فتح تقرير أسكتلندي ملف أندية المستوطنات التابعة للاحتلال من جديد، مسلطًا الضوء على الدور الذي تلعبه الرياضة في منح المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة غطاءً رسميًا ودوليًا.

تصعيد رياضي خلف الخط الأخضر

جاء التقرير، الصادر عن منظمة "سكوتش سبورت فور بالستاين" تحت عنوان "ما وراء الخط الأخضر"، ليكشف توسع حضور هذه الأندية داخل المسابقات المعترف بها، رغم ارتباطها بمستوطنات غير قانونية.

وبحسب المنظمة، فإن استمرار مشاركة هذه الأندية في البطولات الرسمية لا يمكن النظر إليه كمسألة رياضية منفصلة، بل باعتباره جزءًا من عملية أوسع تهدف إلى تطبيع وجود المستوطنين داخل الأراضي المحتلة، وترسيخ وقائع ميدانية مخالفة للقانون الدولي.

وترى المنظمة أن السماح لهذه الفرق بالعمل تحت مظلة اتحادات رياضية دولية يشكل تجاوزًا للوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" والاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا"، خاصة أن القوانين تحظر على أي اتحاد تنظيم نشاط كروي داخل أراضي اتحاد آخر دون موافقة مسبقة.

اتهامات بالتواطؤ والصمت الدولي

اعتبرت جيل تومسون، مؤسسة منظمة "سكوتش سبورت فور بالستاين"، أن صمت المؤسسات الرياضية الكبرى إزاء هذا الملف يمنح الاحتلال دعمًا غير مباشر، ويعزز سيطرته على الأراضي الفلسطينية المحتلة من خلال واجهة رياضية تبدو طبيعية أمام العالم.

وأكدت تومسون أن أندية المستوطنين لا تكتفي بالمنافسة داخل الملاعب، بل تؤدي دورًا اجتماعيًا واقتصاديًا داخل المستوطنات، من خلال خلق فرص عمل، وتنشيط الحياة المحلية، وتعزيز ارتباط المستوطنين بالمكان، بما يساهم في إظهار المستوطنات وكأنها تجمعات مدنية عادية لا كيانات قائمة على أرض محتلة.

كما شددت المنظمة على أن الظهور الإعلامي والمجتمعي لهذه الأندية يساعد في إعادة تشكيل صورة المستوطنات أمام الرأي العام العالمي، ويحولها من بؤر استيطانية مخالفة للقانون الدولي إلى مراكز رياضية واجتماعية تحظى بقبول ضمني.

موقف فلسطيني وتحذيرات قانونية

رحب الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم بمضامين التقرير، معتبرًا أنه يشكل إضافة مهمة للجهود القانونية والحقوقية الرامية إلى مساءلة المؤسسات الرياضية الدولية عن تعاملها مع أندية المستوطنين التابعة للاحتلال.

وقالت سوزان شلبي، نائبة رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، إن أهمية التقرير تنبع من قدرته على كشف تفاصيل دقيقة حول استغلال الرياضة في تثبيت واقع الاحتلال على الأرض، في ظل العراقيل التي تضعها سلطات الاحتلال أمام التحقيقات الدولية.

وأوضحت شلبي أن ما ورد في التقرير يستدعي تحركًا عاجلًا من "فيفا" و"يويفا"، لأن استمرار التغاضي عن هذه الممارسات يعني منح شرعية رياضية لكيانات تعمل داخل مستوطنات مقامة على أراضٍ فلسطينية محتلة.

ووفق البيانات التي وثقها التقرير، ارتفع عدد الأندية المرتبطة بالمستوطنات في الضفة الغربية من 9 أندية عام 2016 إلى 10 أندية في الوقت الحالي، وتمتلك معظمها مقار رسمية خلف خط الهدنة لعام 1949.

ولا يقتصر نشاط هذه الأندية على المقرات الإدارية، إذ تخوض عدة فرق مبارياتها الدورية على ملاعب قائمة داخل المستوطنات، ما يجعل النشاط الرياضي جزءًا مباشرًا من البنية الاستيطانية التي يديرها الاحتلال.

منصات البث وامتداد الشرعنة

كشف التقرير أن بعض أندية المستوطنين صعدت إلى مستويات متقدمة في درجات دوري الاحتلال، الأمر الذي أتاح للاعبيها المشاركة في مسابقات قارية تحت مظلة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، رغم الجدل القانوني والأخلاقي حول مكان وجود هذه الأندية.

وامتد النشاط الذي رصده التقرير إلى مرتفعات الجولان السورية المحتلة، حيث وثقت المنظمة وجود ثلاثة أندية تابعة للاحتلال تمارس نشاطها هناك، في انتهاك واضح للقانون الدولي الذي يعتبر الجولان أرضًا محتلة.

ومن بين الحالات التي توقف عندها التقرير، زيارة نادي "بيتار معاليه أدوميم" عام 2023 لمرافق الدوري الإسباني "لا ليغا" في مدريد، وهي خطوة اعتبرها معدو التقرير مؤشرًا على الدعم والقبول الذي تحظى به أندية المستوطنين داخل المنظومة الرياضية الدولية.

ويرى التقرير أن مثل هذه الزيارات لا تمنح الأندية بعدًا رياضيًا فحسب، بل توفر لها غطاءً إعلاميًا ودوليًا يساعد في دمجها داخل المشهد الرياضي العالمي، رغم ارتباطها المباشر بالمستوطنات والاحتلال.

وربطت المنظمة الأسكتلندية بين توسع حضور هذه الأندية وفترة تولي جياني إنفانتينو رئاسة “فيفا” وألكسندر تشيفرين رئاسة "يويفا" منذ عام 2016، معتبرة أن هذه المرحلة شهدت تزايدًا ملحوظًا في نشاط أندية المستوطنين بدلًا من محاسبتها.

واتهم التقرير القيادات الرياضية الدولية بالتقاعس عن تطبيق القوانين التي تمنع استخدام الملاعب لتكريس واقع سياسي غير قانوني، محذرًا من أن استمرار هذا التراخي يفتح الباب أمام مزيد من التمدد الاستيطاني عبر الرياضة.

وفي جانب تقني لافت، أشار التقرير إلى أن منصة "+FIFA" الرسمية بثت مباريات لبعض هذه الأندية، ما وفر لها مساحة عالمية للظهور والترويج، قبل أن ينتقل جزء من هذا المحتوى لاحقًا إلى منصات أخرى مثل "DAZN".

واعتبرت سوزان شلبي أن بث مباريات أندية المستوطنين عبر منصات دولية يمثل أحد أخطر أوجه الشرعنة الإعلامية، لأنه يمنح المستوطنات حضورًا إضافيًا خارج نطاقها الجغرافي، ويعيد تقديمها للجمهور العالمي بعيدًا عن سياقها الاستعماري.

وتؤكد منظمة "سكوتش سبورت فور بالستاين" أن المنصات الرياضية الرقمية لا تكون محايدة عندما تروج لمحتوى صادر عن كيانات استيطانية، بل تصبح طرفًا مساهمًا في تحسين صورة المستوطنات وتطبيع وجودها.

ويخلص التقرير إلى أن استمرار مشاركة أندية المستوطنين في البطولات المحلية والقارية قد يفتح المجال أمام ملاحقات قانونية دولية ضد الاتحادات والجهات المسؤولة، خصوصًا في ظل وجود ملفات مفتوحة أمام المحاكم الدولية بشأن الاستيطان.

ومع تصاعد الدعوات لمقاطعة أندية الاحتلال والمستوطنين، يبقى الجدل قائمًا داخل المؤسسات الرياضية الدولية بين من يرفع شعار فصل الرياضة عن السياسة، ومن يرى أن الرياضة لا يمكن أن تكون منفصلة عن منظومة حقوق الإنسان عندما تُستخدم لتجميل الاحتلال وشرعنة المستوطنات.