يخوض المئات من طلاب الثانوية العامة (التوجيهي) النازحين من مخيم جنين امتحاناتهم هذا العام في ظل ظروف مأساوية تحت وطأة النزوح الذي فرضه العدوان "الإسرائيلي" المتواصل منذ عام ونصف العام على المخيم.

وتتداخل معاناة فقدان المنزل والاستقرار مع ضغوط الامتحانات، ليصبح الوصول إلى قاعات الاختبار تحديًا يوميًا يرافقه القلق والخوف وعدم اليقين.

ظروف نزوح تشبه النكبة

وتقول الناشطة د. أسيل العبسي باحثة الدكتوراه في مجال الإرشاد النفسي والتربوي، في حديثها لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: إن مخيم جنين يعيش ظروفًا صعبة وقاسية تشبه إلى حد كبير ظروف النزوح الكبير عام 1948، في ظل حالة من التيه والتشتت والإجراءات التي فرضت واقعًا أمنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا بالغ الصعوبة على النازحين، وبشكل خاص طلبة الثانوية العامة.

نحو 900 طالب هجروا قسرياً من مخيم جنين

وأوضحت العبسي أن عدد طلاب التوجيهي النازحين من مخيم جنين يبلغ نحو 900 طالب وطالبة، جميعهم اضطروا إلى مغادرة المخيم، ويتوزعون اليوم على مختلف بلدات محافظة جنين، فيما يتركز العدد الأكبر منهم في مساكن الجامعة العربية الأمريكية ومدينة جنين.

وأضافت: أن الطلاب يواجهون تحديات يومية متعددة، أبرزها حالة الضياع وعدم الاستقرار، والانتظار المستمر على أمل العودة إلى المخيم، إلى جانب معاناة الوصول إلى قاعات الامتحانات، إذ يضطر بعضهم إلى قطع عشرات الكيلومترات يوميًا للوصول إلى مراكز الامتحان.

آثار نفسية عميقة تركتها ظروف النزوح

وأكدت أن النزوح ترك آثارًا نفسية وتعليمية عميقة على الطلاب، نتيجة عدم قدرتهم على التأقلم مع واقعهم الجديد، والانقطاع لفترات طويلة عن مقاعد الدراسة، الأمر الذي قد ينعكس على نتائجهم النهائية ومستواهم الأكاديمي.

وأشارت العبسي إلى أن وزارة التربية والتعليم عملت على توفير قاعات الامتحانات لجميع الطلاب، إلا أنها لم تخصص ترتيبات استثنائية للطلاب النازحين، مثل إنشاء مراكز امتحانات في أماكن نزوحهم، وعلى رأسها مساكن الجامعة العربية الأميركية، رغم الظروف الخاصة التي يعيشونها.

امتحان التوجيهي - الضفة الغربية.jpg

ومن بين هؤلاء الطلبة، تروي الطالبة فاطمة عبد العزيز (18 عامًا) لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين" تفاصيل النزوح من مخيم جنين، قائلة: إن عائلتها، كغيرها من عائلات المخيم، أجبرت على مغادرة منزلها بسبب الاقتحامات المتكررة والعدوان "الإسرائيلي"، لتبدأ رحلة جديدة عنوانها القلق والتشتت.

وتقيم فاطمة حاليًا في سكن الجامعة العربية الأميركية، وتحاول التمسك بحلمها بإكمال تعليمها رغم التغيرات الكبيرة التي طرأت على حياتها.

مسافات طويلة إلى مراكز الامتحانات وانتشار "إسرائيلي"

وذكرت أن الضغط النفسي المستمر، أبرز التحديات التي يعيشها الطلاب، موضحة أن الدراسة أصبحت مهمة شاقة في ظل الخوف الدائم وعدم معرفة ما قد يحدث في أي لحظة، إلى جانب الانقطاع المتكرر عن الدراسة خلال الفترات السابقة، والاعتماد على الجهد الشخصي لمتابعة المواد التعليمية.

وترى فاطمة أن أصعب ما يمرون به كطلبة هو الوصول إلى المدرسة وقاعات الامتحان الأمر الذي يمثل بحد ذاته مصدرًا للتوتر، بسبب طول الطريق والوقت الذي تستغرقه المواصلات، حيث تقلهم حافلات الجامعة من السكن، لكنها تتنقل بين مواقع مختلفة لجمع الطلال قبل الوصول، ثم يضطرون إلى السير قرابة نصف ساعة للوصول إلى المدرسة.

وتشير فاطمة إلى أنها تصادف في طريقها إلى المدرسة آليات وجنودًا "إسرائيليين" بشكل متكرر، الأمر الذي يزيد من خوفها ويؤثر في تركيزها، مؤكدة أن مجرد رؤية الجنود تولد لديها رهبة كبيرة وتدفعها إلى تخيل سيناريوهات مختلفة.

وتستذكر طالبة التوجيهي موقفًا تعرضت له يوم امتحان التكنولوجيا، عندما فوجئت بآلية عسكرية "إسرائيلية" أثناء عبورها الطريق بعد نزولها من الحافلة، قائلة: إن الموقف أصابها بصدمة وتوتر شديدين، رغم أنها كانت قد أنهت مراجعة المادة أكثر من مرة، لكنها خرجت من الامتحان باكية، معتقدة أن ما تعرضت له أثر على أدائها داخل القاعة.

وتؤكد فاطمة أن أكثر ما يحتاجه الطلاب النازحون اليوم هو الشعور بالأمان والاستقرار النفسي، معتبرة أن الدعم النفسي لا يقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال المساندة، إلى جانب توفير تسهيلات جامعية ومنح ودعم مادي يراعي الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها العائلات بعد النزوح.

ملاك أبو ندى طالبة أخرى روت لبولبة اللاجئين الفلسطينيين حول رحلة الاختبارات المحفوفة بتحديات ظروف النزوح ومعاناة انعدام الاستقرار واصفة المرحلة الحالية بأنها هي الأصعب في حياتها، إذ تجمع بين معاناة النزوح وضغط امتحانات الثانوية العامة.

سكن الجامعة الأميركية.. تحد آخر يواجه طلاب التوجيهي

وأضافت: أن إقامتها في سكن الجامعة العربية الأميركية تفرض عليها تحديات إضافية، أبرزها ضيق الغرف، وبعد المسافات، وصعوبة المواصلات اليومية، مؤكدة أن الطلبة يواصلون الدراسة رغم كل هذه الظروف.

وأشارت إلى أن أكثر ما يتمناه الطلاب هو العودة إلى منازلهم في مخيم جنين، أو على الأقل الانتقال إلى أماكن أقرب من المدينة لتخفيف أعباء التنقل والمعاناة اليومية، معربة عن أملها في أن تراعي لجان التصحيح الظروف الاستثنائية التي مر بها الطلاب خلال هذا العام الدراسي.