شهادات من داخل جيش الاحتلال تتنقل حرب الإبادة إلى مهرجان البندقية
نقل الفيلم الوثائقي "نازا" حرب الإبادة على قطاع غزة إلى قلب مهرجان البندقية السينمائي، عبر شهادات غير مسبوقة لجنود وضباط "إسرائيليين" شاركوا في منظومات المراقبة واختيار الأهداف والقصف، وكشفوا من داخل المؤسسة العسكرية تفاصيل عن آليات استهداف الفلسطينيين واحتساب أعداد المدنيين المتوقع قتلهم خلال الهجمات.
وحظي الفيلم، الذي أعدته صحيفة "ذا غارديان" البريطانية وأخرجه يوفال أبراهام وراشيل زور، بتصفيق وقوف استمر نحو 25 دقيقة خلال عرضه في الدورة الـ83 من المهرجان، قبل أن يفوز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، في وقت أثار مضمونه غضباً داخل حكومة الاحتلال وصل إلى حد التهديد بسحب الجنسية من مخرجيه.
ولا يكتفي فيلم "نازا" بعرض مشاهد الدمار الذي خلفته الحرب على غزة، بل يذهب إلى ما وراء الغارات، محاولاً تفكيك المنظومة التي سبقت القصف: كيف جرت مراقبة الفلسطينيين، وكيف اختيرت الأهداف، وكيف حُسب عدد المدنيين المتوقع قتلهم، وكيف استُخدمت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والقصف عن بُعد في عمليات الاستهداف.
ويستند الفيلم إلى شهادات 24 جندياً وضابطاً في جيش الاحتلال وأجهزة الاستخبارات العسكرية داخل الكيان، تحدث بعضهم عن عمليات قالوا إنها أدت إلى قتل ممنهج للمدنيين الفلسطينيين، فيما تناول آخرون آليات سرية لاختيار الأهداف وتنفيذ الضربات داخل مناطق مكتظة بالسكان.
ويحمل عنوان الفيلم "نازا" دلالة مباشرة على جوهر ما يحاول كشفه، إذ يشير، وفق العمل، إلى اختصار يستخدمه جيش الاحتلال للتعبير عن عدد المدنيين المتوقع إبادتهم في هجوم يخطط له الجيش، بمن فيهم النساء والأطفال.
ويضع الفيلم هذه الآلية في صلب النقاش حول طبيعة حرب الإبادة على غزة، إذ يظهر أن إبادة العائلات لم تكن في كثير من الحالات مجرد نتيجة لاحقة للقصف، بل كانت أعداد الضحايا المدنيين المحتملين جزءاً من عملية تقدير سبقت تنفيذ بعض الهجمات، وفق الشهادات التي يقدمها المشاركون في جرائم الاحتلال.
ويعرض "نازا" كذلك شهادات لعسكريين "إسرائيليين" قالوا إنهم شاهدوا إحراق مناطق سكنية كان الفلسطينيون يستخدمونها ملاجئ، إلى جانب قتل فلسطينيين أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء.
ويقول الفيلم إن بعض المتحدثين فيه خدموا داخل وحدات استخبارات سرية مرتبطة مباشرة بالمستوى السياسي في كيان الاحتلال، ما يمنح شهاداتهم أهمية إضافية في تتبع العلاقة بين القرارات العسكرية والتنفيذ الميداني للعمليات التي أوقعت أعداداً هائلة من الضحايا في غزة.
ويعيد الفيلم بناء مسار الاستهداف بدءاً من جمع المعلومات والمراقبة، وصولاً إلى اختيار الهدف وإطلاق النار أو تنفيذ الغارة، مسلطاً الضوء على الدور المتزايد للأنظمة الرقمية والذكاء الاصطناعي في إدارة حرب الإبادة.
وبحسب الشهادات التي يتضمنها العمل، فإن هذه المنظومات سمحت بمراقبة واسعة للفلسطينيين وتحديد مواقعهم وتصنيف أهدافهم، قبل تنفيذ عمليات القصف عن بعد.
وهنا تتجاوز أهمية الوثائقي مجرد توثيق النتائج الكارثية للحرب، ليطرح سؤالاً أكثر خطورة حول بنية القتل ذاتها: من الذي يحدد أن هذا المنزل هدف؟ ومن يقرر حجم الخسائر الفلسطينية المقبولة؟ وكيف يتحول المدني الفلسطيني إلى رقم داخل منظومة عسكرية؟
ولحماية المشاركين، لجأ صانعو الفيلم إلى وسائل مختلفة لإخفاء هوياتهم، إذ صُورت مقابلات بصورة سرية وعلى مدار نحو ثلاثة أعوام، بينها مقابلات أجريت فوق أسطح مبان في تل أبيب.
كما استخدمت تقنيات رقمية لإخفاء الوجوه وتغيير الأصوات والمظاهر، في محاولة لمنع التعرف إلى أصحاب الشهادات.
وقوبل العرض الأول للفيلم في جزيرة ليدو بمدينة البندقية بتصفيق جماهيري متواصل استمر نحو 25 دقيقة، في واحدة من أطول موجات التصفيق التي شهدها المهرجان.
وقالت وسائل إعلام إيطالية ونقاد تابعوا مهرجان البندقية لسنوات إن المدة تمثل رقماً لافتاً في تاريخ الحدث، متجاوزة التصفيق الذي رافق فيلم "صوت هند رجب" في الدورة السابقة، والذي استمر نحو 24 دقيقة.
ولا تبدو المقارنة بين الفيلمين منفصلة عن المشهد الفلسطيني في المهرجانات الدولية؛ فبينما أعاد «صوت هند رجب» تقديم مأساة طفلة فلسطينية قُتلت في غزة، يذهب "نازا" هذه المرة إلى داخل المنظومة التي تدير عمليات المراقبة والاستهداف والقتل.
وبعد فوز "نازا" بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، انتقل الجدل من قاعات السينما إلى المستوى السياسي الإسرائيلي.
وأعلن وزير الثقافة الصهيوني ميكي زوهر عزمه التحرك لسحب الجنسية من المخرجين يوفال أبراهام وراشيل زور، واصفاً إياهما بـ«الخائنين»، ومعتبراً أن تكريم الفيلم في مهرجان البندقية أمر «صادم».
واتهم الوزير المخرجين بالإضرار ب"إسرائيل" سعياً إلى الحصول على الإشادة في الخارج.
لكن رد الفعل الرسمي "الإسرائيلي" سلط مزيداً من الضوء على الفيلم، ولا سيما أن أبرز ما يعرضه لا يصدر عن شهود فلسطينيين أو مؤسسات حقوقية فحسب، بل عن عسكريين وضباط" إسرائيليين" عملوا داخل الأجهزة التي أدارت الحرب وشاركوا في منظوماتها.
ويضع "نازا" في واجهة النقاش الدولي سؤال المسؤولية عن استشهاد عشرات الآلاف من الفلسطينيين خلال حرب الإبادة الجماعية على القطاع، في ظل الدمار الواسع الذي طال الأحياء السكنية والمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء والبنية التحتية.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات