دراسة تكشف كيف أصبح "تيك توك" منصة لتسهيل الجريمة المنظمة في الداخل الفلسطيني
كشفت دراسة حديثة أعدها "حملة – المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي" عن تحول منصة "تيك توك" من فضاء للتواصل والترفيه إلى بنية تحتية رقمية تستخدمها عصابات الجريمة المنظمة في المجتمع الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة عام ـ48 لتجنيد الشباب، وترويج أنشطتها، وتوسيع نفوذها، في ظل تصاعد غير مسبوق في معدلات العنف وجرائم القتل.
وجاءت الدراسة بعنوان "خوارزميات العنف: تحليل السلوكيات، التمثلات والآثار للجريمة المنظمة في تيك توك بالمجتمع الفلسطيني في الداخل"، من إعداد الباحثة أفنان كناعنة تناولت التداخل بين الجريمة المنظمة والفضاء الرقمي، من خلال تحليل الأبعاد التنظيمية والثقافية والرمزية للعنف المتداول عبر المنصة.
وركزت الدراسة، التي تابعت الظاهرة خلال الفترة الممتدة بين عام 2023 وشباط/فبراير 2026، على الفئة الأكثر استخداماً للتطبيق، وهم الشباب والأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و35 عاماً، مستندة إلى منهجية بحثية جمعت بين المقابلات النوعية، والمجموعات البؤرية، والتحليل المدعوم بالذكاء الاصطناعي.
تصاعد جرائم القتل
وأظهرت الدراسة تحول العنف في الداخل الفلسطيني من حالات فردية إلى جريمة منظمة متغلغلة في الحياة الاقتصادية والسياسية والمجالس المحلية، مشيرة إلى ارتفاع أعداد ضحايا القتل من أقل من 100 ضحية خلال الفترة بين عامي 1980 و2000، إلى نحو 1700 ضحية بين عامي 2000 و2021.
وبحسب البيانات التي أوردتها الدراسة، سجلت جرائم القتل 96 ضحية عام 2020، و126 عام 2021، و116 عام 2022، قبل أن ترتفع بصورة حادة إلى 245 ضحية عام 2023، و230 عام 2024، و252 ضحية عام 2025.
ونقلت الدراسة عن أبحاث مركز "طاوب" أن المجتمع العربي في حال كان دولة مستقلة، لكان احتل المرتبة الثالثة بعد كولومبيا والمكسيك في معدلات الجريمة ضمن دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، لافتة إلى أن الفلسطينيين يشكلون أكثر من 80% من ضحايا جرائم القتل في "إسرائيل"، رغم نسبتهم التي لا تتجاوز 20% من السكان.
وربطت الدراسة تصاعد الجريمة بسياسات التهميش والإهمال الشرطي الممنهج من قبل السلطات "الإسرائيلية"، معتبرة أن الجريمة تُستخدم كأداة لإضعاف المجتمع الفلسطيني سياسياً واجتماعياً.
وأشارت إلى أن الشرطة "الإسرائيلية" تمكنت منذ عام 2004 من تفكيك عصابات يهودية، مقابل غض الطرف عن منظمات إجرامية فلسطينية، مستشهدة بتسريبات لضباط تضمنت عبارة "دعهم يقتلون الواحد الآخر".
الجيش والشرطة مصدر سلاح الجريمة
كما لفتت إلى بيانات رسمية لما تسمى وزارة الأمن الداخلي "الإسرائيلية" تفيد بأن 70% من الأسلحة المنتشرة في البلدات العربية، والتي تجاوز عددها 300 ألف قطعة سلاح حتى عام 2023، مصدرها مخازن الجيش والشرطة "الإسرائيلية."
وأضافت أن تقارير عدة تشير إلى تورط عملاء لجهاز الأمن العام في كيان الاحتلال "الشاباك" في شبكات الجريمة، فيما أظهرت استطلاعات رأي أن نحو 50% من الفلسطينيين لا يشعرون بالأمان، وأن 71% يخشون تعرض عائلاتهم للعنف.
تحليل واسع باستخدام الذكاء الاصطناعي
واعتمدت الدراسة على مقابلات شبه مقننة مع أربعة خبراء، هم الصحفي والباحث ضياء حاج يحيى، مسؤول قسم الجريمة في صحيفة "هآرتس"، والدكتور وليد حداد المحاضر في علم الإجرام في كلية "أونو"، والمحامي رضا جابر المدير السابق لمركز أمان، والاستراتيجي الرقمي أنس أبو دعابس مقدم بودكاست "صوت التك".
كما تضمنت مجموعة بؤرية شارك فيها ستة مهنيين يعملون مع الشباب والأطفال في مناطق الخطر والرعاية الاجتماعية.
وطور مركز "حملة" نموذجاً لغوياً قائماً على الذكاء الاصطناعي لجمع وتحليل 1083 محتوى منشوراً بين 26 تشرين الثاني/نوفمبر و8 كانون الأول/ديسمبر 2025، قبل اختيار عينة من 60 فيديو خضعت للتحليل النقدي للخطاب والتحليل السيميائي البصري والسمعي.
ولفت التقرير إلى وجود محدودية بحثية تمثلت بعدم القدرة على إجراء مقابلات مع مراهقين بسبب قيود منع التجمع خلال الحرب بين "إسرائيل" وإيران.
"تيك توك" كسوق للجريمة ووسيلة تجنيد
وفصلت الدراسة أدوار المنصة في دعم الأنشطة الإجرامية، حيث شكلت المنشورات المرتبطة مباشرة بأعمال إجرامية نسبة 9.3 % من العينة، بواقع 101 منشور.
وبيّنت أن المنصة أصبحت مساحة لتجنيد منفذين لعمليات السرقة وإطلاق النار والفرار، من خلال إعلانات تطلب "شوفيرية جوارح" لتنفيذ مهام تستغرق بين 10 و15 دقيقة مقابل مبالغ تتراوح بين 1500 و5000 شيكل، مع تقديمها باعتبارها فرصة عمل.
ونقل التقرير عن الباحث ضياء حاج يحيى وصفه لـ"تيك توك" بأنه أصبح بمثابة "الموارد البشرية للمنظمات الإجرامية" التي تستقطب عشرات الشباب سنوياً.
كما رصدت الدراسة استخدام المنصة في تقديم خدمات فرض الإتاوات ("الخاوة") واسترداد الديون بالقوة وتصفية النزاعات، مشيرة إلى أن ذلك يرتبط بغياب الحماية القانونية والشرطية، وفق ما ذكرته الصحفية سهى عراف.
وأوضح الدكتور وليد حداد أن العصابات تستغل المنصة لرصد المصالح التجارية والمطاعم الميسورة بهدف ابتزازها وفرض الإتاوات عليها، أو التشهير بها وترهيب زبائنها.
وتطرقت الدراسة كذلك إلى استخدام "تيك توك" في تجارة السيارات المسروقة، وتزوير العملات، وغسيل الأموال عبر البث المباشر والهدايا، إضافة إلى توظيف بعض صانعات المحتوى والمؤثرات كواجهات لمصالح تجارية مرتبطة بعصابات، واستغلال بعض الفتيات ضمن شبكات دعارة، فضلاً عن الترويج لتهريب العمال من الضفة الغربية عبر جدار الفصل وتزوير الوثائق والرخص.
وأظهرت بيانات العينة أن هذه المنشورات وحدها حققت 15 مليوناً و383 ألفاً و445 مشاهدة، و356 ألفاً و578 إعجاباً، و5342 تعليقاً، و43 ألفاً و749 مشاركة، إضافة إلى 21 ألفاً و288 عملية تنزيل.
خوارزميات العنف وتطبيع الجريمة
وحذرت الدراسة من دور خوارزميات "تيك توك"، القائمة على ما يعرف بـ"اقتصاد الانتباه"، في تعزيز انتشار المحتوى العنيف من خلال نظام التوصية في صفحة "لك" (FYP)، حيث تدفع المستخدمين تدريجياً نحو محتوى أكثر صدمة وعنفاً بسبب ارتفاع معدلات التفاعل معه.
وأشارت إلى أن القاصرين قد يتعرضون لمحتويات متطرفة خلال أربعة أيام فقط من إظهار اهتمام بمحتوى مشابه، محذرة من آثار ذلك في تطبيع العنف، وزيادة التبلد العاطفي، وتعزيز الخوف والترهيب، إضافة إلى انتشار ما يعرف بـ"جرائم التقليد" و"جرائم الأداء" المرتبطة بالسعي إلى الشهرة.
دعوة إلى استراتيجية تتجاوز الحلول الأمنية
وأكدت الدراسة في ختامها أن مواجهة الجريمة المنظمة لا يمكن أن تعتمد على المقاربة الأمنية وحدها، داعية إلى استراتيجية متعددة المستويات تشمل إلزام شركات التكنولوجيا، وفي مقدمتها "تيك توك"، بتحمل مسؤوليتها الرقمية وتطوير آليات الرقابة على المحتوى العنيف باللغة العربية.
كما أوصت بتعزيز البرامج التربوية والثقافية التي توفر بدائل للشباب بعيداً عن دوائر العنف، وتأهيل المؤسسات الإعلامية والصحفيين للتعامل مع قضايا الجريمة بحساسية ومسؤولية، إلى جانب بناء استراتيجية مجتمعية وسياسية شاملة لمواجهة الجريمة في المجالين الواقعي والرقمي.
الدراسة كاملة: ( هنا )
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات