ألمانيا تتجاهل توصيات دولية وتوسّع قمع التضامن مع فلسطين
أكد المركز الأوروبي للدعم القانوني (ELSC) أن قمع التضامن مع فلسطين في ألمانيا بات نهجاً "مؤسسياً ومنهجياً"، محذراً من استمرار السلطات الألمانية في تجاهل توصيات صادرة عن هيئات حقوقية أوروبية وأممية، ومواصلة توسيع القيود على الاحتجاجات والشعارات والرموز الفلسطينية.
ويستند المركز في توثيقه إلى نتائج زيارة مفوض مجلس أوروبا لحقوق الإنسان مايكل أوفلاهرتي، والزيارة التي أجرتها المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحرية الرأي والتعبير إيرين خان إلى ألمانيا، إلى جانب قاعدة بياناته التي توثق أكثر من ألف واقعة قمع مرتبطة بالتضامن مع فلسطين في ألمانيا منذ عام 2019.
وأوضح المركز أن الانتهاكات شملت حظر تجمعات وتفريق احتجاجات من جانب الشرطة، وفرض قيود على استخدام الشعارات والرموز الفلسطينية، وغالباً ما جرى تبريرها بذريعة "النظام العام" أو "السلم العام"، إلى جانب إخضاع أنشطة التضامن مع فلسطين لاتهامات موسعة بمعاداة السامية أو دعم الإرهاب.
"مصلحة الدولة" كغطاء للقمع
وأشار المركز إلى أن أحد أبرز الأطر التي تستند إليها هذه السياسة يتمثل في مفهوم "Staatsräson"، أو "مصلحة الدولة"، الذي ارتبط في الخطاب السياسي الألماني بالتزام ألمانيا بأمن "إسرائيل".
واعتبر أن هذا المفهوم تحول إلى أداة لتبرير قمع الفلسطينيين وأنصارهم داخل ألمانيا، مشيراً إلى تصريح المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل أمام الكنيست عام 2008، حين اعتبرت أمن "إسرائيل" جزءاً من مصلحة الدولة الألمانية.
وبحسب المركز، أسهم هذا المبدأ في ترسيخ ارتباط بين "مصلحة الدولة" الألمانية ودعم المشروع الاستيطاني الاستعماري في فلسطين، وأصبح لاحقاً مبرراً متكرراً لسياسات قمع التضامن مع الفلسطينيين داخل ألمانيا، بالتوازي مع استمرار الدعم الألماني لـ"إسرائيل" خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة.
زيارات أممية وأوروبية ترصد الانتهاكات
وفي تشرين الأول/أكتوبر 2025، زار مفوض مجلس أوروبا لحقوق الإنسان مايكل أوفلاهرتي ألمانيا، لبحث قضايا الهجرة واللجوء والعنصرية والتمييز، إلى جانب واقع الحريات وحرية التجمع والتعبير.
وفي الفترة بين 26 كانون الثاني/يناير و6 شباط/فبراير 2026، أجرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحرية الرأي والتعبير إيرين خان زيارة رسمية إلى ألمانيا، وهي أول زيارة من نوعها لهذا المنصب إلى البلاد منذ إنشاء الولاية الأممية عام 1993.
والتقى المسؤولان خلال الزيارتين مسؤولين حكوميين ومنظمات مجتمع مدني، بينها المركز الأوروبي للدعم القانوني، وناقشا قضايا مرتبطة بحرية التعبير والتجمع والاحتجاجات المتضامنة مع فلسطين.
ويرى المركز أن نتائج الزيارتين أظهرت تناقضاً بين الصورة التي تقدمها ألمانيا عن نفسها باعتبارها دولة ملتزمة بالحقوق والحريات، وبين الممارسات المتبعة تجاه أشكال التضامن مع فلسطين.
ويشير إلى أن هذه الآليات الدولية، رغم عدم امتلاكها صلاحيات تشريعية أو قضائية مباشرة، تسهم في وضع معايير لحقوق الإنسان وتقديم تفسيرات للقانون الدولي تستند إليها المحاكم والمحامون وهيئات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.
توصيات بوقف الحظر الشامل على الشعارات والرموز الفلسطينية
وفي مذكرة بشأن ألمانيا نشرت في 15 نيسان/أبريل 2026، أوصى مفوض مجلس أوروبا السلطات الألمانية بالامتناع عن فرض حظر شامل على الشعارات والرموز وغيرها من أشكال التعبير الداعمة للشعب الفلسطيني.
كما حذر من إساءة استخدام تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) لمعاداة السامية، أو تطبيقه بطريقة تؤدي إلى خنق حرية التعبير أو منع الانتقاد المشروع لسياسات "إسرائيل".
وأشار المركز إلى أن تحليلاً بحثياً في البرلمان الألماني "البوندستاغ" أظهر تأثير مفهوم "Staatsräson" في تطبيق الإجراءات الخاصة بمواجهة خطاب الكراهية، بما يخلق مناخاً يمكن أن يؤدي فيه انتقاد "إسرائيل" إلى التأثير على فرص الإقامة أو الحصول على الجنسية، أو إلى ملاحقات جنائية نتيجة التفسير الموسع لمفهوم معاداة السامية.
بدورها، قدمت المقررة الخاصة للأمم المتحدة إيرين خان، في تقريرها إلى مجلس حقوق الإنسان المنشور في حزيران/يونيو 2026، إطاراً قانونياً أكثر تفصيلاً لواقع حرية التعبير والتضامن مع فلسطين في ألمانيا.
وفي ما يتعلق بحظر شعار "من النهر إلى البحر، فلسطين ستكون حرة"، خلصت خان إلى أن الحظر العام أو تجريم مجرد التلفظ بالشعار غير متناسب ولا يتوافق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان.
كما انتقدت استخدام مفهوم "معاداة السامية المرتبطة بإسرائيل" لقمع الانتقاد المشروع لسياسات الدولة "الإسرائيلية"، بدلاً من تعزيز حماية اليهود من الكراهية العنصرية والدينية.
أكثر من 2100 ملاحقة في برلين
وأورد تقرير خان أن سلطات برلين وجهت، بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وكانون الثاني/يناير 2026، أكثر من 2100 تهمة مرتبطة بجرائم وُصفت بأنها "دعائية"، على خلفية نشاطات مرتبطة بالتضامن مع فلسطين، بينها 994 تهمة بالتحريض على الكراهية.
وأشار المركز إلى أن عدداً كبيراً من هذه القضايا أُسقط أو حُفظ، معتبراً أن ذلك يشير إلى استخدام مفرط للملاحقة القضائية، وإلى وظيفة تأديبية تتجاوز مجرد الوصول إلى أحكام إدانة.
كما لفت إلى تصنيف جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني (BfV) مجموعات متضامنة مع فلسطين على أنها "متطرفة"، مشيراً إلى نجاح المركز الأوروبي للدعم القانوني في الطعن في أحد هذه التصنيفات.
وبحسب المركز، لم تستجب الحكومة الألمانية للتوصيات الأوروبية والأممية، بل واصلت سياساتها في الاتجاه المعاكس.
وكان مفوض مجلس أوروبا قد وجّه، في حزيران/يونيو 2025، رسالة إلى وزير الداخلية الألماني، أعرب فيها عن مخاوف بشأن القيود المفروضة على حرية التعبير والتجمع السلمي في سياق الاحتجاجات المرتبطة بالحرب على غزة، إلى جانب تقارير عن الاستخدام المفرط للقوة من جانب الشرطة.
وطالب المفوض السلطات الألمانية بعدم استخدام مبررات مثل "الإخلال بالنظام العام" أو تعريف IHRA لمعاداة السامية بصورة تؤدي إلى فرض قيود غير مبررة على الخطاب السياسي.
إلا أن رد الحكومة الألمانية جاء، بحسب المركز، دفاعياً، قبل أن تكرر موقفها في ردها على تقرير المفوض، رافضة الادعاءات المتعلقة بارتكاب السلطات الألمانية أفعالاً غير قانونية.
كما انتقد المركز ما وصفه باستخدام الحكومة الألمانية خطاب مكافحة العنصرية وحماية اليهود لتبرير قمع التضامن مع فلسطين، بالتزامن مع التقليل من خطورة الكراهية ضد المسلمين.
وأشار إلى عدد من القضايا التي أثارت انتقادات حقوقية، من بينها منع الطبيب الفلسطيني البريطاني غسان أبو ستة من دخول ألمانيا عام 2024، قبل أن يُبطل الحظر لاحقاً، إلى جانب قضايا مرتبطة بأوضاع الإقامة والجنسية والمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي والملاحقات الجنائية على خلفية الاحتجاجات.
وفي عام 2026، وسّع جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني نطاق الشعارات والرموز الفلسطينية التي يدرجها في سياق ما يسميه "التطرف العلماني المؤيد للفلسطينيين"، لتشمل شخصية حنظلة، ورمز البطيخة، وشعار "يلا يلا انتفاضة"، إلى جانب شعار "من النهر إلى البحر، فلسطين ستكون حرة".
واعتبر المركز أن ذلك يمثل توسيعاً للقيود المفروضة على الأعلام والشعارات والرموز المرتبطة بالهوية الفلسطينية، رغم التحذيرات الدولية من الحظر الشامل والتفسير المفرط لمفاهيم الأمن ومعاداة السامية.
القمع الألماني للتضامن مع فلسطين و"الإبادة في غزة"
ويرى المركز أن أهمية الزيارات والتقارير الدولية لا تكمن فقط في قدرتها المحدودة على إحداث تغيير فوري في السياسات الألمانية، بل أيضاً في توثيق الانتهاكات ووضعها ضمن سجل دولي يمكن الاستناد إليه مستقبلاً.
ويشير إلى أن آليات حقوق الإنسان الدولية، رغم قصورها وعجزها عن وقف الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، لا تزال تمثل إحدى الأدوات المتاحة أمام الشعوب الواقعة تحت القمع، لأنها تنتج سجلات قانونية وسياسية وتوفر مساحة للضغط والمساءلة.
ويحذر المركز في الوقت نفسه من أن قمع التضامن مع فلسطين في ألمانيا يعكس أزمة أوسع في النظام القانوني الدولي، في وقت أصبحت فيه قضايا الإبادة الجماعية والتواطؤ ومسؤولية الدول ونقل الأسلحة والتزامات الدول الثالثة موضع نقاش لا يمكن تجاهله.
ويخلص إلى أن التضييق الألماني لا يقتصر على السياسة الخارجية والدعم الدبلوماسي لـ"إسرائيل"، بل يمتد إلى الداخل عبر تنظيم الخطاب والاحتجاج والحداد والفن والتعبير عن الهوية السياسية.
ويؤكد المركز أن هذه التطورات "ليست منفصلة عن الإبادة الجماعية في غزة"، لأنها تكشف، بحسب تحليله، ما يحدث داخل دولة أوروبية عندما يصبح القانون الدولي "غير ملائم سياسياً"، كما تظهر أن قمع التضامن مع فلسطين يعزل ألمانيا بصورة متزايدة عن الهيئات الدولية التي تدّعي الدفاع عن مبادئ حقوق الإنسان.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات