كشف تقرير بحثي موسع أعده معهد "فافو" النرويجي بالشراكة مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، عن مستويات متشابكة من الفقر وانعدام الأمن الغذائي وضعف الحماية الصحية والسكنية بين أكثر شرائح اللاجئين الفلسطينيين هشاشة في الأردن، وحذّر التقرير من أن توقف مساعدات الوكالة وصندوق المعونة الوطنية قد يترك 37 % من الأسر المشمولة بالدراسة بدخل شهري يقل عن 100 دينار أردني.

وأوضح التقرير، الذي حمل عنوان "ظروف معيشة اللاجئين الفلسطينيين الأكثر هشاشة في الأردن: الوصول إلى الخدمات والمساعدات وتجارب مستخدمي خدمات أونروا"، وأعده الباحثان (Åge A. Tiltnes) و (وJing Liu ) ضمن سلسلة (Faforeport 2025:28) ، أن تأثير توقف المساعدات لن يقتصر على تراجع الدخل، بل سيمتد إلى قدرة الأسر على تأمين الغذاء والدواء ودفع الإيجارات والحفاظ على تعليم الأطفال وتجنب تراكم الديون أو الانتقال إلى مساكن أقل جودة.

واستند التقرير إلى مسح ميداني أُجري خلال شهري شباط وآذار عام 2023، وشمل 4471 أسرة تضم 21694 فرداً، مع التركيز على مستخدمي خدمات "أونروا"، ولا سيما الأسر الأشد فقرًا والأكثر عرضة للمخاطر.

المساعدات تصل إلى الأكثر فقراً لكنها لا تنتشلهم من الهشاشة

وأظهر التقرير أن الأسر المستفيدة من مساعدات "أونروا" النقدية المنتظمة تسجل مستويات أعلى من الفقر والهشاشة مقارنة بغير المستفيدين، مشيرًا إلى أن ذلك لا يعكس فشل المساعدات، بل يدل على أن آلية الاستهداف لدى الوكالة تصل بدرجة كبيرة إلى الأسر الأكثر احتياجاً. لكن الباحثين أكدوا أن المساعدات لا تكفي لإخراج الأسر من دائرة الفقر، وإنما تعمل كـ"حاجز أخير" يمنع تدهور أوضاعها بشكل أكبر.

وبيّن التقرير أن المساعدات تشكل أكثر من 75% من إجمالي دخل 71% من الأسر الفلسطينية الحاصلة على الجنسية الأردنية والمستفيدة من شبكة الأمان الاجتماعي التابعة لـ "أونروا"، إضافة إلى 57% من أسر فلسطينيي غزة المستفيدة من البرنامج، و49% من أسر فلسطينيي سوريا.

كما تعتمد69% من أسر فلسطينيي سوريا المشمولة بالدراسة على مساعدات "أونروا" باعتبارها مصدر دخلها الرئيسي، فيما سيؤدي توقف مساعدات الوكالة وحدها إلى خفض دخل هذه الأسر بأكثر من النصف، مع تأثير أشد على المقيمين في مخيم الحديقة قرب مدينة الرمثا.

الوضع القانوني يرسم خريطة الفقر والهشاشة

وأشار التقرير إلى أن الوضع القانوني يشكل عاملاً رئيسياً في تحديد قدرة الأسر الفلسطينية على الوصول إلى العمل والصحة والتعليم والسكن والمساعدات الحكومية.

وقارن بين أوضاع ثلاث مجموعات رئيسية وهي: اللاجئون الفلسطينيون الحاصلون على الجنسية الأردنية، وفلسطينيو غزة الذين قدموا بعد نكسة عام 1967، وفلسطينيو سوريا الذين وصل معظمهم بعد عام 2011، إضافة إلى أعداد محدودة من الفلسطينيين القادمين من العراق.

وأوضح أن غالبية اللاجئين الفلسطينيين في الأردن يحملون الجنسية الأردنية، في حين لا يحملها معظم الفلسطينيين القادمين من قطاع غزة بعد عام 1967، والبالغ عدد المسجلين منهم لدى "أونروا" نحو 183 ألفاً.

ويواجه فلسطينيو غزة قيوداً في العمل بالقطاع العام وبعض المهن، كما لا يستفيدون من صندوق المعونة الوطنية، ويدفعون رسوماً أعلى للحصول على بعض الوثائق وتصاريح العمل والخدمات الطبية والتعليم الجامعي.

وبيّن التقرير أن الجنسية الأردنية لا يحملها سوى 1.5 % من أرباب أسر فلسطينيي غزة المشمولين بالمسح، مقابل 39 % من زوجاتهم، وغالباً ما يرتبط ذلك بزواج نساء أردنيات من رجال غير حاصلين على الجنسية.

أما بين أسر فلسطينيي سوريا، فيحمل 82 % من أرباب الأسر الجنسية الأردنية مقابل 63 % من الزوجات، رغم استمرار مشكلات الوثائق والإقامة لدى بعضهم.

وسجل التقرير وضعًا استثنائيًا لسكان مخيم الحديقة، حيث يعيش اللاجئون في وحدات مسبقة الصنع قرب الحدود السورية، ويخضع بعضهم لقيود على الحركة، فيما تبين أن 12 % من أرباب الأسر هناك لا يحملون أي وثيقة تعريفية.

اعتماد واسع على خدمات "أونروا" داخل المخيمات

ويسجل لدى "أونروا" في الأردن أكثر من 2.3 مليون لاجئ فلسطيني، يعيش نحو خمسهم في13 مخيماً رسمياً هي: الوحدات، البقعة، الشهيد عزمي المفتي "الحصن"، إربد، الحسين، جرش، حطين، سوف، الطالبية، الزرقاء، مادبا، الأمير حسن والسخنة.

وأشار التقرير إلى أن خدمات الوكالة، وخاصة المدارس والمراكز الصحية، تتركز في المخيمات ومحيطها، ما يجعل سكانها أكثر اعتماداً عليها.

وشكلت الأسر المقيمة داخل المخيمات 48.6 % من عينة الدراسة، مع غياب مخيم الطالبية عن العينة، وارتفاع تمثيل مخيم جرش بسبب تركز فلسطينيي غزة فيه وصعوبة الوصول إلى أسرهم في مناطق أخرى.

وأكد الباحثان أن نتائج الدراسة لا تمثل جميع اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، إذ ركزت على مستخدمي خدمات "أونروا"، ما يجعلها أكثر تمثيلاً للفئات الفقيرة وسكان المخيمات وأقل تمثيلاً للأسر الميسورة.

المرض يضاعف الفقر ويضعف قدرة المعيل

كما كشف التقرير أن الصحة تمثل أحد أبرز مسارات تحول الفقر إلى حالة مزمنة، إذ أفادت 53 % من الأسر بوجود فرد واحد على الأقل يعاني من مرض مزمن، وفي 77 % من هذه الأسر كان المعيل الرئيسي نفسه مصاباً.

كما أظهرت النتائج أن 41 % من الأسر لديها معيل تراجعت قدرته جزئياً أو كلياً على العمل بسبب مرض مزمن، ما يضع العائلة أمام ضغط مزدوج يتمثل بارتفاع كلفة العلاج وتراجع الدخل.

وتوفر "أونروا" خدمات الرعاية الصحية الأولية، لكنها لا تغطي بصورة مباشرة العلاج الثانوي والثالثي، بل تساهم بجزء من تكاليف الإحالات الطبية.

وأوضح التقرير أن 32 % من الأسر المشمولة لا يمتلك أي فرد فيها تأميناً صحياً، مقابل تمتع جميع أفراد 39 % من الأسر بالتغطية.

وتصل نسبة الأسر التي لا تملك تأميناً صحياً إلى 76 % بين فلسطينيي غزة و59 % بين فلسطينيي سوريا، مقارنة بنحو ربع الأسر الفلسطينية الحاصلة على الجنسية الأردنية.

كما أنفقت 53 % من الأسر أموالاً على الصحة خلال الشهر السابق للمسح، بمتوسط بلغ نحو 41 ديناراً، فيما سجل التقرير حالات اقتراض لتأمين الأدوية والعلاج، بينها أسرة تعيلها أرملة تراكمت عليها ديون قاربت سبعة آلاف دينار بسبب تكاليف علاجها وعلاج أبنائها.

سكن هش وديون إيجار

وصنف التقرير 75 % من الأسر ضمن مستوى الهشاشة السكنية المتوسطة، مقابل 23 % ضمن المستوى المنخفض و2% ضمن المستوى المرتفع.

وكانت أسر فلسطينيي غزة المستفيدة من مساعدات "أونروا" الأكثر عرضة للسكن في مساكن متدهورة أو مكتظة، فيما شكل مخيم الحديقة الحالة الأكثر هشاشة، إذ صنفت 73 % من أسر فلسطينيي سوريا فيه ضمن مستوى الهشاشة السكنية المرتفع.

وأشار التقرير إلى أن مساكن المخيم عبارة عن كرفانات أضيفت إليها مطابخ ومرافق صحية، لكنها لا تزال تعاني في بعض الحالات من الرطوبة وتسرب المياه ونقص مرافق الاستحمام.

كما أظهرت الدراسة أن غالبية أسر فلسطينيي سوريا تعيش في مساكن مستأجرة، وأن 49 % من الأسر المديونة لديها ديون مرتبطة بالإيجار، فيما انتقلت 13 % منها خلال عام المسح إلى مساكن أخرى غالبًا بحثًا عن إيجارات أقل.

أزمة مياه وتعليم تهدد الأطفال

وأفادت 23 % من الأسر بأن كمية المياه التي تصلها لا تكفي احتياجاتها، وارتفعت النسبة إلى 41 % بين أسر فلسطينيي غزة المستفيدة من شبكة الأمان الاجتماعي.

وفي التعليم، كشف التقرير أن 2.5% من الأطفال بين 6 و17 عاماً لم يلتحقوا بالمدرسة مطلقاً، وأن الإعاقة والمشكلات الصحية وصعوبة الوصول إلى مدارس مناسبة للأطفال ذوي الإعاقة كانت وراء نحو نصف هذه الحالات.

وصنف المؤشر التعليمي 20 % من الأسر التي لديها أطفال ضمن مستوى الهشاشة المرتفع أو الشديد.

وتؤدي "أونروا" دوراً مركزياً في التعليم الأساسي؛ إذ يدرس 49 % من الأطفال المشمولين في المسح بمدارس الوكالة، و48% في المدارس الحكومية، و 3 % في المدارس الخاصة.

وترتفع نسبة الاعتماد على مدارس الوكالة داخل المخيمات، حيث يلتحق 88 % من أطفال المخيمات بمدارس "أونروا" مقابل 32 % من الأطفال خارجها.

العمل لا يعني بالضرورة الخروج من الفقر

كما أظهر التقرير أن سوق العمل لا توفر حماية كافية للأسر الفلسطينية، إذ يعمل معظم الفلسطينيين في مهن يدوية وعمالية، بينما لا تتجاوز نسبة العاملين في الوظائف المكتبية والمهنية 10 %، ولا يعمل في القطاع العام سوى 6 % معظمهم من حملة الجنسية الأردنية.

كما يتقاضى 44 % من العاملين بدوام كامل في أسر فلسطينيي غزة المستفيدة من المساعدات أجوراً أقل من الحد الأدنى للأجور، مقابل 37 % بين الأسر الفلسطينية الحاصلة على الجنسية والمستفيدة من شبكة الأمان، وأكد التقرير أن العمل لا يضمن تجاوز الفقر عندما يكون موسميًا أو غير رسمي أو منخفض الأجر.

الديون والغذاء: وسائل للبقاء لا للحياة المستقرة

وكشف التقرير كذلك، أن الأسر تلجأ إلى الاقتراض لسد الفجوة بين الدخل والاحتياجات الأساسية، حيث كان الأصدقاء مصدر الدين لدى 47 % من الأسر المديونة، والعائلة لدى 44 %، وأصحاب المتاجر لدى 29 % ، وأصحاب المنازل لدى 16%.

وتقترض أكثر من 40 % من الأسر المستفيدة من شبكة الأمان لشراء الطعام، فيما تقترض أسر فلسطينيي غزة لتغطية النفقات الصحية أيضاً.

كما صنف مؤشر مواجهة الأزمات 76 % من أسر فلسطينيي غزة المستفيدة من المساعدات و75% من أسر فلسطينيي سوريا ضمن مستويات الهشاشة المرتفعة أو الشديدة.

أما الأمن الغذائي، فكان من أكثر مؤشرات التقرير قتامة، إذ تعاني 54 % من الأسر المشمولة من انعدام أمن غذائي متوسط أو شديد، بينها 43 % ضمن المستوى المرتفع و11% ضمن المستوى الشديد.

وتخصص الأسر في المتوسط 45 % من دخلها للطعام، فيما تواجه الأسر الفقيرة الأزمة عبر تقليل عدد الوجبات، وخفض جودة الطعام، وتقليص استهلاك اللحوم والبروتين والخضراوات.

توصيات وسط أزمة تمويل "أونروا”

وفي توصيات قدمها، دعا التقرير إلى زيادة قيمة المساعدات النقدية المقدمة للأسر الأكثر هشاشة، مشيرًا إلى أن قيمتها لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم.

كما أوصى بتطوير برامج ترميم المساكن والمساعدات الطارئة، وتحسين وصول غير الحاصلين على الرقم الوطني إلى الخدمات الصحية الحكومية، وتعزيز جودة التعليم الأساسي، وتوسيع التعليم المهني، وخفض تكاليف التعليم الجامعي لغير المواطنين.

وطالب بإعادة تفعيل جانب "التشغيل" في ولاية الوكالة عبر دعم الباحثين عن عمل وربط التدريب المهني بسوق العمل، وتعزيز مشاركة النساء، خصوصًا المعيلات منهن.

لكن التقرير أشار إلى أن قدرة "أونروا" على زيادة الدعم تبقى محدودة بسبب أزمتها التمويلية المزمنة واعتمادها على التبرعات الطوعية.

وخلص التقرير إلى أن تقليص دور الوكالة لن يعني مجرد خفض موازنة مؤسسة أممية، بل فقدان مصدر الدخل أو العلاج أو التعليم أو الحماية الأخير لدى آلاف الأسر الفلسطينية التي استنفدت معظم وسائل البقاء.

وأوضح الباحثان أن نتائج الدراسة، رغم أهميتها، تستند إلى بيانات عام 2023 ولا تشمل جميع اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، لكنها تقدم صورة تفصيلية عن العلاقة بين الوضع القانوني والفقر والعمل والصحة والتعليم والسكن والأمن الغذائي لدى الفئات الأكثر هشاشة.