رحيل سليمان منصور.. فنان حمل فلسطين على كتفي "جمل المحامل"
رحل الفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور، مساء الاثنين، عن عمر ناهز 79 عامًا، بعد مسيرة فنية امتدت لأكثر من خمسة عقود، جعل خلالها من اللوحة مساحة لحفظ الذاكرة الفلسطينية، ومن رموز الأرض والقدس والقرية والمرأة والزيتون لغة بصرية عابرة للأجيال.
وبرحيل منصور، يفقد المشهد الثقافي الفلسطيني أحد أبرز مؤسسي الحركة التشكيلية الحديثة، وصاحب تجربة ارتبطت منذ بداياتها بالهوية الفلسطينية وتحولاتها، وبمحاولات تحويل تفاصيل الحياة تحت الاحتلال إلى أعمال فنية بقيت حاضرة في الذاكرة الجمعية.
"جمل المحامل".. صورة عبرت حدود اللوحة
ارتبط اسم منصور بصورة الرجل الفلسطيني المسن المنحني تحت ثقل القدس في لوحته الأشهر "جمل المحامل"، التي أنجز نسختها الأولى عام 1973، قبل أن تتحول إلى واحدة من أكثر الصور حضورًا في الذاكرة البصرية الفلسطينية.
وتصور اللوحة رجلاً بملامح فلسطينية ولباس تقليدي يحمل مدينة القدس على ظهره، في مشهد اختصر في الوعي الشعبي ثقل المدينة ومكانتها، وأصبح رمزًا يتجاوز العمل الفني نفسه إلى معنى الصمود وحمل القضية.
وعلى الرغم من الشهرة الواسعة لـ"جمل المحامل"، فإن تجربة منصور امتدت إلى مئات الأعمال التي تناولت الإنسان الفلسطيني وأرضه وتراثه، من بينها "عروس الوطن" و"ابنة القدس" و"صبرا وشاتيلا" و"طقوس تحت الاحتلال" و"ذاكرة الأمكنة".
وحضرت في أعماله النساء بالثياب المطرزة، والفلاحون والقرى وأشجار الزيتون والبرتقال والمفاتيح والسجون والحواجز، في بناء بصري ربط بين تفاصيل الحياة اليومية والتحولات السياسية التي مر بها الفلسطينيون.
ولد سليمان منصور عام 1947 في بيرزيت، وقضى جانبًا من طفولته ومراهقته بين بيت لحم وبيت جالا.
وكان يخطط في شبابه لدراسة الفن في الولايات المتحدة، قبل أن تغير حرب حزيران/يونيو 1967 مساره، ليلتحق بأكاديمية بتسلئيل للفنون في القدس، حيث درس بين عامي 1967 و1970.
ومنذ تلك المرحلة، بدأ حضور منصور يتبلور في المشهد الفني الفلسطيني، ليس بوصفه رسامًا فقط، وإنما بوصفه أحد المساهمين في بناء أطر ثقافية وفنية فلسطينية مستقلة.
وشارك في تأسيس رابطة الفنانين التشكيليين الفلسطينيين، و"غاليري 79"، ومركز الواسطي للفنون في القدس، والأكاديمية الدولية للفنون في فلسطين، إلى جانب عمله في تدريس الفنون ورسم الكاريكاتير وتوثيق الأزياء والتطريز الشعبي الفلسطيني.
الفن بمواد الأرض
خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، كان منصور من المشاركين في تأسيس جماعة "نحو التجريب والإبداع"، في تجربة حاولت أن تنقل المقاطعة الاقتصادية إلى المجال الفني، عبر تقليل الاعتماد على المواد المستوردة واستخدام خامات محلية في إنتاج الأعمال.
واستخدم في تجاربه الفنية الخشب والقش والطبشور والصلصال والجير وشحم الحيوان والأصباغ الطبيعية، لتصبح المادة نفسها جزءًا من العلاقة بين العمل الفني والأرض التي يتحدث عنها.
ولم يكن هذا التحول تقنيًا فقط، بل ارتبط برؤية فنية حاولت إعادة صياغة العلاقة بين الفنان الفلسطيني وبيئته المحلية، وإنتاج لغة تشكيلية قادرة على التعبير عن واقع سياسي واجتماعي استثنائي.
ذاكرة تتجاوز الرسم
امتدت تجربة منصور إلى التوثيق الثقافي، وشارك في إعداد مؤلفات عن الملابس الشعبية الفلسطينية والتطريز، كما ظل حاضرًا في المعارض والفعاليات الفنية داخل فلسطين وخارجها.
وأقام معارض فردية في مدن عدة، بينها رام الله ونيويورك والشارقة والقاهرة ومدن أوروبية، وحصل خلال مسيرته على جوائز فنية وثقافية عدة، من بينها جائزة فلسطين للفنون عام 1998، وجائزة اليونسكو–الشارقة للثقافة العربية عام 2019، وجائزة النيل للمبدعين العرب عام 2025.
وفي عام 2024، أنجز للمتحف الفلسطيني جداريته الدائمة "على جناح ملاك" مستخدمًا الطين والتبن والحناء، في امتداد لنهجه في توظيف المواد المحلية داخل أعماله.
برحيله، يغيب سليمان منصور جسدًا، لكن أعماله تبقى جزءًا من الذاكرة الفلسطينية المعاصرة؛ من رجل "جمل المحامل" الذي انحنى تحت ثقل القدس، إلى النساء المطرزات والزيتون والمفاتيح والقرى، وهي مفردات حولها منصور على مدى عقود إلى سجل بصري لفلسطين كما عاشها ورآها ورسمها.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات