حذرت منظمة "بتسيلم" الحقوقية من أن ما يجري في الضفة الغربية المحتلة لم يعد، سلسلة انتهاكات منفصلة أو إجراءات عسكرية متفرقة، بل بات يشكل مشروعاً منظماً ومتسارعاً لتفكيك الوجود الفلسطيني ودفع الفلسطينيين إلى الرحيل عن أراضيهم، من خلال منظومة متكاملة تجمع القتل والعنف والاعتقال وإغلاق الطرق والخنق الاقتصادي وتفكيك المؤسسات والاستيلاء على الأرض.

وفي تقرير صدر اليوم الاثنين 14 أيلول/سبتمبر 2026 تحت عنوان "مشروع المحو: إلغاء إسرائيل للوجود الفلسطيني في الضفة الغربية"، قالت المنظمة إن السياسات "الإسرائيلية" تعمل بصورة متوازية على جعل الوجود الفلسطيني "مجزأ وهشاً وتابعاً"، مقابل ترسيخ السيطرة "الإسرائيلية" وتوسيع الاستيطان بصورة دائمة ومؤسسية. وحدد التقرير خمسة محاور رئيسية لما وصفه بـ"آلية المحو": العنف وبث الرعب، تقييد الحركة، الخنق الاقتصادي، التدمير الاجتماعي والسياسي، والتطهير العرقي والاستيلاء على الحيز.

وقالت "بتسيلم" إن هذه المحاور لا تعمل بصورة منفصلة، بل يعزز بعضها بعضاً؛ إذ يؤدي تقييد الحركة والخنق الاقتصادي إلى ضرب مصادر الرزق والروابط الاجتماعية والمؤسسات، بينما يضعف استهداف الحياة السياسية والمجتمعية قدرة الفلسطينيين على الدفاع عن حقوقهم والبقاء في أراضيهم، في حين يشكل عنف المستوطنين أداة الإكراه الأساسية التي تسمح باستمرار المنظومة بأكملها.

ويضع التقرير العنف في صلب مشروع التهجير، معتبراً أنه لا يستهدف فقط من يُقتلون أو يُصابون أو يُعتقلون، بل يخلق بيئة دائمة من الخوف تجعل أبسط تفاصيل الحياة اليومية، من الذهاب إلى المدرسة والعمل إلى الوصول إلى الأرض والمستشفى، مرتبطة باحتمالات الاعتقال أو الاعتداء أو القتل.

ووفق التقرير، تشارك في هذه المنظومة قوات الاحتلال والشرطة وجهاز "الشاباك"، إلى جانب مستوطنين مسلحين وفرق أمن وحراسة في المستوطنات. وقالت المنظمة إن مستوطنين يهاجمون قرى فلسطينية وتجمعات رعاة وأراضي زراعية ومناطق رعي، فيما تكون قوات الاحتلال موجودة في حالات عديدة دون أن توقف الاعتداءات، بل تشارك أحياناً عبر إغلاق الطرق أو إطلاق النار والغاز على الفلسطينيين الذين يحاولون الدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم.

وبحسب معطيات وزارة الصحة الفلسطينية استشهد خلال جرائم المستوطنين وقوات الاحتلال 1,087 فلسطينياً في الضفة الغربية، بما فيها القدس، بين 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 و30 حزيران/يونيو 2026، بينهم 242 طفلاً و21 امرأة، بالتوازي مع اتساع استخدام القصف الجوي والعمليات العسكرية الواسعة وتدمير البنية التحتية، ولا سيما في مخيمات اللاجئين.

وقالت المنظمة إن منظومة الاعتقال والسجون تحولت إلى ذراع مركزية لبث الرعب، مشيرة إلى استشهاد ما لا يقل عن 32 معتقلاً وأسيراً من سكان الضفة الغربية داخل مرافق السجون بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحزيران/يونيو 2026، وقالت إن ذلك جاء نتيجة العنف والإهمال المنهجي والحرمان من العلاج الطبي.

أكثر من 200 حاجز جديد.. الضفة تتحول إلى جيوب معزولة

ويرصد التقرير محوراً ثانياً يقوم على تفكيك الجغرافيا الفلسطينية عبر الحواجز والبوابات والإغلاقات والطرق الالتفافية ونظام التصاريح.

وبحسب "بتسيلم"، أقامت منظمة الاستيطان منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى حزيران/يونيو 2026 أكثر من 200 حاجز جديد، وأغلقت طرقاً تربط عشرات البلدات الفلسطينية بالشوارع الرئيسية وببعضها بعضاً، ما جعل رحلات قصيرة تستغرق ساعات، وأخضع الوصول إلى العمل والمدارس والجامعات والمستشفيات لقرارات قوات الاحتلال على الحواجز.

ولا ترى المنظمة في الحواجز مجرد قيود على حرية الحركة، بل جزءاً من آلية أوسع للسيطرة على الأرض؛ إذ يؤدي منع المزارعين والرعاة من الوصول إلى أراضيهم إلى إضعاف ارتباطهم بها وتهيئة الظروف للاستيلاء عليها، بينما تتحول التجمعات الفلسطينية تدريجياً إلى جيوب معزولة، في مقابل إنشاء طرق وبنية تحتية توفر تواصلاً جغرافياً للمستوطنات.

خنق اقتصادي يضرب مقومات البقاء

ويشير المحور الثالث إلى الخنق الاقتصادي بوصفه أداة لا تقل خطورة عن العنف المباشر، إذ تقول المنظمة إن السيطرة الإسرائيلية على الأرض والمياه والمعابر والتجارة والبنية التحتية وسوق العمل تجعل الاقتصاد الفلسطيني مرتبطاً بصورة كبيرة بالقرارات الإسرائيلية.

وبعد تشرين الأول/أكتوبر 2023، ألغت "إسرائيل" بصورة شبه كاملة تصاريح العمل لفلسطينيين من الضفة، ما أدى، بحسب التقرير، إلى فقدان أكثر من 140 ألف فلسطيني مصدر رزقهم الرئيسي، فيما ارتفعت البطالة من نحو 13.1% عام 2022 إلى أكثر من 31.3% عام 2024. كما وثق التقرير مقتل ما لا يقل عن 26 عاملاً فلسطينياً خلال محاولتهم عبور جدار الفصل بحثاً عن العمل حتى نهاية حزيران/يونيو 2026.

وتقول "بتسيلم" إن استهداف الزيتون والأراضي الزراعية وقطعان الأغنام ومصادر المياه لا يؤدي فقط إلى خسارة فورية للدخل، بل يضرب أيضاً نمط حياة متوارثاً وعلاقة الفلسطينيين بأرضهم، ما يجعل الاستمرار فيها أكثر صعوبة ويدفع العائلات تدريجياً نحو الرحيل.

استهداف المجتمع والصحافة والتعليم والذاكرة الفلسطينية

أما المحور الرابع، فيتناول ما وصفه التقرير بـالتدمير الاجتماعي والسياسي، من خلال ملاحقة التنظيم السياسي والنقابي والطلابي والصحفي والحقوقي، واقتحام المؤسسات وتقييد الاحتجاجات والاعتقالات المرتبطة بالنشاط العام أو بما ينشر على شبكات التواصل.

ووفق التقرير، تصاعد منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 استهداف مسؤولين منتخبين وناشطين وأكاديميين وطلبة وصحفيين، إلى جانب اقتحام مكاتب منظمات وتقييد مظاهرات وملاحقة فلسطينيين بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. وقالت المنظمة إن هذه الإجراءات تعمل على ردع المجتمع عن التنظيم والعمل الجماعي.

ولفت التقرير إلى أن الاستهداف يمتد إلى المدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية والصحافة والأرشيفات، مشيراً أيضاً إلى الإجراءات الإسرائيلية ضد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، والتي اعتبر أنها لا تمس الخدمات الأساسية للاجئين فقط، وإنما تستهدف أيضاً مؤسسة مركزية مرتبطة بذاكرة اللجوء الفلسطينية ومكانتها السياسية والتاريخية.

الاستيلاء على الأرض والتهجير.. الوجه الأكثر وضوحاً للمشروع

ويصل التقرير في محوره الخامس إلى ما وصفه بـالتطهير العرقي والاستيلاء على الحيز، معتبراً أن هذا المحور يمثل النتيجة الأكثر وضوحاً لتكامل سياسات العنف والإغلاق والخنق الاقتصادي والاستهداف المجتمعي.

وتقول "بتسيلم" إن "إسرائيل" استولت منذ عام 1967 على أكثر من مليوني دونم، أي أكثر من ثلث مساحة الضفة الغربية، من خلال الإعلان عن "أراضي دولة" و"مناطق عسكرية" و"مناطق إطلاق نار" ومحميات ومواقع أثرية، إضافة إلى قيود التخطيط والبناء والهدم والاستيطان وشق الطرق.

ويشير التقرير إلى أن البؤر والمزارع الاستيطانية باتت أداة مركزية للاستيلاء السريع على مساحات شاسعة، موضحاً أن مستوطنين مسلحين يستخدمونها لإغلاق الطرق ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى الأراضي والمراعي ومصادر المياه والاعتداء على السكان والقطعان والممتلكات.

وبحسب أرقام التقرير، استولت إسرائيل، عبر هذه الآلية وبواسطة جماعات المستوطنين، على أكثر من 1.07 مليون دونم حتى تموز/يوليو 2026، أي نحو 18% من مساحة الضفة الغربية، فيما أقيمت 185 بؤرة استيطانية جديدة بين عامي 2023 و2025، نحو 130 منها على شكل مزارع استيطانية.

وتقول المنظمة إن الجمع بين اعتداءات المستوطنين، ومنع الوصول إلى الأرض، وهدم المنازل والبنية التحتية، وغياب الحماية للفلسطينيين، يخلق "بيئة قسرية" لا تسمح للتجمعات بالبقاء.

وحتى حزيران/يونيو 2026، أدى هذا الواقع، إلى التهجير الكامل لـ64 تجمعاً فلسطينياً من تجمعات الرعاة، والتهجير الجزئي لـ18 تجمعاً آخر. وتؤكد المنظمة أن النقل القسري لا يشترط طرد السكان بالقوة المباشرة، بل يمكن أن يحدث عندما تجعل سلطات الاحتلال، أو جهات تعمل تحت حمايتها، الحياة في المكان مستحيلة.

33 ألف مهجر من مخيمات شمال الضفة

وتوقف التقرير بشكل خاص أمام مخيمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية، حيث قال إن قوات الاحتلال اقتلعت منذ كانون الثاني/يناير 2025 نحو 33 ألف فلسطيني من سكان مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس.

وأضاف أن قوات الاحتلال هدمت مباني وبنية تحتية ومنعت غالبية السكان من العودة إلى المخيمات، معتبراً أن ما يحدث يمثل انتقالاً إلى مرحلة أكثر اتساعاً وقوة في سياسات الاقتلاع داخل مخيمات اللاجئين والمناطق الفلسطينية المكتظة.

وأكدت "بتسيلم" أن التهجير لا يعني فقط خسارة المنزل، بل اقتلاع الفلسطيني من الأرض والمجتمع والمدرسة ومصدر الرزق والذاكرة المحلية، إذ تتحول الأراضي بعد إخلاء التجمعات إلى مناطق رعي للمستوطنين، وتغلق الطرق إليها وتقيم إسرائيل فيها بنى تحتية جديدة، بما يؤدي عملياً إلى محو آثار الوجود الفلسطيني من المكان.

جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية

وعلى المستوى القانوني، أوضح التقرير أن مصطلح "مشروع المحو" ليس توصيفاً قانونياً مستقلاً، لكنه يجمع، سلسلة أفعال يحظرها القانون الدولي، بينها الضم والاستيطان والنقل القسري والاضطهاد والعنف المنهجي وسلب الحقوق الأساسية.

وقالت "بتسيلم" إن أفعالاً ضمن هذه السياسات قد تشكل جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك القتل غير القانوني والتعذيب والسجن غير القانوني والعقاب الجماعي والاضطهاد والتهجير القسري وإقامة المستوطنات.

وأشار التقرير كذلك إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في تموز/يوليو 2024، والذي خلص إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن على إسرائيل إنهاءه بأسرع ما يمكن.

حصانة شبه كاملة لقوات الاحتلال والمستوطنين

ويخصص التقرير جانباً واسعاً لغياب المساءلة، معتبراً أن الحصانة الممنوحة لقوات الاحتلال والمستوطنين عامل أساسي يسمح باستمرار الانتهاكات.

وبحسب البيانات التي أوردتها "بتسيلم"، قُدمت بين عامي 2016 و2024 2,427 شكوى بشأن أضرار ألحقها جنود إسرائيليون بفلسطينيين وممتلكاتهم، ولم يُفتح تحقيق سوى في 22.7% منها، بينما انتهت 0.9% فقط بلوائح اتهام.

وفي ملفات الاعتداءات التي نفذها إسرائيليون ضد فلسطينيين بين عامي 2005 و2025، انتهت 93.6% من التحقيقات من دون تقديم لائحة اتهام، بينما انتهت 3% فقط بإدانة كاملة أو جزئية.

ويخلص التقرير إلى أن الاستيطان وهدم المنازل وعنف المستوطنين والإغلاقات وقتل الفلسطينيين ومصادرة الأراضي والاعتقالات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها أحداثاً منفصلة، بل كأجزاء مترابطة من منظومة هدفها، وفق "بتسيلم"، إضعاف قدرة الفلسطينيين على البقاء كجماعة سياسية واجتماعية متماسكة مرتبطة بأرضها.

وترى المنظمة أن الإجراءات الموضعية، مثل إزالة بعض الحواجز أو تجميد جزئي للاستيطان أو تحسين إنفاذ القانون ضد المستوطنين، لا تكفي لوقف ما يجري، لأن المشكلة تكمن في البنية والسياسات التي تنتج بصورة متواصلة العنف والسلب والتهجير.

وحملت "بتسيلم" المجتمع الدولي مسؤولية مواصلة التعامل مع ما يحدث باعتباره سلسلة أحداث منفصلة، محذرة من أن الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي والحماية الدبلوماسية لإسرائيل تمنحها، بحسب التقرير، الموارد ومساحة التحرك اللازمة لمواصلة هذه السياسات.

وأكدت أن استمرار الحصانة الدولية يتيح تكرار الجرائم، ودعت الدول والمؤسسات الدولية إلى استخدام الوسائل المتاحة لها بموجب القانون الدولي لمنع استمرار الانتهاكات وحماية الفلسطينيين ومساءلة المسؤولين عنها.