45 ألف طالب مقدسي في مواجهة "أسرلة التعليم"
دخل أكثر من 45 ألف طالب فلسطيني في القدس المحتلة العام الدراسي الجديد 2026-2027 في ظل تصعيد "إسرائيلي" غير مسبوق لإحلال المنهج "الإسرائيلي" أو الفلسطيني المزور مكان الفلسطيني الوطني في معظم المدارس الفلسطينية داخل مدينة القدس المحتلة ، في خطوة حذرت مؤسسات فلسطينية وتربوية من أنها تتجاوز حدود العملية التعليمية إلى محاولة إعادة تشكيل وعي الأجيال المقدسية وطمس الرواية والذاكرة والهوية الوطنية الفلسطينية.
نحو 45 ألف طالب فلسطيني في مدينة القدس المحتلة سيدرسون خلال العام الحالي وفق المنهاج "الإسرائيلي" أو الفلسطيني المزور، بما يمثل قرابة 38% من إجمالي نحو 120 ألف طالب فلسطيني في المدينة. وتزامن ذلك مع بدء العام الدراسي في الأول من سبتمبر/أيلول وتوسيع تطبيق المنهاج "الإسرائيلي" على الصفوف الجديدة في المدارس الرسمية التابعة لبلدية الاحتلال، وفي مقدمتها الصفان الأول والسابع.
وقالت محافظة القدس إن الإجراء يُشكّل تصعيداً خطيراً في استهداف قطاع التعليم الفلسطيني، معتبرة أن محاولة فرض المنهاج "الإسرائيلي" يسعى إلى طمس الهوية الفلسطينية وتغيير الرواية الوطنية والتأثير في ارتباط الطالب المقدسي بتاريخه وثقافته وبيئته.
من جانبها، حذرت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية من "استهداف ممنهج ومتواصل" للتعليم في مدينة القدس المحتلة، وقالت إن الإجراءات "الإسرائيلية" تشمل فرض المنهاج "الإسرائيلي" والتضييق على المنهاج الفلسطيني ومنع معلمين من الوصول إلى مدارسهم، إضافة إلى القيود المفروضة على المؤسسات التعليمية الفلسطينية في المدينة.
وأكدت الوزارة أن حق الطلبة المقدسيين في دراسة المنهاج الوطني الفلسطيني حق أصيل، معتبرة أن استهداف التعليم يهدف إلى "طمس الهوية الوطنية وتغيير السردية الفلسطينية".
معركة على وعي الطالب
وتتركز المخاوف الفلسطينية في طبيعة المضامين التي يتلقاها الطالب، خصوصاً في مواد التاريخ والجغرافيا والتربية المدنية، وما يرتبط منها بالقدس والنكبة واللجوء والهوية الفلسطينية.
وقال المتحدث باسم محافظة القدس معروف الرفاعي إن سلطات الاحتلال لا تكتفي بفرض المنهاج "الإسرائيلي" على المدارس، بل تستخدم في مدارس أخرى نسخاً من منهاج فلسطيني مزور بعد تعديله وحذف موضوعات مرتبطة بالنكبة واللجوء والنزوح والمقدسات، معتبراً أن هذه القضايا تشكّل جزءاً أساسياً من تكوين وعي وهوية الطالب الفلسطيني.
ويرى مسؤولون وتربويون مقدسيون أن الخطر يتضاعف مع استهداف الصفين الأول والسابع تحديداً؛ فالصف الأول يمثل بداية تشكيل العلاقة بين الطفل والمدرسة واللغة والتاريخ والرموز، بينما يمثل الصف السابع مرحلة جديدة في بناء الوعي والقدرة على تفسير الأحداث وتكوين المواقف.
وحذر تربويون فلسطينيون من أن توسيع المنهاج "الإسرائيلي" بصورة متدرجة قد يحوله خلال سنوات إلى المسار الأساسي في المدارس البلدية، فيما يتراجع المنهاج الفلسطيني تدريجياً، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية والإدارية المفروضة على المدارس الفلسطينية والخاصة.
خطة تتوسع عاماً بعد عام
ولا تمثل التطورات الحالية بداية سياسة أسرلة التعليم في القدس، بل مرحلة متقدمة من مسار بدأ قبل سنوات.
فقد أظهرت بيانات ناقشتها لجنة فرعية في كنيست الاحتلال مطلع عام 2026 ارتفاع نسبة المؤسسات التعليمية الرسمية في القدس التي تدرّس وفق المنهاج الإسرائيلي إلى 36%، مقارنة بنحو 23% خلال العام الدراسي 2023-2024، ما يكشف عن توسع متسارع خلال سنوات قليلة.
أزمة المدارس الخاصة
ويعاني قطاع التعليم الفلسطيني في القدس المحتلة من أزمة كبيرة مع بداية العام الدراسي، بعدما امتنعت سلطات الاحتلال عن تجديد تصاريح دخول عشرات المعلمين والعاملين من حملة هويات الضفة الغربية.
وأعلنت مدارس فلسطينية خاصة ومسيحية تعليق الدوام مع انطلاق العام الدراسي في الأول من سبتمبر، مؤكدة أن عدم وصول الطواقم التعليمية والإدارية والمساندة جعل افتتاح المدارس بصورة طبيعية وآمنة متعذراً.
وقالت المدارس المسيحية إن أكثر من 70 معلماً وموظفاً لم يتم تجديد تصاريحهم، بينما قال المتحدث باسم محافظة القدس إن نحو 300 معلم من الضفة الغربية يعملون في مدارس الأوقاف والمدارس الخاصة ويعتمد دخولهم إلى القدس على التصاريح الإسرائيلية.
وأثار ذلك مخاوف من استخدام ملف التصاريح أداة ضغط إضافية على المدارس التي لا تزال تتمسك بالمنهاج الفلسطيني.
كما تواجه مدارس القدس قيوداً تتعلق بالتراخيص والبناء وتوفير الغرف الصفية، في وقت قالت وزارة التربية الفلسطينية إن الإجراءات "الإسرائيلية" طالت كذلك مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، إلى جانب منع أو عرقلة تشييد أبنية مدرسية فلسطينية جديدة.
التعليم ساحة للصراع على القدس
ويرى مسؤولون فلسطينيون أنّ استبعاد أو تهميش الرواية الفلسطينية حول القدس والنكبة والاحتلال واللاجئين من تعليم الطالب المقدسي يخلق فجوة بين ما يتلقاه داخل المدرسة وما يعيشه في أسرته ومجتمعه.
ويقول مستشارون في قضايا التعليم إنّ المشكلة لا تتعلق بكتاب مدرسي فقط، وإنما بمنظومة كاملة تشمل المدرسة والمعلم والتمويل والترخيص والبنية التحتية والامتحانات الجامعية، بما يجعل التعليم إحدى ساحات الصراع الرئيسية على هوية القدس ومستقبلها.
ويخشى المقدسيون أن تتحول سياسة فرض المنهاج "الإسرائيلي" تدريجياً إلى أداة لإحلال رواية الاحتلال مكان الرواية الفلسطينية، وإنتاج أجيال منفصلة عن تاريخها الوطني وهويتها، في مدينة يشكل الصراع على التعليم فيها جزءاً أساسياً من الصراع على هويتها ومستقبلها.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات