بريطانيا تستخدم قوانين مكافحة الإرهاب ضد نشطاء مؤيدين لفلسطين
أثار قرار قضائي في بريطانيا بالنظر في إمكانية تصنيف قضية خمسة نشطاء من حركة "فلسطين أكشن" على أنها ذات "صلة بالإرهاب"، رغم محاكمتهم بتهمة إتلاف ممتلكات، جدلاً واسعاً في الأوساط القانونية والحقوقية، وسط تحذيرات من أن يؤدي توسيع استخدام تشريعات مكافحة الإرهاب إلى تقييد حرية الاحتجاج السياسي، ولا سيما الاحتجاجات الداعمة لفلسطين.
وتتمحور القضية حول احتجاج استهدف فرعاً لبنك باركليز في مدينة بيرنلي بمقاطعة لانكشاير في آب/أغسطس 2024، حيث أدانت المحكمة خمسة نشطاء بتهمة التسبب في أضرار مادية قُدرت بنحو 212 ألف جنيه إسترليني، بعد تحطيم نوافذ الفرع وإلقاء طلاء أحمر على واجهته خلال احتجاج مباشر.
والمتهمون هم بريندون أوهاغان (28 عاماً)، وأماندا كيلي (31 عاماً)، وهميرا أتيقنيسار (31 عاماً)، ومحمد مالك (28 عاماً)، وألما يانيف (70 عاماً).
وقال النشطاء إن استهدافهم لفرع باركليز جاء احتجاجاً على علاقة البنك مع شركة إلبيت سيستمز "الإسرائيلية"، المتخصصة في الصناعات العسكرية، مؤكدين أن البنك كان يحتفظ بأسهم مرتبطة بالشركة، في إطار حملة أوسع تستهدف المؤسسات التي يرون أنها تقدم دعماً مالياً أو مؤسسياً للصناعات العسكرية "الإسرائيلية".
من جانبه، سبق أن أوضح بنك باركليز أن حيازته لتلك الأسهم كانت ضمن معاملات استثمارية مرتبطة بطلبات العملاء، نافياً أن يكون مستثمراً مباشراً في الشركة بالشكل الذي يطرحه المحتجون.
كما أفيد في تشرين الأول/أكتوبر 2024 بأن البنك تخارج من جميع الأسهم المرتبطة بإلبيت، إلا أن ذلك لم ينهِ الاحتجاجات التي تستهدفه.
وبعد صدور أحكام الإدانة، أبلغ القاضي فيليب باري الادعاء والدفاع بأنه يعتزم النظر في ما إذا كانت الجرائم المدان بها المتهمون تحمل "صلة بالإرهاب"، وهو توصيف قد يؤدي إلى تشديد العقوبات المقررة بحقهم بموجب تشريعات مكافحة الإرهاب البريطانية.
وأثار هذا التوجه انتقادات قانونية، إذ لم يُبلَّغ المتهمون أو هيئة المحلفين خلال المحاكمة بإمكانية تصنيف القضية على هذا النحو، كما لم تطرح النيابة العامة هذا الاحتمال قبل المحاكمة أو أثناءها، قبل أن تطلب بعد صدور الإدانة اعتبار القضية ذات صلة بالإرهاب.
واستند القاضي إلى حكم سابق أصدره القاضي جون جونسون في قضية منفصلة تخص أربعة نشطاء آخرين من حركة "فلسطين أكشن"، أدينوا بإتلاف ممتلكات عقب اقتحام مصنع تابع لشركة إلبيت في منطقة فيلتون قرب بريستول. وبعد الإدانة، خلص جونسون إلى أن أفعالهم كانت ذات "صلة بالإرهاب"، لتصبح تلك القضية أول سابقة من نوعها في بريطانيا.
ومن المقرر أن يقدم الادعاء والدفاع مرافعاتهما بشأن هذه المسألة قبل جلسة النطق بالحكم، المقررة في 4 أيلول/سبتمبر المقبل.
وقال المتهم محمد مالك، في تصريحات نقلتها صحيفة الغارديان، إن محاولة تطبيق تشريعات مكافحة الإرهاب في هذه المرحلة تمثل تغييراً جوهرياً في طبيعة القضية.
وأضاف: "القاضي والنيابة العامة يسعيان الآن إلى إصدار أحكام بحقنا باعتبارنا إرهابيين بسبب الطلاء الأحمر وبعض النوافذ المحطمة".
واعتبر أن القضية تتجاوز التهم الأصلية التي حوكموا على أساسها، محذراً من أن توسيع استخدام قوانين مكافحة الإرهاب ضد المحتجين قد يشكل سابقة خطيرة تمس حرية الاحتجاج والمعارضة المدنية.
كما انتقد الحكم السابق الصادر بحق أربعة من نشطاء الحركة في قضية مصنع إلبيت، معتبراً أنه فتح الباب أمام استخدام قوانين الإرهاب ضد نشطاء الاحتجاج السياسي.
من جهتها، قالت المشاركة في تأسيس حركة "فلسطين أكشن"، هدى عموري، إن القضية الحالية تظهر أن السابقة القضائية التي أرساها الحكم السابق بدأت تمتد إلى ملفات أخرى، معربة عن قلقها من اتساع نطاق استخدام هذا التوصيف القانوني.
ومن أبرز النقاط المثارة في القضية أن الاحتجاج الذي استهدف فرع باركليز وقع في آب/أغسطس 2024، أي قبل قرار الحكومة البريطانية بحظر حركة "فلسطين أكشن" وإدراجها لاحقاً ضمن التنظيمات المحظورة بموجب قوانين مكافحة الإرهاب.
كما أن الاحتجاج لم يُصنف عند وقوعه باعتباره حادثاً إرهابياً، ولم تصدر في حينه أي تصريحات من وزارة الداخلية البريطانية أو الجهات المختصة تشير إلى وجود شبهة إرهابية.
إلا أن النيابة العامة دفعت لاحقاً، عند مرحلة إصدار الحكم، بأن أقوال المتهمين أثناء المحاكمة، وانتماءهم إلى الحركة، وإقرارهم بأن الاحتجاج جاء ضمن حملة أوسع ضد باركليز، تبرر بحث وجود "صلة بالإرهاب"، وهو ما يشكل محور النزاع القانوني الحالي.
وأثارت القضية ردود فعل واسعة من منظمات حقوقية وشخصيات سياسية بريطانية، اعتبرت أن استخدام قوانين مكافحة الإرهاب في قضايا الاحتجاج السياسي يهدد الحقوق المدنية.
وقالت أكيكو هارت، مديرة منظمة ليبرتي الحقوقية، إن القضية تكشف ما وصفته بـ"العيوب العميقة" في تشريعات مكافحة الإرهاب البريطانية، معتبرة أن هذه القوانين باتت تُستخدم في ملاحقة أفعال لا يعدها معظم الناس أعمالاً إرهابية.
كما انتقد النائب العمالي جون ماكدونيل، وزير المالية في حكومة الظل البريطانية سابقاً، مسار القضية، معتبراً أن محاكمة النشطاء وفق القانون الجنائي ثم السعي لاحقاً إلى تطبيق قوانين مكافحة الإرهاب عليهم "لا يمكن اعتباره إجراءً عادلاً أو منصفاً"، ورأى أن هذه الممارسة قد تُستخدم لإسكات الأصوات المعارضة للحرب في غزة.
بدورها، أعربت منظمات، بينها منظمة العفو الدولية وليبرتي، عن مخاوفها من التوسع في استخدام أدوات مكافحة الإرهاب ضد ناشطين أدينوا بقضايا إتلاف ممتلكات مرتبطة باحتجاجات سياسية.
ويحمل تصنيف الجريمة على أنها ذات "صلة بالإرهاب" آثاراً قانونية تتجاوز مجرد تشديد العقوبة، إذ قد يترتب عليه إخضاع المحكوم عليهم لقيود طويلة الأمد بعد الإفراج عنهم.
ففي القضية السابقة المتعلقة بمصنع إلبيت، فرضت المحكمة على المدانين الالتزام لمدة 15 عاماً بمتطلبات الإبلاغ الخاصة بقوانين الإرهاب، والتي تشمل إخطار الشرطة عند تغيير محل الإقامة، أو فتح حسابات مصرفية، أو امتلاك أجهزة إلكترونية جديدة، أو إجراء تغييرات جوهرية في حياتهم الشخصية، إضافة إلى احتمال تشديد شروط الإفراج المبكر.
ويشير منتقدو التوجه الحالي إلى وجود اختلاف في التعامل مع قضايا مشابهة. ففي عام 2023، أُدين سبعة من نشطاء حركة "إكستنكشن ريبيليون" البيئية بعد تحطيم نوافذ المقر الرئيسي لبنك باركليز في لندن والتسبب بأضرار تجاوزت قيمتها 100 ألف جنيه إسترليني، إلا أن القضية لم تُصنف على أنها ذات صلة بالإرهاب.
ويرى منتقدون أن هذا التباين يثير تساؤلات حول معايير تطبيق التشريعات، وما إذا كان الانتماء إلى حركة تنظم احتجاجات مرتبطة بالحرب في غزة هو ما يفسر اختلاف المعاملة القانونية.
ويرى مراقبون أن جلسة النطق بالحكم، المقررة في الرابع من أيلول/سبتمبر، قد تشكل محطة مفصلية في القانون البريطاني. فإذا اعتبرت المحكمة أن القضية ذات "صلة بالإرهاب"، فقد يفتح ذلك الباب أمام توسيع استخدام هذا التوصيف في قضايا الاحتجاج السياسي مستقبلاً، أما إذا رفضت ذلك، فقد يعيد القرار رسم حدود تطبيق قوانين مكافحة الإرهاب في مثل هذه القضايا.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات