تواجه غزة أزمة بيئية وصحية متفاقمة بفعل حرب الإبادة الجماعية والحصار المتواصل، بعدما أدى تدمير شبكات الصرف الصحي ومحطات الضخ والمعالجة، ومنع الوقود وقطع الغيار، إلى انتشار المياه العادمة في الشوارع والمناطق المنخفضة وتدفقها نحو البحر، مهددةً الفلسطينيين، خصوصًا النازحين، بمخاطر التلوث والأمراض مع اقتراب موسم الأمطار.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، كانت محطات معالجة مياه الصرف الصحي الست في القطاع جميعها خارج الخدمة مطلع سبتمبر/أيلول 2026، فيما توقفت نحو 70% من محطات الضخ، ما أدى إلى تصريف أكثر من 150 ألف متر مكعب من المياه العادمة غير المعالجة يوميًا إلى البيئة.

وتشير معطيات أممية إلى أن نحو 60% من سكان القطاع يقيمون على مسافة تقل عن عشرة أمتار من مياه الصرف أو الفضلات البشرية، فيما يتعرض أكثر من 900 ألف فلسطيني للنفايات المتراكمة في المناطق السكنية، في ظروف تساعد على انتشار الحشرات والقوارض وتزيد المخاطر الصحية.

وفي مدينة غزة، قال الناطق باسم البلدية حسني مهنا إن هجمات جيش الاحتلال دمرت نحو 220 ألف متر من شبكة الصرف الصحي، وأضعفت قدرة البلدية على تصريف المياه العادمة، التي باتت تفيض في الشوارع وتتجمع في المناطق المنخفضة قبل تسربها نحو الساحل.

وأوضح أن البلدية تمكنت من إعادة تشغيل محطتين للضخ فقط من أصل ثماني محطات، بينما لا تزال ست محطات خارج الخدمة، مشيرًا إلى تسرب أكثر من 24 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي يوميًا إلى ساحل المدينة.

وامتد التلوث إلى بركة الشيخ رضوان، المخصصة أساسًا لتجميع مياه الأمطار شمالي مدينة غزة، والتي تحولت إلى تجمع للمياه العادمة بعد تضرر البنية التحتية المحيطة بها.

ويقول النازح محمد حلاوة، المقيم في خيمة قرب أحد الشوارع التي تنتشر فيها مياه الصرف، إن الروائح الكريهة والذباب والبعوض تجعل النوم وتناول الطعام معاناة يومية، وإن أعمال الرش التي تنفذها البلدية لم تعد كافية للتخفيف من المشكلة.

وفي خان يونس جنوبي القطاع، أكد الناطق باسم البلدية صائب لقان تدمير أكثر من 30 ألف متر طولي من شبكات وأنابيب الصرف الصحي، ما فاقم الأزمة وأجبر البلدية على اللجوء إلى تصريف المياه غير المعالجة باتجاه البحر.

وأوضح أن منع الطواقم البلدية من الوصول إلى محطة المعالجة الرئيسة والمكب الرئيس في منطقة "صوفا" شرقي المدينة، دفع البلدية إلى تغيير مسار المياه العادمة لتجنب غرق المناطق المنخفضة وتجمعات النازحين.

وقال لقان إن البلدية تضخ اضطرارًا ما بين ستة آلاف وعشرة آلاف متر مكعب يوميًا من مياه الصرف غير المعالجة إلى شاطئ البحر، محذرًا من تداعيات ذلك على النازحين المنتشرين على امتداد الساحل، ومن احتمال انتقال الملوثات عبر التيارات البحرية إلى مناطق أخرى في حوض المتوسط.

وطالب بالضغط لتمكين طواقم البلدية من الوصول إلى محطات المعالجة، والسماح بإدخال المعدات والأنابيب وقطع الغيار اللازمة لإصلاح المنظومة.

ولا تقتصر آثار التدمير والحصار على الشوارع والساحل؛ إذ يرجح برنامج الأمم المتحدة للبيئة "يونيب" أن انهيار منظومة الصرف الصحي وتدمير شبكات المياه واستخدام الحفر الامتصاصية خلال حرب الإبادة الجماعية، أدت إلى زيادة تلوث الخزان الجوفي الذي يعتمد عليه الفلسطينيون للحصول على المياه.

وأشار البرنامج إلى احتمال تلوث المناطق البحرية والساحلية، مع صعوبة إجراء فحوص شاملة بسبب الظروف الميدانية. كما حذر من أضرار طالت التربة والغطاء النباتي والنظم البيئية، ومن نحو 61 مليون طن من الركام الناتج عن تدمير المباني، قد يحتوي بعضه على مادة الأسبستوس الخطرة، إلى جانب مخاطر المخلفات الصناعية والمعادن الثقيلة.

وعلى شاطئ خان يونس، يعيش النازح فريد العقاد في خيمة منذ نحو عام ونصف، ويقول إن انتشار الروائح والحشرات والأمراض يضطر عائلته إلى مراجعة العيادات والمستشفيات باستمرار، بينما يحرمها التلوث من استخدام مياه البحر.

ويخشى العقاد أن يؤدي هطول الأمطار إلى اختلاط مياه البحر بالصرف الصحي واجتياح الخيام، مطالبًا المؤسسات الدولية بالتدخل لنقل النازحين من المناطق الملوثة أو إصلاح الشبكات قبل تفاقم المخاطر.

وتحذر الأمم المتحدة من تعرض مواقع النزوح المكتظة للفيضانات وتفشي الأمراض خلال موسم الأمطار، في وقت تعرقل فيه قيود الوصول ونقص التمويل تنفيذ أعمال الاستعداد للشتاء.

وتتضاعف هذه الأخطار مع استمرار قيود الاحتلال على إدخال الغذاء والأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء، بينما تعمل البلديات بإمكانات محدودة لمحاولة الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات، بعد التدمير الواسع الذي ألحقته حرب الإبادة الجماعية بالبنية التحتية في القطاع.