نازحو مخيمي طولكرم ونور شمس يواجهون أزمة سكن وتعليم ويطالبون بالعودة إلى منازلهم
لم يعد النزوح بالنسبة لآلاف اللاجئين الفلسطينيين من مخيمي طولكرم ونور شمس وجنين شمالي الضفة الغربية المحتلة ظرفًا مؤقتًا، بعدما تحول إلى واقع يومي ثقيل فرضته عمليات قوات الاحتلال، وألقى بتداعياته على السكن والتعليم والعمل والترابط الأسري والاجتماعي، فيما يتمسك النازحون بحقهم في العودة إلى مخيماتهم وإعادة إعمار ما دمره الاحتلال.
وتكشف شهادات نازحين بالمخيمين عن أزمة إنسانية واجتماعية متشعبة، تتجاوز فقدان المسكن إلى تشتت العائلات، وتفاقم الضائقة الاقتصادية، وصعوبة الوصول إلى المدارس والخدمات الأساسية، فضلًا عن الآثار النفسية التي خلفها التهجير القسري، لا سيما على الأطفال وكبار السن.
وتناول برنامج "صوتكم مهم" عبر وكالة وطن رصدته بوابة اللاجئين الفلسطينيين، واقع النازحين من مخيمي طولكرم ونور شمس، مستعرضًا شهادات لنازحين ومسؤولين في اللجان الشعبية حول ظروف خروج العائلات من المخيمين، واحتياجاتها الراهنة، والتحديات التي تعترض عودتها.
خروج تحت تهديد السلاح
بالنسبة لكثير من العائلات، بدأت رحلة النزوح على عجل، بعدما أجبرتها قوات الاحتلال على إخلاء منازلها دون أن تتمكن من اصطحاب حاجاتها الأساسية.
وتقول ام محمد نازحة من مخيم طولكرم إن قوات الاحتلال أخرجتها وعائلتها من منزلها، بعدما أبلغتهم في البداية بأن المغادرة لن تستمر سوى أيام قليلة، لكنها وجدت نفسها لاحقًا تتنقل بين أكثر من مكان.
وتروي أن تدهور الوضع الاقتصادي أجبر عائلتها على مغادرة منزل مستأجر والعودة للإقامة لدى الأقارب، بسبب عدم القدرة على تحمل الإيجار وتكاليف المياه والكهرباء ومتطلبات الأسرة الكبيرة.
وأضافت أن النزوح أفقد العائلات الاستقرار والخصوصية، وجعل تأمين أبسط متطلبات الحياة عبئًا يوميًا، مؤكدة أن أمنيتها الأساسية تتمثل في العودة إلى منزلها ومخيمها.
وتظهر الشهادات أن عددًا من العائلات خرج من المخيمين بملابسها فقط، بينما بقيت الممتلكات والحاجات الشخصية خلفها، في ظل اعتقاد أولي بأن الاقتحام لن يستمر طويلًا.
"لم نغادر بإرادتنا"
نور الدين، وهو نازح من مخيم طولكرم، قال إن منزله كان من أوائل المنازل التي أُخليت، قبل أن تستخدمه قوات الاحتلال موقعًا عسكريًا.
وأضاف أن عائلته توقعت في البداية أن تستمر العملية يومين أو ثلاثة ثم تعود، لكن ما حدث، بحسب قوله، كان مختلفًا عن الاقتحامات السابقة.
وأوضح أن خروجه في 27 يناير/كانون الثاني 2025 تحول إلى نزوح طويل، ما اضطره إلى استئجار منزل بصورة مؤقتة انتظارًا للعودة.
ووصف ما جرى بأنه "سياسة ممنهجة" تستهدف المخيمات وقضية اللاجئين الفلسطينيين، معتبرًا أن استمرار منع الأهالي من العودة ومحاولات تغيير معالم المخيمات لا يمكن فصله عن استهداف قضية اللاجئين.
وقال: "لم نخرج من بيوتنا راغبين، بل خرجنا تحت قوة السلاح وتهديد بنادق الاحتلال"، مشددًا على أن التعبير الأدق بالنسبة إليه هو "التهجير القسري"، وليس مجرد النزوح.
وأشار إلى أن مغادرة المخيمات لم تبدد الاستقرار السكني فقط، بل أصابت شبكة العلاقات الاجتماعية التي طالما ميزت حياة اللاجئين داخل المخيم.
نسيج اجتماعي يتفكك
ويقول اللاجئي أبو ناصر إن من أبرز تداعيات النزوح تشتت أبناء الأسرة الواحدة وسكان الحي الواحد على مناطق وبلدات وقرى مختلفة.
فبعد أن كانت العلاقات الاجتماعية داخل المخيم تقوم على التواصل اليومي والجيرة الوثيقة والمشاركة في المناسبات، أصبح الوصول إلى الأقارب والأصدقاء يتطلب التنقل بين أماكن متباعدة.
وأضاف أن النزوح "مزق جزءًا من البنية الاجتماعية" للمخيم، موضحًا أن أصدقاء كانوا يلتقون يوميًا أو بصورة مستمرة أصبحوا لا يرون بعضهم إلا نادرًا نتيجة توزعهم على مناطق مختلفة.
وأشار إلى أن المشهد المحيط بمخيم طولكرم بات يعكس حجم التحول، قائلا إن الشوارع المحيطة بالمخيم تبدو "حزينة وكئيبة"، في انعكاس لما أصاب السكان من صدمة نفسية واجتماعية.
وبرغم ذلك، يؤكد أبو ناصر أن بقاء الروابط بين أبناء المخيمات يمثل أحد عوامل التمسك بالعودة ورفض التعامل مع النزوح باعتباره واقعًا دائمًا.
احتياجات تتجاوز المساعدات الغذائية
من جانبه، قال رئيس اللجنة الشعبية في مخيم نور شمس نهاد شويش إن أزمة النزوح اتسعت مع مرور الوقت، بعدما كان الأهالي يعتقدون في البداية أنها لن تستمر طويلًا.
وأوضح أن النازحين توزعوا خلال المراحل الأولى على مراكز إيواء وقرى وبلدات ومنازل أقارب، قبل أن تتحول الأزمة إلى حالة ممتدة تتطلب تدخلًا في مجالات متعددة.
وأشار إلى أن اللجان الشعبية عملت على تشكيل لجان طوارئ لمتابعة أوضاع العائلات النازحة وحصر احتياجاتها وتسهيل إيصال المساعدات إليها في أماكن وجودها.
ولفت إلى أن احتياجات العائلات لا تقتصر على الطرود الغذائية، بل تشمل السكن والأدوية والرعاية الصحية والتعليم والمواصلات والملابس ومتطلبات الحياة اليومية.
وقال إن توفير المأوى يأتي في مقدمة الأولويات، لما يرتبط به من كرامة النازحين واستقرار العائلات، مضيفًا أن الأزمة تتطلب آليات مساعدة تراعي أماكن انتشار النازحين والتكاليف التي يتحملونها للحصول على الخدمات والمساعدات.
ضغط على مدينة طولكرم والقرى
رئيس اللجنة الشعبية لمخيم طولكرم فيصل سلامة قال إن أعدادًا كبيرة من أبناء المخيمين انتقلت إلى مدينة طولكرم والقرى والبلدات المحيطة، ما فرض ضغوطًا إضافية على الخدمات والبنية التحتية والمجتمع المحلي.
وأشار إلى أن المؤسسات المحلية والمجالس البلدية والغرفة التجارية والفعاليات الشعبية والشبابية بادرت في المراحل الأولى إلى فتح مدارس ونواد ومبان عامة لاستيعاب النازحين وتقديم المساعدات العاجلة.
وأضاف أن العائلات اتجهت في البداية إلى الأقارب ومراكز الإيواء، لكن استمرار الأزمة دفع كثيرين إلى البحث عن مساكن مستأجرة، خصوصًا في ظل افتقار مراكز الإيواء إلى الخصوصية وظروف السكن الملائمة.
وبحسب سلامة، فإن الأزمة جاءت بالتزامن مع ظروف اقتصادية صعبة تعيشها محافظة طولكرم، ما زاد الأعباء على العائلات النازحة والمجتمعات المضيفة في آن واحد.
وتحدث عن عشرات الآلاف من النازحين من مخيمات شمال الضفة الغربية، مستشهدًا بتقديرات منسوبة إلى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، فيما وردت خلال الحوار تقديرات متفاوتة بشأن أعداد النازحين من مخيمي طولكرم ونور شمس تحديدًا.
التعليم في دائرة الخطر
ومن أكثر الملفات إلحاحًا بالنسبة إلى العائلات النازحة ملف التعليم، في ظل ابتعاد كثير من الطلبة عن مدارسهم وتراجع قدرة أسرهم على تغطية تكاليف المواصلات والقرطاسية والملابس والنفقات الدراسية.
وقال شويش إن الأزمة الاقتصادية حرمت بعض الطلبة المتفوقين من الالتحاق بالجامعات نتيجة عدم قدرة أسرهم على دفع الرسوم.
وأضاف أن الطالب الذي كان يصل إلى مدرسته داخل المخيم بسهولة بات يحتاج بعد النزوح إلى وسائل نقل يومية وتكاليف إضافية، وهو ما يشكل عبئًا على أسر فقد بعضها مصادر دخله أو منشآته أو أعماله.
وأشار إلى جهود اللجان الشعبية بالتنسيق مع "أونروا" للحفاظ على استمرارية التعليم لأبناء المخيمين، مؤكدًا أهمية استمرار مدارس الوكالة في أداء دورها وتوفير المواصلات للطلبة.
وحذر من أن استمرار الأزمة الاقتصادية وعدم توفير الاحتياجات التعليمية قد يؤدي إلى تغيب طلبة عن المدارس أو انقطاعهم عنها، إلى جانب الآثار النفسية والاجتماعية الناتجة عن شعور الطالب بعدم القدرة على توفير ما يتوافر لزملائه.
وأكد مسؤولو اللجان الشعبية أن ملف التعليم يحتاج إلى تدخل عاجل من الحكومة الفلسطينية والأونروا، لضمان عدم تحول آثار التهجير إلى خسارة تعليمية طويلة الأمد لجيل كامل من أبناء المخيمات.
دمار يعرقل العودة
لكن العودة إلى المخيمين لا ترتبط فقط بانسحاب قوات الاحتلال، إذ يقول مسؤولو اللجان الشعبية إن حجم الدمار الذي طال المنازل والشوارع والبنية التحتية يجعل استعادة الحياة الطبيعية مهمة معقدة.
وخلال الحوار، أُشير إلى تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" بشأن تضرر أو تدمير مئات المباني والمنشآت في مخيم طولكرم، فيما تحدث مسؤولو اللجان الشعبية عن أضرار واسعة طالت وحدات سكنية في مخيمي طولكرم ونور شمس.
ويضيف سلامة إن التقديرات المتوافرة لا تزال أولية، بسبب عدم القدرة على إجراء مسوحات هندسية شاملة داخل المناطق المتضررة.
وأكد أن الأضرار لم تقتصر على المنازل، بل شملت شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات والطرقات، فضلًا عن تعطيل مؤسسات صحية واجتماعية وثقافية ورياضية كانت تقدم خدماتها لسكان المخيمات.
وبحسب سلامة، فإن إعادة تأهيل المخيمين تتطلب خطة متكاملة قد تمتد لسنوات، تشمل ترميم وإعادة بناء الوحدات السكنية وإصلاح شبكات البنية التحتية وإعادة تشغيل المؤسسات والخدمات.
بدوره قال شويش إن مهندسين من اللجان الشعبية ونقابة المهندسين والمؤسسات الرسمية يعملون على إعداد تصورات وخطط للمرحلة التي تلي انسحاب قوات الاحتلال، لكن تحديد حجم الخسائر الفعلي يحتاج إلى دخول الطواقم الهندسية وإجراء تقييم ميداني شامل.
المخيم أكثر من مكان للسكن
وبين أزمة السكن والتعليم والعمل وتشتت الأسر، يبقى مطلب العودة حاضرًا بقوة في شهادات النازحين.
فبالنسبة إليهم، لا يمثل المخيم مجموعة من المنازل والشوارع فحسب، بل فضاءً اجتماعيًا وذاكرة جماعية ارتبطت بحياة أجيال من اللاجئين الفلسطينيين.
ويؤكد النازحون ومسؤولو اللجان الشعبية رفضهم التعامل مع الوضع الراهن باعتباره أمرًا دائمًا، مشددين على أن الاستجابة الإنسانية للاحتياجات الحالية يجب ألا تتحول إلى بديل عن إعادة السكان إلى مخيماتهم وإعمار ما دمرته قوات الاحتلال.
وبينما تتوزع آلاف العائلات اليوم على مساكن مستأجرة ومنازل أقارب وقرى وبلدات في محافظة طولكرم، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا بالنسبة إليها: متى تنتهي رحلة التهجير القسري وتبدأ رحلة العودة؟
فبعد شهور طويلة من مغادرة المنازل، لا تزال ذاكرة الأزقة والبيوت والجيران حاضرة لدى سكان مخيمي طولكرم ونور شمس، ويظل الرجوع إليها، بالنسبة لهم، مطلبًا يتجاوز استعادة المسكن إلى استعادة حياة كاملة بعثرتها عمليات الاحتلال.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات