يقف مخيم قلنديا، الواقع شمال القدس المحتلة وبين مدينتي القدس ورام الله، في قلب مخاوف فلسطينية متصاعدة من توسيع جيش الاحتلال عملياته العسكرية داخل مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، بعد أشهر شهد خلالها المخيم اقتحامات متكررة وإطلاقاً للرصاص وقنابل الغاز، ومداهمة للمنازل، واعتقالات وتحقيقات ميدانية، إلى جانب استهداف منشآت تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا".

ولم يكن اقتحام قوات الاحتلال حارة السوق في مخيم قلنديا، فجر الأول من أغسطس/آب 2026، حدثاً منفصلاً، بل جاء امتداداً لسلسلة عمليات عسكرية متصاعدة منذ بداية العام، تسببت في استشهاد فلسطينيين وإصابة آخرين، بينهم أطفال، وأدت إلى تعطيل حياة السكان وإغلاق الطرق والمداخل المحيطة بالمخيم.

وتزداد المخاوف في ظل الحديث عن استعداد جيش الاحتلال للسيطرة على مخيمات إضافية في الضفة الغربية، وإمكانية تكرار سيناريوهات الدمار والتهجير التي شهدتها مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس.

موقع استراتيجي عند بوابة القدس

يقع مخيم قلنديا في واحدة من أكثر المناطق حساسية وأهمية في الضفة الغربية، بمحاذاة حاجز قلنديا العسكري وجدار الفصل، وعلى الطريق الرئيس الذي يربط القدس المحتلة برام الله ووسط الضفة وشمالها.

ويُقدّر عدد سكان المخيم بنحو 19 ألف فلسطيني، يعيشون في مساحة جغرافية محدودة ومكتظة، ما يعني أن أي عملية عسكرية واسعة أو حصار طويل قد يؤديان سريعاً إلى أزمة إنسانية يصعب احتواؤها.

ولا تقتصر أهمية المخيم على كونه تجمعاً للاجئين الفلسطينيين، بل يشكل نقطة فاصلة ووصل في الوقت نفسه بين القدس ورام الله، ويتصل جغرافياً بمناطق كفر عقب والرام ومحيط مطار القدس القديم.

ولهذا، فإن أي إغلاق لمداخل المخيم أو انتشار عسكري في محيطه لا يؤثر في سكانه فقط، وإنما ينعكس على حركة عشرات آلاف الفلسطينيين الذين يستخدمون المنطقة يومياً للوصول إلى أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم ومستشفياتهم في القدس ورام الله.

وتمنح هذه الجغرافيا مخيم قلنديا أهمية تتجاوز مساحته وحدوده، إذ يمكن للسيطرة العسكرية عليه وعلى محيطه أن تمنح جيش الاحتلال قدرة أكبر على التحكم بأحد أهم المحاور التي تربط القدس ببقية الضفة الغربية.

سكان المخيم يخشون كارثة إنسانية

وفي مقابلات أجرتها "بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، عبّر سكان ومسؤولون محليون عن قلق بالغ من التهديدات المرتبطة بتوسيع العمليات العسكرية داخل المخيم.

وقال عضو اللجنة الشعبية في مخيم قلنديا، محمود عساف، إن السكان يتعاملون مع هذه التهديدات بجدية، خصوصاً في ضوء ما شهدته مخيمات شمال الضفة من دمار واسع وتهجير جماعي ومنع للسكان من العودة إلى منازلهم.

وحذر عساف من أن تنفيذ عملية عسكرية واسعة داخل مخيم قلنديا قد يؤدي سريعاً إلى كارثة إنسانية، نظراً إلى الكثافة السكانية المرتفعة وضيق مساحة المخيم، متسائلاً: "إلى أين سيتم تهجير كل هؤلاء السكان"؟.

وأكد أن الفلسطينيين في المخيم لا يمتلكون أماكن بديلة يمكنهم الانتقال إليها في حال إجبارهم على مغادرة منازلهم، كما أن المؤسسات المحلية والفلسطينية لا تمتلك القدرة على استيعاب موجة نزوح واسعة قد تشمل آلاف العائلات.

تصاعد الاقتحامات واستهداف مؤسسات "الأونروا"

شهد مخيم قلنديا منذ مطلع عام 2026 تصعيداً ملحوظاً في اقتحامات قوات الاحتلال، التي تحولت من مداهمات واعتقالات محدودة إلى عمليات عسكرية واسعة وطويلة، شاركت فيها أعداد كبيرة من الجنود والآليات والجرافات. وتخللت الاقتحامات عمليات إطلاق كثيف للرصاص الحي والمعدني وقنابل الغاز والصوت، ما أدى إلى شهداء وجرحى، فضلاً عن نشر القناصة فوق أسطح المنازل وإغلاق مداخل المخيم وتعطيل حركة السكان لساعات.

وشملت الاعتداءات مداهمة عشرات المنازل، وتحطيم أبوابها والعبث بمحتوياتها، وتحويل بعضها إلى ثكنات ونقاط مراقبة ومراكز للاحتجاز والتحقيق الميداني. وفي إحدى العمليات التي امتدت بين 15 و18 ساعة، احتجز جيش الاحتلال أكثر من 35 فلسطينياً، وتعرض عدد منهم للضرب والاعتداء، بالتزامن مع فرض حصار شبه كامل على المخيم ومحيطه.

وامتد الاستهداف إلى منشآت وكالة "أونروا"، إذ اقتحمت قوات الاحتلال عيادة الوكالة وحطمت مدخلها، كما داهمت مركز قلنديا للتدريب مراراً، وصورت مرافقه وأجرت قياسات داخله، وهددت بإغلاقه. وخلال أحد الاقتحامات، احتُجز أكثر من 100 طالب وموظف، ما يعكس انتقال الاستهداف من السكان والمنازل إلى المؤسسات الصحية والتعليمية التي تقدم خدمات أساسية للاجئين الفلسطينيين.

تحذير من تغيير الواقع الديمغرافي في الضفة الغربية

وحذّر مدير عام الإدارة العامة للمخيمات الفلسطينية في دائرة شؤون اللاجئين، السيد محمد عليان، في مقابلة مع "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" من خطورة إعلان وزير جيش الاحتلال الاستعداد للسيطرة على مخيمات إضافية في الضفة الغربية، مؤكداً أن هذا الإعلان لا يمكن التعامل معه باعتباره تهديداً منفصلاً أو مقدمة لعمليات عسكرية محدودة، بل يأتي في إطار سياسة أوسع تستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، وتغيير الواقع الديمغرافي، وفرض سيطرة عسكرية دائمة على مناطق استراتيجية.

وبيّن أن استمرار قوات الاحتلال في نصب الحواجز العسكرية، وإغلاق الطرق، وإقامة البوابات الحديدية، بالتوازي مع توسيع المستوطنات وشبكات الطرق المخصصة للمستوطنين، يعزز المخاوف من وجود مخطط لتقطيع أوصال الضفة الغربية وعزل شمالها عن وسطها وجنوبها.

وحول الأهمية الاستراتيجية للمخيمات التي يجري التهديد باستهدافها، قال عليان إن مخيم قلنديا لا يمثل مجرد تجمع للاجئين، بل يقع في واحدة من أكثر المناطق حساسية في الضفة الغربية، إذ يشكل نقطة وصل رئيسية بين القدس المحتلة ورام الله وشمال الضفة.

وأوضح أن أي تشديد عسكري أو إغلاق للطرق أو تنفيذ عمليات عسكرية واسعة في منطقة قلنديا ينعكس بصورة مباشرة على حركة عشرات الآلاف من الفلسطينيين، ويؤثر في قدرتهم على الوصول إلى أماكن عملهم ومدارسهم وجامعاتهم ومراكز العلاج.

وأشار إلى أن معهد قلنديا، التابع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، يتعرض منذ فترة لمداهمات متكررة من قوات الاحتلال، إلى جانب محاولات لتعطيل عمله أو إغلاقه، على غرار الإجراءات التي استهدفت مؤسسات تابعة للوكالة في مخيم شعفاط والقدس المحتلة.

ولفت إلى وجود مخاوف جدية من أن تكون هذه الإجراءات جزءاً من سياسة أوسع تستهدف تقليص وجود "أونروا" وإنهاء دورها داخل المخيمات، باعتبارها شاهداً دولياً وقانونياً على قضية اللاجئين الفلسطينيين.

قلنديا في قلب مخطط جغرافي أوسع

عند النظر إلى خريطة الضفة الغربية، يتضح أن المخيمات التي تتعرض للتهديد أو الاستهداف لا تقع في مواقع عشوائية، بل تتمركز في نقاط جغرافية مفصلية تربط المحافظات الفلسطينية بعضها ببعض، وتقع بالقرب من مداخل المدن والطرق الحيوية ومراكز الحركة السكانية والاقتصادية.

ومع استمرار جيش الاحتلال في نصب الحواجز العسكرية، وإغلاق الطرق، وإقامة البوابات الحديدية، وتوسيع المستوطنات وشبكات الطرق المخصصة للمستوطنين، تتزايد التقديرات التي تربط بين استهداف المخيمات ومحاولات تقطيع أوصال الضفة الغربية وعزل مناطقها.

ولا يمكن الجزم بالنوايا النهائية للاحتلال، إلا أن النتيجة العملية لهذه السياسات تتمثل في تقييد حركة الفلسطينيين، وإضعاف التواصل الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي بين المحافظات، وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى مناطق معزولة ومحاصرة.

ويشكل مخيم قلنديا نموذجاً واضحاً لهذه المخاوف، نظراً إلى وقوعه على الطريق الرابط بين القدس ورام الله، بينما يمثل مخيم بلاطة، عند المدخل الشرقي لمدينة نابلس، موقعاً استراتيجياً آخر يربط شمال الضفة بوسطها.

ومن شأن فرض سيطرة عسكرية واسعة على هذه المواقع أن يمنح جيش الاحتلال قدرة أكبر على التحكم في الطرق والمحاور الحيوية، ويؤثر في حركة الفلسطينيين والبضائع والنشاط الاقتصادي، ويعمق الفصل الجغرافي بين المحافظات.

بلاطة ضمن دائرة التهديد

لا تقتصر المخاوف على مخيم قلنديا، إذ تبرز تهديدات مماثلة لمخيم بلاطة، أحد أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية، والواقع عند المدخل الشرقي لمدينة نابلس.

وحذر محافظ نابلس غسان دغلس، في حديث صحفي، من أن توسيع العمليات العسكرية إلى مخيم بلاطة قد يقود إلى كارثة إنسانية، مؤكداً عدم وجود أماكن أو إمكانات كافية لإيواء السكان في حال تهجيرهم.

وقال دغلس: "نحن أمام خطوة مدمرة. ليس لدينا مكان لإيواء الناس، ولن نتمكن من التعامل مع تداعياتها. آمل أن يستفيق أحد ويمنع هذه الخطوة".

ووصف الادعاء بأن توسيع العمليات يتعلق باستهداف بنى تحتية مسلحة بأنه "ادعاء فارغ"، مشيراً إلى أن ما جرى في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس تجاوز عمليات التفتيش الموضعية، وتحول إلى تدمير واسع وتهجير للسكان.

وأكد أنه لا يوجد في مخيم بلاطة أو منطقة نابلس وضع أمني يبرر توسيع العملية العسكرية، معتبراً أن ما يحدث يمثل "نوعاً من العقاب الجماعي المتعمد ضد السكان".

وتعزز هذه المخاوف الاعتقاد بأن استهداف المخيمات قد لا يكون سلسلة عمليات منفصلة، بل سياسة أوسع تهدف إلى تغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي في الضفة الغربية.

شبح التهجير حاضر

بالنسبة إلى سكان مخيم قلنديا، لا تبدو مشاهد التهجير في جنين وطولكرم ونور شمس بعيدة عن واقعهم، خصوصاً مع تصاعد الاقتحامات واستهداف المنازل والمؤسسات الخدمية وإغلاق المداخل.

ويخشى السكان أن تبدأ أي عملية موسعة بإخلاء محدود أو مؤقت لبعض الأحياء، قبل أن تتحول إلى تهجير طويل الأمد ومنع للعائلات من العودة إلى منازلها.

وتزداد خطورة هذا السيناريو في قلنديا بسبب موقع المخيم المحاصر بين الحاجز العسكري وجدار الفصل والطرق التي يسيطر عليها جيش الاحتلال، إضافة إلى الكثافة السكانية العالية وغياب المساحات التي يمكن استخدامها لإيواء النازحين.

كما أن إغلاق محور قلنديا أو تحويله إلى منطقة عسكرية لن يقتصر أثره على اللاجئين داخل المخيم، بل قد يؤدي إلى شلل واسع في الحركة بين القدس ورام الله، ويزيد من عزل القدس المحتلة عن محيطها الفلسطيني.