناء بهدف التأجير خلال فترة النزوح السوري.

ولفت إلى أن اتحاد المهندسين كان قد حذر منذ عام 2011 من مخاطر البناء العشوائي، إلا أن تلك التحذيرات لم تلقَ أي استجابة، ما أدى إلى تفاقم الوضع مع مرور الزمن، ليصبح أكثر خطورة اليوم مع استمرار العدوان.

وأضاف أن أكثر من نصف سكان المخيم حالياً من المستأجرين السوريين، في حين نزحت مؤخراً نحو 64 عائلة فلسطينية، ما زاد الضغط على البنية التحتية، في ظل غياب واضح لدور المؤسسات والجمعيات.

اكتظاظ سكاني خانق ونزوح جديد يفاقم الأزمة

وأشار دوالي إلى أن مساحة المخيم لا تتجاوز110 دونمات، بينما يُقدّر عدد السكان بنحو 25 ألف نسمة، موزعين على حوالي 600 مبنى فقط، ما يعكس حجم الاكتظاظ والخطر، خاصة في ظل الظروف الأمنية الحالية.

وأكد أن اللجان الشعبية راسلت "أونروا" مراراً بشأن المباني المهددة، إلا أن استجابتها اقتصرت على أعمال ترميم محدودة داخل بعض المنازل قبل خمس سنوات، دون معالجة جذرية.

كما أشار إلى أن البناء العشوائي يحجب أشعة الشمس عن الطوابق السفلية، ما يؤدي إلى الرطوبة وانتشار الأمراض، خاصة الربو بين الأطفال، مطالباً بتشكيل لجنة هندسية بإشراف "أونروا" لمتابعة الواقع العمراني، وفتح مراكز إيواء، وإعادة تشغيل العيادات الصحية.

في موازاة ذلك، تروي اللاجئة (ص. عيسى)، التي نزحت من منطقة الجناح إلى مخيم مار الياس، أنها تعيش مع عائلتها المكونة من خمسة أفراد في منزل أقارب يتسع لثلاثة أشخاص فقط، وسط ظروف معيشية صعبة وانعدام فرص العمل.

وتشير إلى أن المساعدات التي تلقتها اقتصرت على فرش وأغطية ووجبات غذائية، معربة عن أملها في العودة إلى منزلها قريباً.

من جهته، أوضح أمين سر اللجان الشعبية في مخيم مار الياس لبوابة اللاجئين الفلسطينيين أن عدد العائلات النازحة بلغ 151 عائلة من مناطق الجنوب وبيروت، حيث توزعت بين منازل أقارب أو مساكن مستأجرة أو مقدمة كهبات.

وأكد أن هذا النزوح أدى إلى ضغط كبير على خدمات المياه والكهرباء والنفايات، في وقت تواصل فيه اللجان جهودها لتأمين المساعدات رغم محدودية الإمكانيات.

وفي سياق متصل، تقول أميرة، وهي لاجئة فلسطينية من مخيم برج البراجنة، إن معظم السكان اضطروا لمغادرة المخيم لأن المنازل باتت غير آمنة، خاصة في ظل تقارب الأبنية من بعضها البعض، ما يزيد من خطر الشظايا أو الانهيارات في حال وقوع ضربات قريبة.

وتضيف أن العديد من الضربات كانت قريبة جداً من المخيم، ما أدى إلى تضرر معظم المنازل الواقعة على أطرافه، مشيرة إلى أن الخوف لا يقتصر عليها بقدر ما يتركز على عائلتها، خاصة مع صدور التحذيرات المتكررة وقرب الاستهدافات من منزلها.

وتوضح أن الأهالي يعيشون حالة من الإرباك، إذ لا يعرفون إلى أين يمكن أن يذهبوا عند صدور الإنذارات، ما يضطرها وعائلتها إلى اللجوء إلى منازل الجيران في الطوابق الأرضية، قائلة: "مننزل عند الجيران عالأرضي كرمال إخواتي الصغار بخافوا من الأصوات".

وتشير إلى أن الخوف يتضاعف مع احتمالية تطاير الشظايا نحو المباني، مؤكدة أنهم يحاولون قدر الإمكان التأقلم وعدم الاستسلام للخوف، إلا أن أصوات الرصاص داخل المخيم أثناء الإنذارات تكون أحياناً أقوى من صوت الضربة نفسها.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المخيمات الفلسطينية في بيروت أمام واقع إنساني ومعماري شديد الهشاشة، حيث تتقاطع مخاطر الانهيار مع آثار القصف والعدوان، لتجعل الحياة اليومية معركة مستمرة من أجل البقاء، وسط مخاوف متزايدة من كارثة محتملة في حال استمرار الوضع على ما هو عليه.