برّأت محكمة فيينا الجنائية الإقليمية، الثلاثاء 21 تموز/يوليو، الناشط المتضامن مع فلسطين والمؤثر على مواقع التواصل الاجتماعي رافائيل "فيني" إيسلر، البالغ 29 عاماً، من تهمتي إهانة وزيرة الخارجية النمساوية، بيتا ماينل-رايزينغر، والتشهير بها، على خلفية انتقادات وجهها إلى موقفها من حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة.

وقضت المحكمة بأن وصف إيسلر للوزيرة بـ"منظفة الإبادة الجماعية"، إلى جانب وصفها بأنها "غير إنسانية" و"وصمة عار"، يندرج ضمن النقد السياسي المحمي قانوناً، ولا يمثل مجرد إساءة شخصية، باعتبار أن العبارات جاءت في سياق تقييم مواقفها وأدائها السياسي.

واستند القاضي في قراره إلى المادة العاشرة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، المتعلقة بحرية التعبير، مؤكداً أن حدود النقد المسموح به تجاه كبار المسؤولين والسياسيين أوسع من الحدود المطبقة على الأشخاص العاديين، وأن على الشخصيات السياسية تقبّل الانتقادات الحادة المرتبطة بأدائها العام. وصدر حكم البراءة بصورة نهائية، بعدما تنازلت النيابة العامة عن حق الطعن فيه.

وفي قضية منفصلة نُظرت خلال الجلسة نفسها، وافق إيسلر على إجراء قضائي بديل عن الإدانة، يعرف في القانون النمساوي باسم "Diversion"، يتعلق بمنشور شبّه فيه "إسرائيل" بخلايا سرطانية، وبذلك تجنّب صدور إدانة جنائية أو تسجيل سابقة في سجله.

وأوضح إيسلر، في مقطع مصور نشره عقب المحاكمة، أنه خرج من القضايا المنظورة أمام المحكمة من دون أي إدانة جنائية، مشيراً إلى أن البراءة شملت الاتهامات المرتبطة بانتقاده وزيرة الخارجية، بينما أغلقت القضية الثانية وفق شروط الإجراء البديل.

تبرئة استندت إلى حرية التعبير

وكان إيسلر قد نشر مقطع فيديو انتقد فيه وزيرة الخارجية النمساوية، واصفاً إياها بـ"منظفة الإبادة الجماعية"، و"غير إنسانية"، و"وصمة عار"، على خلفية مواقفها الرافضة لاتخاذ إجراءات وعقوبات ضد حكومة الاحتلال في ظل حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة.


وخلال جلسة المحاكمة، أوضح أن استخدام كلمة "منظفة" جاء بوصفه استعارة سياسية، في إشارة إلى دور الوزيرة في "تبييض صورة الحكومة الإسرائيلية"، من خلال معارضة فرض عقوبات عليها، بدلاً من اتخاذ موقف إزاء المؤشرات المتعلقة بانتهاك اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية.

ورفض القاضي اعتبار هذه التصريحات مجرد شتائم أو إساءات شخصية، مؤكداً أنها ترتبط بتقييم أداء الوزيرة ومواقفها السياسية، وتندرج ضمن النقاش العام المحمي بموجب الحق في حرية التعبير.

كما رأت المحكمة أن انتقادات إيسلر استندت إلى "جوهر موضوعي" يتعلق بموقف الوزيرة من فرض العقوبات على "إسرائيل"، وانتقد القاضي لجوء مكتبها إلى تقديم بلاغ ضد الناشط لدى مديرية حماية الدولة وجهاز الاستخبارات، معتبراً الخطوة "إحراجاً كبيراً لوزارة مهمة".

إجراء بديل في قضية منشور "السرطان"

أما القضية الثانية، فتعلقت بمنشور نشره إيسلر في 19 شباط/فبراير الماضي، تضمن صورة مجهر كتب فوقها: "هذا أسوأ سرطان رأيته في حياتي"، بينما ظهرت داخله خلايا تحمل ألوان علم "إسرائيل" والنجمة السداسية.

واتهمت النيابة العامة إيسلر بالتحريض على الكراهية، معتبرة أن المنشور قد يفهم على أنه يشبّه الإسرائيليين أو اليهود بمرض خطير وغير قابل للشفاء.

في المقابل، أكد فريق الدفاع أن الانتقاد كان موجهاً إلى حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة وسياساتها التوسعية، وليس إلى اليهود، محذراً من الخلط بين اليهودية والصهيونية والحكومة "الإسرائيلية".

وأوضح إيسلر أن المنشور كان تعبيراً ساخراً عن سياسات التوسع والاستيلاء على الأراضي، مؤكداً أن نيته لم تكن تشبيه البشر أو اليهود بالخلايا السرطانية، ومقراً في الوقت نفسه بإمكانية فهم الصورة على نحو مختلف عن مقصده.

ورأى القاضي أن استخدام تشبيه السرطان يحمل دلالات تاريخية شديدة الحساسية، بسبب استخدام النازيين أوصافاً مشابهة ضد اليهود، واعتبر أن المنشور قد يشمل المواطنين الإسرائيليين بصورة عامة، وليس الحكومة وحدها.

وبعد تشاور إيسلر مع محاميته، وافق على تحمّل المسؤولية عن نشر الصورة وقبول الإجراء القضائي البديل عن الإدانة، والذي يتضمن فترة اختبار مدتها عامين، والمشاركة في برنامج "حوار ضد الكراهية" بإشراف جمعية "Neustart"، إلى جانب دفع 250 يورو مساهمة في تكاليف الإجراءات.

وبموجب هذا الإجراء، تغلق القضية نهائياً من دون إدانة أو سابقة جنائية، شريطة التزام إيسلر بالشروط وعدم ارتكابه مخالفة جنائية خلال فترة الاختبار. وأصبحت التسوية نافذة ونهائية بعد موافقة النيابة العامة عليها وتنازلها عن الطعن.

وأثار الحكم تفاعلاً في الأوساط الحقوقية النمساوية، حيث رحبت المديرة التنفيذية لمنظمة العفو الدولية في النمسا، شورى هاشمي، بالقرار، معتبرة أن المحكمة دافعت عن حرية الرأي والنقد السياسي، في مواجهة محاولة مكتب وزيرة الخارجية ملاحقة الناشط قضائياً بسبب موقفه من حرب الإبادة في غزة.