حذّرت نقابة الصحفيين الفلسطينيين من أن حياة عشرات الصحفيين المرضى والجرحى في قطاع غزة باتت مهددة بسبب تعذر حصولهم على العلاج المتخصص، مطالبة بإجلاء نحو 40 صحفياً إلى خارج القطاع بصورة عاجلة، في وقت يتواصل فيه استهداف الصحفيين الفلسطينيين بالاعتقال والملاحقة في الضفة الغربية، حيث ارتفع عدد المعتقلين منهم في سجون الاحتلال إلى 39 صحفياً وصحفية.

وقالت النقابة إن الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام في قطاع غزة يعملون في ظروف "استثنائية وقاسية"، في ظل استمرار حرب الإبادة "الإسرائيلية" والقصف والنزوح وتدهور الأوضاع الإنسانية، بالتوازي مع انهيار أجزاء واسعة من المنظومة الصحية والنقص في الأدوية والمستلزمات الطبية.

وأوضحت أن المخاطر التي يواجهها الصحفيون لا تقتصر على القتل والإصابة أثناء عملهم، إذ يعاني عشرات منهم إصابات بليغة وأمراضاً تستدعي عمليات جراحية ورعاية تخصصية غير متوفرة بصورة كافية داخل غزة، مقدرة عدد الصحفيين الذين يحتاجون إلى الإجلاء الطبي والعلاج في الخارج بنحو 40 صحفياً.

وشددت على أن إجلاء الصحفيين المرضى والمصابين أصبح قضية إنسانية وحقوقية ملحة، وخصوصاً لمن يعانون إصابات عصبية خطيرة، وإصابات في الأطراف، وأمراضاً مزمنة، أو يحتاجون إلى عمليات جراحية وبرامج متخصصة لإعادة التأهيل، محذرة من أن تأخير العلاج قد يؤدي إلى تدهور أوضاعهم أو إصابتهم بإعاقات دائمة وفقدان فرص العلاج والتعافي.

إصابات وبتر وشلل وحاجة إلى العلاج

وقالت لجنة الحريات التابعة لنقابة الصحفيين إن عمليات الرصد والتوثيق التي تجريها أظهرت وجود عشرات الصحفيين المرضى والجرحى الذين يحتاجون إلى رعاية متخصصة، وبعضهم بحاجة ماسة إلى مغادرة القطاع للعلاج.

ومن بين الحالات التي وثقتها، الصحفي زكريا التلمس الذي بُترت قدمه، وصدرت مناشدات علنية لإجلائه وتوفير العلاج له خارج غزة.

كما أشارت إلى المصور الصحفي محمد فايق أبو مصطفى، الذي يرقد على سرير المرض منذ أكثر من عام إثر إصابته في استهداف مباشر للصحفيين في محيط مستشفى ناصر بمدينة خان يونس في 25 آب/أغسطس، والذي أدى إلى استشهاد خمسة صحفيين على الفور.

وأوضحت أن الشظايا التي اخترقت جسد أبو مصطفى أدت إلى إصابته بشلل في أطرافه السفلية، وأن حالته ما تزال مهددة بالتدهور إذا لم يستكمل علاجه خارج القطاع، رغم خضوعه لسبع عمليات جراحية خلال الأشهر الماضية.

كذلك بُترت قدم الصحفي سامي شحادة جراء استهدافه بقذيفة لجيش الاحتلال، أثناء تغطيته نزوح الفلسطينيين من مخيم النصيرات وسط القطاع خلال عدوان بري، وما يزال بحاجة إلى استكمال العلاج.

وقال الصحفي الجريح محمد نعيم، خلال وقفة نظمتها نقابة الصحفيين في غزة، إن الاحتلال "يحكم على إعلاميين وصحفيين جرحى في غزة بالإعدام، باستمرار التعنت في منع السفر والعلاج خارج القطاع"، في إشارة إلى معاناة الجرحى والمرضى وعدم تمكنهم من الوصول إلى الرعاية المتخصصة.

من جهته، تحدث نائب نقيب الصحفيين تحسين الأسطل عن الوضع الصحي الصعب للصحفي حسن جبر وعدد من زملائه، مطالباً منظمة الصحة العالمية والجهات المسؤولة بالتحرك سريعاً لتسهيل سفرهم للعلاج، ولا سيما أنهم يمتلكون التقارير والأوراق الخاصة بالتحويلات الطبية الخارجية.

احتياجات علاجية واسعة وقيود على السفر

وأكدت لجنة الحريات أن هذه الحالات ليست سوى نماذج من عشرات الصحفيين المحتاجين إلى العلاج خارج القطاع، وأن احتياجاتهم تشمل العمليات الجراحية التخصصية، وعلاج الإصابات العصبية وإعادة تأهيلها، وإصابات الأطراف والكسور، ومتابعة الأمراض المزمنة، والأدوية والمستلزمات الطبية التي لا تتوفر بصورة منتظمة، إضافة إلى العلاج النفسي، والأجهزة الطبية والأطراف الصناعية، وبرامج إعادة التأهيل طويلة الأمد.

وبحسب النقابة، تتضاعف خطورة هذه الحالات مع تدهور قدرة القطاع الصحي ونقص الموارد، فيما تظهر وثائق الرصد أن القيود المفروضة على حركة المرضى والجرحى عبر معبري رفح وبيت حانون منعت أعداداً كبيرة منهم من السفر للعلاج، ما أدى إلى تدهور حالات ووفاة آخرين نتيجة عدم توفر العلاج والأدوية اللازمة.

وسلطت اللجنة الضوء على الصحفي محمد الخالدي، الذي توفي متأثراً بإصابته البليغة وسط صعوبة توفير المستلزمات الطبية اللازمة لإنقاذه، والصحفي حلمي الفقعاوي الذي توفي متأثراً بحروق وإصابات بالغة في ظروف حالت دون تلقيه الرعاية اللازمة بالسرعة المطلوبة.

كما أشارت إلى معاناة إعلاميين مصابين بأمراض مزمنة وأورام في الحصول على بروتوكولات العلاج والأدوية، ومن بينهم ماهر العفيفي، المخرج في تلفزيون فلسطين من قطاع غزة، الذي توفي في أيار/مايو بعد صراع طويل مع المرض وتداعيات الحصار.

وأكدت النقابة أن الإجلاء الطبي "ليس امتيازاً" للصحفيين، وإنما ضرورة إنسانية وطبية عندما لا تتوفر الرعاية المطلوبة داخل منطقة النزاع، وخصوصاً للإصابات المهددة للحياة أو المرتبطة بالجهاز العصبي والدماغ والعمود الفقري، والحالات التي تتطلب جراحات أو علاجاً طويل الأمد وإعادة تأهيل غير متاحة في غزة.

مطالب بممر آمن وإجلاء فوري

ودعت النقابة منظمة الصحة العالمية، والجهات الحكومية في غزة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، والمنظمات الدولية المعنية بحرية الصحافة وسلامة الصحفيين، والاتحادات والنقابات الصحفية الدولية والمؤسسات الإعلامية التي يعمل لديها الصحفيون، إلى التحرك العاجل لضمان وصول المرضى والجرحى إلى العلاج.

وطالبت بإجلاء الحالات التي تستدعي العلاج خارج غزة فوراً، وعدم تعطيل عمليات الإجلاء، وتوفير ممر آمن للمرضى ومرافقيهم، وتأمين العمليات التخصصية والأطراف الصناعية والعلاج الطبيعي والدعم النفسي، إلى جانب تكليف جهة دولية مستقلة بمتابعة أوضاع الصحفيين المرضى والجرحى والتأكد من حصولهم على الرعاية المناسبة.

ودعت كذلك إلى إنشاء وتحديث قاعدة بيانات للصحفيين المرضى والمصابين تتضمن أوضاعهم الصحية ودرجة خطورتها واحتياجاتهم العلاجية، لتحديد الأولويات الطبية، مشيرة إلى أن نقيب الصحفيين ناصر أبو بكر وجه مذكرات حقوقية ووثائقية إلى الاتحاد الدولي للصحفيين ونقابات أوروبية، بينها نقابتا فرنسا وبريطانيا، للمطالبة بالتدخل لإنقاذ حياة الصحفيين.

وشددت النقابة على أن الصحفيين في غزة لا يواجهون خطر الموت والإصابة أثناء نقل الأخبار فحسب، وإنما يواجه الجرحى منهم خطر فقدان حياتهم أو الإصابة بإعاقات دائمة بسبب حرمانهم من العلاج، مطالبة بتحويل التضامن معهم إلى آلية عملية للإجلاء والعلاج والمتابعة وإعادة التأهيل، وعدم السماح بأن يتحول المرض أو الإصابة إلى "حكم بالموت البطيء" بسبب تعذر مغادرة القطاع.

39 صحفياً وصحفية في سجون الاحتلال

وفي الضفة الغربية، يتواصل استهداف الصحفيين الفلسطينيين بالاعتقال والملاحقة والاعتقال الإداري والعزل والتضييق على عملهم، فيما ارتفع عدد الصحفيين والصحفيات المعتقلين في سجون الاحتلال إلى 39  بعد اعتقال الصحفي علاء الريماوي من رام الله فجر الخميس.

وبحسب نادي الأسير الفلسطيني، فإن جميع الصحفيين الـ39 المعتقلين حالياً تعرضوا للاعتقال منذ بدء حرب الإبادة، ويخضع 21 منهم للاعتقال الإداري من دون محاكمة أو توجيه تهم واضحة، استناداً إلى ما تسميه سلطات الاحتلال "الملف السري".

وفي أحدث التطورات، حوّلت سلطات الاحتلال الصحفيين معاذ عمارنة وصبري جبرين من بيت لحم إلى الاعتقال الإداري لمدة أربعة أشهر، فيما تواصل اعتقال الصحفية نقاء حامد من رام الله، التي اعتُقلت في 15 أيلول/سبتمبر الجاري، ومددت سلطات الاحتلال اعتقالها حتى 23 أيلول/سبتمبر الجاري.

وبلغ عدد الصحفيات الفلسطينيات المعتقلات حالياً خمس صحفيات، فيما نقلت سلطات الاحتلال الأسيرة الصحفية بشرى الطويل من سجن "الدامون" إلى العزل في سجن "الرملة"، وسط غياب المعلومات عن ظروف احتجازها.

وأشار نادي الأسير إلى أن استهداف الصحفيين لا يقتصر على الاعتقال، بل يشمل العزل والتنكيل والتعذيب وظروف الاحتجاز القاسية والحرمان من العلاج، فضلاً عن استهدافهم أثناء أداء عملهم، ما يقيد قدرتهم على نقل الوقائع وتوثيق الانتهاكات.

وجدد النادي مطالبته المؤسسات الحقوقية الدولية بتحمل مسؤولياتها في حماية الصحفيين الفلسطينيين وضمان حقهم في ممارسة عملهم، والعمل على وقف سياسات الاعتقال والملاحقة والعزل التي تستهدفهم.