صعّدت إدارة الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" ضغوطها على المحكمة الجنائية الدولية بفرض عقوبات جديدة على رئيستها، القاضية اليابانية "توموكو أكاني"، ونائب المدعي العام السنغالي عبدالله سي، في خطوة أثارت انتقادات من المحكمة واليابان وهولندا ومنظمات حقوقية، وحذرت من تداعياتها على استقلال القضاء الدولي وقدرة الضحايا على الوصول إلى العدالة.

وأعلن وزير الخارجية الأميركي "ماركو روبيو" العقوبات، متهماً القاضيين بالانخراط المباشر في جهود المحكمة للتحقيق مع مسؤولين أو اعتقالهم أو احتجازهم أو محاكمتهم، رغم عدم موافقة حكوماتهم على خضوعهم لاختصاص المحكمة.

ووصف "روبيو" المحكمة بأنها "هيئة فوق وطنية فاسدة ومسيّسة للغاية"، واتهمها بـ"إساءة استخدام سلطتها بسوء نية وتجاوز نطاق ولايتها"، مؤكداً أن واشنطن "لن تتسامح مع تقويض سيادة الدول"، وفق مزاعمه.

وتشمل العقوبات الأميركية تجميد الأصول التابعة للأشخاص المستهدفين في الولايات المتحدة، وفرض حظر على السفر وقيود على الخدمات التي تقدمها الشركات والمؤسسات الأميركية لهم، فضلاً عن عرقلة المعاملات المالية والعقارية المرتبطة بهم داخل الولايات المتحدة، كما تطال تداعياتها معاملاتهم المالية الاعتيادية، إذ يتعين على المصارف المرتبطة بالنظام المالي الأميركي أو التي تجري معاملات بالدولار الالتزام بالعقوبات.

وتأتي الخطوة الجديدة ضمن حملة أميركية متواصلة ضد المحكمة، بدأت خلال الولاية الأولى لـ "ترامب" على خلفية تحقيقات المحكمة المتعلقة بالقوات الأميركية في أفغانستان، وتجددت بعد عودته إلى البيت الأبيض، خصوصاً عقب إصدار المحكمة مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء "الإسرائيلي" "بنيامين نتنياهو" ووزير حربه السابق "يوآف غالانت"، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة.

وترفض الولايات المتحدة و"إسرائيل"، وهما غير منضمتين إلى نظام روما الأساسي، اختصاص المحكمة وشرعية مذكرات التوقيف، فيما اتهم "نتنياهو" المحكمة بمعاداة السامية.

المحكمة: العقوبات تقوّض سيادة القانون

وردت المحكمة الجنائية الدولية على العقوبات بالتنديد بها، واعتبرتها أنها تمثل هجوماً صارخاً على استقلال مؤسسة قضائية محايدة وتقويضاً لسيادة القانون.

وقالت المحكمة: إن "تهديد الفاعلين القضائيين بسبب تطبيقهم للقانون يعرّض النظام القانوني الدولي نفسه للخطر"، محذرة من أن الإجراءات القسرية والتهديدات لا تستهدف العاملين في المحكمة فحسب، بل تؤثر أيضاً في قدرة الضحايا على الوصول إلى العدالة، بعدما يلجؤون إلى المحكمة عندما تستنفد السبل الأخرى.

ورفعت العقوبات الأميركية الجديدة عدد مسؤولي المحكمة الخاضعين للعقوبات إلى 13 شخصاً، بينهم 9 قضاة من أصل 18، ونائبا المدعي العام، والمدعي العام السابق كريم خان، ومحامٍ ضمن فريق المحاكمة.

وكانت "أكاني" قد حذرت في كانون الأول/ديسمبر الماضي من أن العقوبات الأميركية قد "تقوض بسرعة" عمليات المحكمة في مختلف القضايا والحالات، وأنها قد تهدد "وجودها نفسه".

اليابان حليفة واشنطن تعتبر الأمر "مؤسفاً للغاية"

وفي انتقاد نادر من حليفة واشنطن، وصفت اليابان العقوبات المفروضة على "أكاني"، بأنها "مؤسفة للغاية".

وقالت وزارة الخارجية اليابانية: إن طوكيو دعمت باستمرار المحكمة الجنائية الدولية، باعتبارها محكمة جنائية دولية دائمة تعمل على محاكمة ومعاقبة أخطر الجرائم التي تهم المجتمع الدولي.

ويكتسب الموقف الياباني أهمية خاصة في ظل اعتماد طوكيو الكبير على القوة العسكرية الأميركية في مجال الدفاع، الأمر الذي يجعل انتقاداتها لواشنطن نادرة، فيما تعكس العقوبات الأخيرة أيضاً اتساع الخلاف بين الولايات المتحدة وعدد من حلفائها بشأن المحكمة.

من جهته، أعلن وزير الخارجية الهولندي "توم بيرندسن"، أن بلاده، التي تستضيف مقر المحكمة في لاهاي، تعارض العقوبات الأميركية الجديدة.

واشنطن تدعو الدول الأعضاء إلى الانسحاب

ولا تقتصر الضغوط الأميركية على العقوبات الفردية، إذ سبق لـ "روبيو" أن دعا الدول الـ125 الأعضاء في المحكمة إلى الانسحاب منها، ضمن استراتيجية تهدف إلى تجريد المحكمة من شرعيتها الدولية تدريجياً.

وأعلنت تشاد وفنزويلا بالفعل انسحابهما من المحكمة، في وقت تراقب فيه واشنطن مواقف بقية الدول الأعضاء إزاء دعواتها.

وتشير المعطيات إلى أن ما لا يقل عن خمس دول من أصل 125 دولة عضواً أعلنت خلال الأشهر الأخيرة خططاً للانسحاب، في ظل تصاعد الضغوط الأميركية.

انتقادات حقوقية وطعون أمام القضاء الأميركي

وأثارت العقوبات انتقادات منظمات حقوقية، إذ اعتبرت "ليز إيفنسون" من "هيومن رايتس ووتش" أن الحملة الأميركية تهدف إلى توفير "بطاقة خروج من السجن دون عقاب" للمحتمل تورطهم في جرائم دولية.

وفي الولايات المتحدة نفسها، واجهت العقوبات طعوناً قضائية، بعدما رفع ثلاثة قضاة دوليين، هم "كيمبرلي بروست" و"سولومي بالونغي بوسا" و"رين ألابيني غانسو"، دعوى أمام محكمة اتحادية في نيويورك، اعتراضاً على ما وصفوه بضغوط غير قانونية تهدف إلى التأثير في استقلال القضاء.

في المقابل، دفعت الإدارة الأميركية بشرعية إجراءاتها، مستندة إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية (IEEPA).

كما رفعت أربع منظمات أميركية، من بينها معهد المجتمع المفتوح ولجنة أصدقاء الخدمة الأميركية، دعوى مماثلة للاعتراض على القيود المفروضة على تعاملها مع المحكمة في قضايا الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.