مع انطلاق العام الدراسي 2026-2027، يجد عشرات آلاف الطلبة الفلسطينيين في القدس المحتلة أنفسهم أمام واقع تعليمي جديد، تقول مؤسسات وشخصيات مقدسية إنه يتجاوز تغيير الكتب المدرسية إلى محاولة إعادة تشكيل هوية العملية التعليمية برمتها في المدينة.

وبحسب محافظة القدس، شرعت السلطات "الإسرائيلية" في فرض المنهاج "الإسرائيلي" أو الفلسطيني المزوّر على أكثر من 45 ألف طالب فلسطيني بالصفين الأول والسابع في المدارس التابعة لبلدية الاحتلال، في خطوة حذرت المحافظة من أنها تستهدف "طمس الهوية الفلسطينية وتزوير الرواية الوطنية"، وتمس حق الطلبة المقدسيين في تعليم يحفظ تاريخهم ولغتهم وانتماءهم.

ولا تنفصل معركة المنهاج، وفق معطيات وشهادات أوردتها جهات مقدسية، عن سلسلة ضغوط أخرى تطال المدارس والمعلمين وأولياء الأمور، بدءا من ربط التمويل والتراخيص بالمنهاج المطبق، مروراً بتفتيش المدارس وحقائب الطلبة، وصولاً إلى تقييد دخول معلمين فلسطينيين من الضفة الغربية إلى القدس.و

وقال الكاتب الصحفي راسم عبيدات في مقال صحفي إن الاحتلال بدأ في قضية تحريف المناهج وربطها بالتمويل والترميم، حيث تُحرم المدارس التي تطبق المنهاج الفلسطيني من التمويل والترميم، وتتعرض لخطر سحب التراخيص.

وأضاف عبيدات أن العديد من المدارس، من بينها المدرسة الإبراهيمية ومدارس الإيمان، تعرضت لعمليات دهم وتفتيش من قبل الشرطة ودائرة المعارف الإسرائيلية، بهدف التفتيش على المنهاج المطبق، ووصل الأمر إلى تفتيش حقائب الطلبة، كما مُنحت تلك المدارس تراخيص مؤقتة حتى "تصحيح" أوضاعها.

وأشار إلى أن الاحتلال صعّد، خلال العام الماضي، من خطواته وهجومه على المدارس الخاصة، من خلال الضغط عليها ورفض منح العاملين والمدرسين القادمين من الضفة الغربية التصاريح اللازمة للوصول إلى تلك المدارس، خاصة أن هذه المدارس تعتمد بشكل كبير على هؤلاء المدرسين في تدريس المواد العلمية.

وبالتوازي مع الضغط داخل الصفوف، تمتد الأزمة إلى بوابات القدس نفسها؛ إذ تواجه مدارس خاصة، وفي مقدمتها مدارس مسيحية، صعوبات مرتبطة بعدم إصدار أو تجديد تصاريح معلمين وموظفين يقيمون في الضفة الغربية ويعملون في المدينة، وهو ما دفع مؤسسات تعليمية إلى اللجوء للإضراب احتجاجا على تعذر وصول كوادرها.

وفي هذا السياق، وجهت اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس في فلسطين نداء إلى كنائس العالم للتحرك من أجل ضمان وصول المعلمين والكوادر إلى المدارس المسيحية في القدس، محذرة من انعكاسات القيود على آلاف الطلبة وعلى انتظام العام الدراسي.

وقالت اللجنة إن منع المعلمين من الوصول إلى أماكن عملهم يأتي ضمن تصعيد أوسع يستهدف التعليم الفلسطيني في المدينة، ويرافق محاولات فرض المنهاج الإسرائيلي وتضييق مساحة المنهاج الفلسطيني.

وهنا يوضح الكاتب عبيدات أن مدارس القدس اضطرت إلى خوض إضراب، قبل أن يتراجع الاحتلال عن قراره بعدم منح المدرسين التصاريح اللازمة، كما حاول قصر التصاريح على الأيام الدراسية فقط، إلا أن هذه الخطوة جوبهت برفض كامل.

وتابع أن بياناً صدر عن المدارس المسيحية، وكان يُفترض أن يكون بياناً شاملاً ويحمل عنواناً جمعياً موحداً، وألا يقتصر على المدارس الخاصة المسيحية، مع إعلان الإضراب الشامل حتى يتم السماح للمدرسين من الضفة الغربية بالالتحاق بمدارسهم.

وقال عبيدات إنه في إطار تصفية المنهاج الفلسطيني وشطب وكالة الغوث واللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، جرى أواخر العام الماضي إغلاق مدارس الوكالة الخمس في مدينة القدس، وهي مدرستان في مخيم شعفاط، ومدرسة في وادي الجوز، ومدرستان أخريان في سلوان وصور باهر.

وأضاف أن الحرب على شطب المنهاج الفلسطيني وأسرلة العملية التعليمية، في ظل تواطؤ الاتحاد الأوروبي وأمريكا، وتخاذل السلطة الفلسطينية، وانزواء وبهتان مواقف النظام الرسمي العربي، تجعل الاحتلال يمضي في مشاريعه ومخططاته لشطب العملية التعليمية الفلسطينية في القدس وأسرلتها بالكامل.

ويقول مختصون مقدسيون إن أهمية المعركة لا تكمن في الكتب وحدها، بل في الرواية التي تقدمها للطالب عن مدينته وتاريخه وهويته؛ إذ يرى الصحفي المختص بشؤون القدس منير الغول أن السياسات الإسرائيلية تستهدف المسيرة التعليمية عبر إحلال المنهاج الإسرائيلي مكان الفلسطيني، بما يحمله ذلك، وفق تقديره، من تغيير للرواية الفلسطينية جغرافيا وتاريخيا واستهداف لوعي الطلبة.

ويقدر عدد طلبة مدارس القدس بنحو 120 ألفا، فيما يتهدد تغيير المنهاج، بحسب المعطيات الواردة، نحو 45 ألف طالب، أي ما يقارب 38 بالمئة منهم، وسط مخاوف من أن تتوسع الإجراءات لاحقا لتشمل قطاعات تعليمية إضافية.

وفي مسار مواز، أشار عبيدات إلى ما كشفه دبلوماسي بريطاني سابق عن أن رئيس ما عُرف بالرباعية الدولية، توني بلير، ضغط على السلطة الفلسطينية لشطب اسم فلسطين من المنهاج الدراسي الفلسطيني واستبداله بعبارة توراتية "يهودا والسامرة"، معتبراً أن ذلك يكشف حجم الضغوط التي تمارس من أجل تشويه وتحريف وتفريغ المنهاج الفلسطيني من محتواه ومضامينه الوطنية.

وأمام تعدد مستويات الضغط، من الكتاب المدرسي إلى ترخيص المدرسة، ومن تمويلها إلى قدرة المعلم على الوصول إليها، يحذر عبيدات من أن الخطر على التعليم الفلسطيني في القدس بات "جديا وداهما"، داعيا إلى استراتيجية وطنية موحدة تجمع المؤسسات التعليمية تحت مظلة واحدة.

وشدد على أن مواجهة هذه السياسات تتطلب بناء استراتيجية وطنية موحدة تضع التعليم المقدسي بأكمله تحت مظلة واحدة، والابتعاد عن الخطابات الفئوية التي قد تُستغل لتفكيك النسيج المجتمعي.

وأكد أن قوة الصمود في القدس استمدت تاريخياً صلابتها من وحدة الهدف والمصير بين جميع مكونات المدينة ومؤسساتها، ما يستوجب توجيه الجهود الدبلوماسية والشعبية لحماية حق جميع أبنائنا في التعليم وحرية حركة معلميهم، والتأكيد للعالم أجمع أن حماية المؤسسات التعليمية في القدس واجب وطني جامع لا يقبل التجزئة أو الانتقائية.