تحت الخيام وعلى مرمى نيران الاحتلال.. طلبة غزة يعودون إلى الدراسة وسط دمار المدارس والخوف
بين خيام النزوح وصفوف أقيمت من الشوادر والكرفانات، عاد مئات آلاف الطلبة في قطاع غزة، السبت 19 أيلول / سبتمبر، إلى عامهم الدراسي 2026/2027، بعد نحو ثلاثة أعوام بددت خلالها حرب الإبادة الجماعية انتظام التعليم، ودمرت أو ألحقت أضرارًا جسيمة بمعظم المدارس والمنشآت التعليمية في القطاع.
وبدأ دوام الطلبة السبت 19 أيلول/ سبتمبر، بعد التحاق الهيئات الإدارية والتدريسية في 16 من الشهر ذاته، ضمن خطة لوزارة التربية والتعليم العالي تقوم على التعليم الوجاهي في نقاط تعليمية مؤقتة، بالتوازي مع التعليم الافتراضي للطلبة الذين يتعذر عليهم الوصول إلى أماكن الدراسة. وتقول الوزارة إنها تستعد لتوفير نحو 700 نقطة تعليمية وجاهية و25 مدرسة مؤقتة بما يتيح لنحو 541 ألف طالب وطالبة مواصلة تعليمهم وفق الإمكانات المتاحة.
ولا تشبه العودة إلى الدراسة في غزة أي عام دراسي تقليدي؛ فالمبنى المدرسي لم يعد متاحًا لعشرات آلاف الطلبة، بعدما تعرضت غالبية المنشآت التعليمية للدمار أو الضرر، في حين تحولت مدارس أخرى إلى مراكز لإيواء عائلات نازحة فقدت منازلها.
وتشير أحدث تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" إلى أن نحو 700 ألف طفل بين 4 و17 عامًا حُرموا من التعليم النظامي الوجاهي طوال ما يقارب ثلاثة أعوام دراسية، فيما تعرض نحو 98% من المباني المدرسية في غزة للضرر، ويحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة تأهيل كبيرة أو إعادة بناء كاملة.
وبفعل هذا الدمار، انتقلت الدراسة إلى الخيام والكرفانات والمساحات المؤقتة، وأصبح المشهد التعليمي في القطاع انعكاسًا مباشرًا لما خلفته الإبادة الجماعية؛ طلبة يجلسون في صفوف لا توفر في كثير من الأحيان حماية كافية من حرارة الصيف أو برد الشتاء، وسط نقص في المقاعد والكتب والمستلزمات الأساسية.
ولا يقتصر قلق العائلات على طبيعة الخيام التي تحولت إلى صفوف دراسية، إذ يواجه طلبة في مناطق شمال وشرق القطاع خطرًا إضافيًا مع وجود عدد من نقاط التعليم بالقرب من مناطق تشهد إطلاق نار متكرر من قوات الاحتلال "الإسرائيلي"، وخصوصًا قرب ما يعرف بـ"الخط الأصفر".
ومع توجه الطلبة إلى مدارسهم في اليوم الأول، فضلت عائلات عدم إرسال أبنائها إلى بعض المدارس الواقعة شرق جباليا والمناطق القريبة من مواقع قوات الاحتلال، خشية تعرضهم لإطلاق النار خلال توجههم إلى الدراسة أو عودتهم منها.
وقال هشام أبو زيد، وهو أب لأربعة طلبة من شرق جباليا، إنه قرر إبقاء أبنائه في المنزل خلال الأيام الأولى والبحث عن مدرسة في منطقة أكثر أمانًا، مشيرًا إلى أن المنطقة التي توجد فيها مدرستا أبنائه تشهد منذ نحو أسبوعين إطلاق نار شبه يومي من طائرات مسيرة "إسرائيلية" من طراز "كواد كابتر".
وأوضح أن مخاوفه لا تتعلق فقط بوجود المدرسة في المنطقة، بل بالطريق الذي يقطعه أطفاله يوميًا في ظل استمرار إطلاق النار، لافتًا إلى وقوع قتلى وإصابات في المناطق المحيطة خلال الفترة الماضية.
ويشارك سمير السموني هذه المخاوف، إذ قرر بدوره التريث قبل إرسال أبنائه الثلاثة إلى الدراسة، معتبرًا أن إقامة صفوف من الخيام والشوادر في مناطق قريبة من مواقع قوات الاحتلال تضع الأهالي أمام قلق يومي على حياة أطفالهم.
ويقول السموني إن المدارس الخاصة الواقعة في مناطق يعتبرها أكثر أمانًا تتطلب رسومًا لا يستطيع تحملها، ما يحد من البدائل أمام عائلته.
ويضيف أن الخيام نفسها لا توفر حماية حقيقية للطلبة من إطلاق النار أو شظايا القذائف، ما يجعل رحلة التعليم محفوفة بالخطر حتى بعد وصول الأطفال إلى الصفوف.
المخاوف ذاتها تمتد إلى المعلمين. ويقول إبراهيم منصور، وهو مدرس يعمل في مدرسة قريبة من "الخط الأصفر"، إن الاستعدادات التي سبقت افتتاح العام الدراسي جرت في ظروف أمنية صعبة، وإن العاملين في المدرسة اضطروا أكثر من مرة إلى مغادرتها بسبب إطلاق النار.
وبحسب منصور، تعرضت خيام داخل المدرسة لإطلاق نار من طائرات مسيرة، الأمر الذي يثير شكوكًا بشأن إمكانية انتظام الدراسة في عدد من المدارس الواقعة في المناطق الشرقية والشمالية إذا استمرت الأوضاع على حالها.
وتعكس هذه الشهادات معضلة تواجه المنظومة التعليمية في غزة: الحاجة الملحة إلى إعادة مئات آلاف الأطفال إلى الدراسة من جهة، وغياب بيئة تعليمية آمنة ومستقرة في أجزاء واسعة من القطاع من جهة أخرى.
ولا تنتهي الأزمة عند توفير مكان للجلوس. فقد تراكم فاقد تعليمي واسع لدى الطلبة بعد سنوات من الانقطاع والنزوح وتعطل الدراسة، ما دفع وزارة التربية والتعليم إلى اعتماد برامج تركز على استعادة المهارات الأساسية بدل العودة المباشرة إلى المسار التقليدي للمناهج.
وتتركز العملية التعليمية الوجاهية في المواد الأساسية، ومنها اللغة العربية واللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم، بالتوازي مع الاستفادة من التعليم الإلكتروني والمواد المطبوعة والحلول منخفضة التقنية للطلبة الذين لا تتوفر لديهم أجهزة أو اتصال منتظم بالإنترنت.
وتؤكد الوزارة أن خطة العام الجديد تقوم على تعدد المسارات التعليمية، بما يشمل الخيام والكرفانات والنقاط التعليمية والمدارس الافتراضية، في محاولة للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الطلبة دون انتظار إعادة بناء المنظومة التعليمية المدمرة.
وتكشف الأرقام حجم الخسائر التي لحقت بالتعليم. ففي حزيران/ يونيو، قالت وزارة التربية والتعليم إن أكثر من 19 ألف طالب مدرسي في قطاع غزة و802 من العاملين في المدارس قتلوا منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إلى جانب تدمير عشرات المدارس الحكومية وتضرر منشآت تابعة لـ"أونروا".
كما خلّفت حرب الإبادة الجماعية آثارًا نفسية واجتماعية واسعة بين الطلبة الذين عاش كثير منهم تجارب النزوح وفقدان أفراد من عائلاتهم ومنازلهم، ما يجعل استعادة التعليم مرتبطة كذلك بالدعم النفسي والاجتماعي، وليس فقط بتوفير الكتب والمعلمين.
وبينما يستقبل طلبة العالم عامهم الدراسي داخل صفوف ومدارس مستقرة، يبدأ أطفال غزة عامهم الجديد وسط الخيام والركام، وفي بعض المناطق على مقربة من مواقع قوات الاحتلال، في مشهد يكشف حجم الدمار الذي أصاب حقهم في التعليم.
ومع ذلك، تمضي المؤسسات التعليمية في محاولة إعادة الطلبة إلى الدراسة بما هو متاح، لتتحول العودة إلى المدرسة في غزة من حدث اعتيادي إلى معركة يومية للحفاظ على التعليم ومنع جيل كامل من دفع ثمن سنوات إضافية من الانقطاع والدمار.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات