بدأت محكمة الجنايات المركزية في لندن، أمس الاثنين، محاكمة الطالبة الجامعية سارة كوت، البالغة من العمر 22 عامًا، وهي فرنسية من أصل إثيوبي وتدرس الاقتصاد السياسي الأفريقي في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) التابعة لجامعة لندن، بتهم تتعلق بالإرهاب على خلفية تصريحات ومواقف عبّرت فيها عن التضامن مع المقاومة الفلسطينية.

وخلال افتتاح المحاكمة، أشار القاضي إلى التطورات الجارية في الشرق الأوسط منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، مطالبًا هيئة المحلفين، المكوّنة من خمسة رجال وسبع نساء، بالاستناد إلى الأدلة المقدمة في القضية فقط، وعدم التأثر بآرائهم الشخصية أو مواقفهم من الأحداث السياسية الجارية في المنطقة.

كما شدد القاضي على ضرورة إبلاغ المحكمة بأي صلات محتملة للمحلفين بكلية الدراسات الشرقية والأفريقية أو جماعاتها الطلابية أو منظمة "محامون من أجل إسرائيل" أو جيش الاحتلال.

واستبعدت المحكمة إحدى المحلفات بعد إفادتها بأنها درست العلوم السياسية، وأعدّت بحثًا يتضمن آراء قوية بشأن فلسطين، كما أُعفي محلف آخر بعدما أكد أنه لن يكون قادرًا على الحفاظ على الحياد، دون الكشف عن مزيد من التفاصيل، قبل استبدالهما بعضوين آخرين.

وقال القاضي إن القضية "قصيرة نسبيًا"، متوقعًا أن تنتهي جلسات النظر فيها مطلع الأسبوع المقبل على أبعد تقدير. وفي حال إدانة الطالبة، فقد تواجه عقوبة بالسجن تصل إلى 14 عامًا بموجب قانون مكافحة الإرهاب البريطاني.

واستعرض الادعاء البريطاني، خلال عرض الاتهامات، أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، مشيرًا إلى أعداد القتلى والجرحى "الإسرائيليين" في الهجمات التي قال إن حركة "حماس" لعبت فيها الدور الرئيسي.

كما عرض الادعاء رسائل كتبتها سارة في مجموعة دردشة على تطبيق "واتساب" أنشأتها مجموعة جامعية، تضمنت تعبيرها عن "التضامن الكامل مع المقاومة الفلسطينية"، إضافة إلى تصريحات قالتها خلال اجتماع طلابي حضره ما بين 70 و80 شخصًا، واعتبر الادعاء أنها تنطوي على تأييد لحركة "حماس" والمقاومة الفلسطينية.

وأقر الادعاء بأن الطالبة لم تذكر حركة "حماس" بالاسم في تصريحاتها، إلا أنه اعتبر أن ذلك ليس شرطًا لارتكاب مخالفة تتعلق بإبداء الدعم لمنظمة محظورة، مؤكدًا أن مضمون تصريحاتها يمثل، وفق زعمه، دعمًا للحركة رغم عدم تسميتها بصورة مباشرة. كما زعم الادعاء أن سارة كانت على علم مسبق بأن "حماس" مصنفة منظمة محظورة في بريطانيا.

وأكد ممثل الادعاء أن المتهمة "لا تُحاكم بسبب آرائها أو أفكارها الشخصية"، وإنما بسبب ما وصفه بالتعبير العلني عن مساندة منظمة محظورة.

وكانت سارة قد نفت التهمتين الموجهتين إليها خلال جلسة تمهيدية عُقدت في نيسان/أبريل الماضي.

وبالتزامن مع انعقاد الجلسة، تجمع عشرات المؤيدين لفلسطين والناشطين المناهضين للاستعمار وطلاب من جامعة "SOAS" أمام المحكمة، رافعين الأعلام الفلسطينية ولافتات داعمة للحقوق الفلسطينية.

وردد المحتجون هتافات من بينها "الحرية لفلسطين" و"المقاومة مشروعة طالما بقي الاحتلال"، مطالبين بإسقاط التهم الموجهة إلى سارة، وإلى أشخاص آخرين يواجهون محاكمات مرتبطة باحتجاجات مؤيدة لفلسطين.

وقال أحد المشاركين في الاحتجاج، ويدعى بيتر فولكر، إنه يدعم سارة؛ لأنها "تساند مقاومة لا ينبغي اعتبارها إرهابًا"، مطالبًا بإلغاء قانون مكافحة الإرهاب البريطاني، ومعربًا عن اعتقاده بأن هيئة المحلفين ستبرئ الطالبة من التهم المنسوبة إليها.

من جهتها، قالت الناشطة آني أوكونر، العضوة في "الجماعة الشيوعية الثورية"، إن مشاركتها في الاحتجاج تأتي دعمًا لسارة؛ لأنها "تُحاكم بسبب موقفها المؤيد للفلسطينيين"، مؤكدة أهمية التضامن معها.

ونُظم الاحتجاج من قبل جمعية "حاربوا العنصرية.. حاربوا الإمبريالية"، التي تترأسها سارة، إلى جانب "المجموعة الشيوعية الثورية"، بمشاركة أعضاء من منظمات عدة، بينها الشبكة اليهودية الدولية المناهضة للصهيونية في المملكة المتحدة. كما رفع المتظاهرون لافتات تدعو إلى مقاطعة "إسرائيل" والدفاع عن الحق في التظاهر من أجل فلسطين.

وتعود جذور القضية إلى كانون الثاني/يناير 2024، عندما داهمت شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية منزل سارة فجرًا وألقت القبض عليها للتحقيق، قبل الإفراج عنها بكفالة. وجاء ذلك على خلفية خطاب ألقته في الحرم الجامعي خلال تشرين الأول/أكتوبر 2023 أمام اجتماع نظمته الجمعية الطلابية التي تترأسها.

وخلال ذلك الخطاب، عبّرت سارة عن رفضها لحرب الإبادة على غزة، وأعلنت تأييدها لحق الفلسطينيين في تقرير المصير ومقاومة الاحتلال.

وجاء توقيفها بعد بلاغ تقدمت به منظمة "محامون من المملكة المتحدة من أجل إسرائيل" إلى شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية، أرفقته بمقطع فيديو يوثق خطابها.

وأشارت المنظمة في شكواها إلى تصريحات قالت فيها سارة إنها تعلن "التضامن المطلق مع المقاومة الفلسطينية التي تحررت من سجنها المفتوح في غزة، وتنتفض في أرض محتلة ضد الدولة الصهيونية التي تستنزف فلسطين منذ نحو ثمانين عامًا".

وفي آذار/مارس 2025، وجهت إدارة مكافحة الإرهاب في النيابة العامة البريطانية إلى سارة تهمة تقديم الدعم لمنظمة محظورة. كما شنت منظمة "محامون من المملكة المتحدة من أجل إسرائيل" حملة ضغط على جامعة لندن مطالبة بفصل الطالبة من الجامعة.

غير أن الجامعة أكدت، في ردها على الشكوى، تمسكها بمبادئ حرية التعبير والعمل الأكاديمي، معتبرة أنها من المبادئ الراسخة لديها.

وأوضحت الجامعة أنه في حال كانت الآراء المعبر عنها غير قانونية فسيتم التعامل معها وفق القانون، لكنها رفضت اتخاذ إجراءات تأديبية بحق سارة قبل صدور حكم قضائي نهائي، مشددة على أن الفصل في القضية من اختصاص المحكمة وحدها، وأن الطالبة لم تُدن حتى الآن.