قدّر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد" الذي عقد أمس الخميس 24 أيلول/ سبتمبر، احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في قطاع غزة بنحو 71.5 مليار دولار، في ظل تضرر أو تدمير 92% من المنشآت الاقتصادية وانخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى ما يعادل 58 سنتاً يومياً، بالتزامن مع دعوة ثماني دول إلى تحرك عاجل يضمن دخول المساعدات وإعادة تأهيل القطاع الصحي، ويؤكد دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا."

ووثّق تقرير "أونكتاد" الذي عُرض أمام مجلس التجارة والتنمية التابع للأمم المتحدة، ضياع عقود من المكاسب التنموية وانهيار اقتصاد غزة، وأشار التقرير إلى أن 59 عاماً من الاحتلال قيّدت الاقتصاد الفلسطيني، فيما ارتفعت التكاليف الهيكلية والاقتصادية بصورة حادة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وبعد الانكماش الحاد المسجل عام 2024، نما الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني بنسبة 4.3% عام 2025، انطلاقاً من قاعدة منخفضة، لكنه بقي أقل بنسبة 20% من مستواه عام 2022، كما بيّن التقرير.

وفي غزة، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 34.2%، بعد انكماشه بنسبة 83% عام 2024، إلا أن التقرير وصف هذا الارتفاع بأنه انتعاش إحصائي ناتج من المقارنة بقاعدة اقتصادية تقلصت بشدة.

ومنذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، فقد مئات آلاف الفلسطينيين وظائفهم في عموم الأرض الفلسطينية المحتلة، ما تسبب بخسارة تراكمية في دخل العمل تُقدّر بنحو 2.8 مليار دولار، حسبما وثق التثرير.

انهيار القطاعات الإنتاجية في غزة

وقدّر التقرير أن 92% من المنشآت الاقتصادية في قطاع غزة تضررت أو دُمّرت منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، فيما لم يتجاوز نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 212 دولاراً خلال عام 2025، أي نحو 0.58 دولار يومياً و17% فقط من مستواه عام 2022، فيما بلغت البطالة في القطاع 78%، في حين كان أكثر من 90% من السكان في سن العمل من دون عمل.

كما تراجعت مساهمة غزة في الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني من 17.4% قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى أقل من 4% عام 2025.

وظلت القطاعات الإنتاجية في غزة أدنى بكثير من مستوياتها عام 2022؛ إذ تراجع إنتاج قطاعي الزراعة والصناعة بنسبة 94% لكل منهما، فيما انخفض نشاط قطاع البناء بنسبة 99%، بحسب التقرير.

وفي عام 2025، بقي المستوى العام للأسعار في غزة أعلى بنسبة 274% من مستواه عام 2022، وبلغت أسعار سلع أساسية، بينها البطاطا وغاز الطهي، أضعاف أسعارها السابقة.

35.2 مليار دولار أضراراً مادية

واستند التقرير إلى تقييم سريع أعدّه البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، قدّر قيمة الأضرار المادية التي لحقت بالبنية التحتية في غزة بنحو 35.2 مليار دولار، والخسائر الاقتصادية والاجتماعية بنحو 22.7 مليار دولار حتى مطلع عام 2026.

وقدّر التقييم، بصورة منفصلة، احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.5 مليار دولار، مع احتمال ارتفاع الرقم إذا جرى توثيق أضرار جديدة.

ويشكّل الإسكان أكبر فئة من حيث حجم الأضرار واحتياجات إعادة الإعمار، فيما لحقت أضرار واسعة بالمؤسسات التعليمية والصحية، وخرج أكثر من نصف المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية عن الخدمة.

ولم يتبقَّ من الأراضي الزراعية في غزة سوى أقل من 1.5% يمكن الوصول إليه ولم يتعرض للضرر، ما زاد اعتماد السكان على المساعدات الغذائية الإنسانية.

ورأى "أونكتاد" أن التعافي وإعادة الإعمار في الأرض الفلسطينية المحتلة يتطلبان مساعدات مالية وتقنية دولية واسعة النطاق، وإعادة بناء القدرات الإنتاجية في قطاعات الزراعة والصناعة والبناء والطاقة والتكنولوجيا، بما يتيح تجاوز الأوضاع التي كانت قائمة قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وحدد التقرير ثلاث أولويات فورية تتمثل في تحويل الإيرادات الفلسطينية المحتجزة، وحماية الجهاز المصرفي، ومواءمة دعم إعادة الإعمار مع الحجم الموثّق للأضرار والخسائر الاقتصادية.

ثماني دول تدعو إلى تحرك إنساني عاجل

بالتزامن مع التقرير، أطلقت كلّ أستراليا والدنمارك ومصر والأردن والكويت وقطر والسعودية والمملكة المتحدة دعوة مشتركة للتحرك بشأن وصول المساعدات والرعاية الصحية إلى قطاع غزة.

وأكدت الدول الثماني التزامها بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، ودعم التعافي وإعادة الإعمار والسلام طويل الأجل في غزة، من خلال السلطة الفلسطينية و"مجلس السلام" و"اللجنة الوطنية لإدارة غزة."

وأشارت إلى أن الخطة الشاملة التي أقرها القرار تنص على الإدخال الفوري والكامل للمساعدات الإنسانية، بمستويات لا تقل عن تلك المتفق عليها في 19 كانون الثاني/يناير 2025، بما يشمل إعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والمستشفيات والمخابز، وإدخال معدات إزالة الأنقاض وفتح الطرق.

وشددت على ضرورة إيصال المساعدات من دون تدخل، عبر الأمم المتحدة ووكالاتها، والحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر والمنظمات الإنسانية الدولية المحايدة.

وقالت الدول إن مرور نحو عام على وقف إطلاق النار أظهر أن تحسين الوضع الإنساني ممكن عندما تتوافر الإرادة السياسية، إلا أن الاحتياجات الأساسية والملحّة، وفي مقدمتها الرعاية الصحية وتدابير حماية الصحة العامة، لا تزال تتطلب تحركاً فورياً.

43  ألف شخص يحتاجون إلى رعاية متخصصة

لفتت الدعوة إلى أن القطاع الصحي في غزة تعرّض للتدمير، ولا يوجد مستشفى واحد يعمل بكامل طاقته، وسط نقص واسع في الوقود والمعدات الأساسية وانقطاع الإمدادات الطبية والأدوية أو وصولها بكميات محدودة.

وأوضحت أن ما لا يقل عن 43 ألف شخص يواجهون إعاقات غيّرت مجرى حياتهم، من دون الحصول على الرعاية المتخصصة أو الأطراف الصناعية أو خدمات إعادة التأهيل.

ومنذ عام 2023، سُجل ما لا يقل عن 920 اعتداءً على المنشآت والعاملين في المجال الصحي، واستشهد أكثر من 1700 عامل صحي، فيما اعتُقل آخرون وتعرضوا لسوء معاملة شديد.

وحذّرت الدول من أن نقص المأوى والمياه والصرف الصحي والخدمات الطبية مع اقتراب الشتاء سيؤدي إلى تدهور إضافي في الوضع الصحي، وتفاقم تفشي الأمراض وزيادة مخاطر التلوث البيئي.

وعدّت أن العقبة الأكبر أمام استعادة الخدمات الصحية تتمثل في القيود التي تفرضها حكومة الاحتلال على دخول المساعدات بالكميات المطلوبة ومن دون عوائق، إلى جانب منع أو تأخير إدخال مواد البناء اللازمة لإعادة تأهيل المنشآت الصحية.

تأكيد دور "أونروا" ورفض تكريس فصل غزة

وتعهدت الدول بدعم الاستعدادات العاجلة لفصل الشتاء، بما يشمل المأوى والمياه والصرف الصحي والإمدادات الطبية، ودعم السلطة الفلسطينية، بالتعاون مع اللجنة الوطنية الانتقالية لإدارة غزة والأمم المتحدة والشركاء الإنسانيين، لاستعادة الخدمات الصحية وإعادة تأهيل بنيتها التحتية.

وأكدت ضرورة أن يعزز هذا الدعم المؤسسات الفلسطينية الموحدة في إطار مسار يقود إلى حل الدولتين، وألا ينشئ هياكل موازية أو يكرّس الفصل السياسي والإداري بين قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.

كما أعادت التأكيد على الدور الحيوي للأمم المتحدة ووكالاتها والمنظمات الإنسانية المحايدة، بما فيها "أونروا"، التي وصفتها بأنها جهة لا غنى عنها لتقديم الخدمات الأساسية في فلسطين والمنطقة.

مطالب بفتح المعابر واستعادة الإحالات الطبية

دعت الدول حكومة كيان الاحتلال إلى السماح بوصول المساعدات بسرعة ومن دون عوائق إلى أنحاء غزة كافة، عبر جميع المعابر والطرق البرية المتاحة، وزيادة قدرات المعابر وساعات عملها، وإلغاء الحصص التعسفية والتأخير والإجراءات البيروقراطية التي تعرقل دخول المساعدات وترفع تكلفتها.

وطالبت بتسهيل التشغيل الكامل والمنتظم للممرين الإنسانيين المصري والأردني، وتخصيص عدد كافٍ من القوافل يومياً، وتسريع التفتيش وضمان الحركة المتواصلة عبر المعابر.

كما دعت إلى الموافقة على إدخال المواد الضرورية، بما فيها المواد المصنفة "مزدوجة الاستخدام"، وخصوصاً مستلزمات المأوى والوقود والمياه والصرف الصحي والقطاع الطبي، وإصدار الموافقات المطلوبة في الوقت المناسب عبر آلية الأمم المتحدة المنشأة بموجب القرار 2720.

وشددت على أن خطورة الوضع الإنساني تفرض رفع معايير رفض إدخال المواد، بما يتوافق مع اتفاقيات جنيف التي تلزم الأطراف بالسماح بالمرور الحر للإمدادات الطبية الأساسية.

وطالبت باستعادة مسار الإحالات الطبية إلى مستشفيات القدس الشرقية والضفة الغربية للمرضى والمصابين الذين لا يمكن علاجهم داخل غزة، وحماية العاملين والمنشآت الصحية ووسائل النقل الطبي وفق القانون الدولي الإنساني وقرار مجلس الأمن رقم 2286.

ودعت كذلك إلى ضمان الإجراءات القانونية الواجبة للطواقم الصحية المحتجزة، والسماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارتهم، وحماية المواقع الإنسانية والطواقم المدنية والبنية التحتية، وفتح تحقيقات جنائية شفافة في الاعتداءات على العاملين في المجالين الصحي والإنساني.

وطالبت الدول الثماني بالسماح للوفود الدولية رفيعة المستوى والصحفيين بدخول غزة، معتبرة أن وجود الدبلوماسيين ووسائل الإعلام على الأرض، بعد نحو عام على وقف إطلاق النار، سيضع حداً للجدل بشأن حقيقة الأوضاع في القطاع.