منذ أكثر من عامين، يعيش سكان مخيم العروب للاجئين الفلسطينيين شمال مدينة الخليل واقعًا يصفونه بأنه من بين الأصعب في تاريخ المخيم، في ظل إغلاقات عسكرية متكررة واقتحامات شبه يومية فرضت قيوداً قاسية على حياتهم اليومية وحولت المخيم إلى ما يشبه "السجن المفتوح".

ويقع المخيم على الطريق الرئيسي الرابط بين مدينتي الخليل وبيت لحم، ويضم آلاف اللاجئين الفلسطينيين الذين تعود أصولهم إلى القرى والبلدات التي هُجّروا منها عام 1948. إلا أنّ موقعه الجغرافي الحساس جعله في السنوات الأخيرة عرضة لإجراءات عسكرية متصاعدة أثّرت على مختلف القطاعات الاقتصادية والتعليمية والصحية والاجتماعية.

وبحسب سكان ومسؤولين محليين، شهدت القيود المفروضة على المخيم تصعيداً ملحوظاً منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث أُغلقت المداخل الرئيسية بواسطة بوابات وحواجز عسكرية، ما أجبر السكان على سلوك طرق ترابية والتفافات طويلة للوصول إلى أماكن عملهم ومدارسهم والمرافق الصحية والخدمات الأساسي

ويقول سلمان الفراجين، مشرف الريادة والأعمال في مديرية الخليل، إن التنقل اليومي أصبح يشكّل تحدياً مرهقاً لسكان المخيم، موضحاً أنّ الرحلات التي كانت تستغرق نحو خمس عشرة دقيقة فقط باتت تحتاج في كثير من الأحيان إلى أكثر من ساعة بسبب الإغلاقات والحواجز العسكرية.

وأضاف في حديثه لبوابة اللاجئين الفلسطينيين أنّ هذه الإجراءات لا تؤدي فقط إلى إطالة زمن التنقل، بل تفرض أعباء مالية إضافية على الأسر، في ظل اضطرار كثير من المواطنين لاستخدام طرق بديلة ووسائل نقل متعددة للوصول إلى وجهاتهم.

اقتحامات متواصلة وحصار متصاعد

من جانبه، يرى نائب رئيس اللجنة الشعبية في مخيم العروب، أمجد الطيطي، أنّ المخيم يواجه ظروفاً مشابهة لتلك التي تشهدها مخيمات شمال الضفة الغربية، لا سيما في جنين وطولكرم، حيث تترافق الاقتحامات العسكرية المتكررة مع تشديد الإجراءات على الحواجز وإغلاق المداخل الرئيسية.

ويقول الطيطي إن القوات "الإسرائيلية" تنفذ اقتحامات متكررة للمخيم، بالتزامن مع عمليات تفتيش وإجراءات أمنية مشدّدة تؤثر بصورة مباشرة على حركة السكان، وتعيق وصول الموظفين إلى أماكن عملهم والطلبة إلى مدارسهم وجامعاتهم.

وأضاف أن العديد من السكان يتعرضون لساعات طويلة من الانتظار على الحواجز العسكرية، فضلاً عن عمليات تفتيش متكررة يعتبرها الأهالي مهينة وتمس بكرامتهم الإنسانية.

وفي سياق متصل، أشار الطيطي إلى تسجيل حالات متعددة لمصادرة مبالغ مالية من مواطنين خلال عمليات التفتيش، موضحاً أن القيمة الإجمالية للمبالغ المصادرة تجاوزت خمسين ألف شيقل، بحسب ما وثقته جهات محلية. وأضاف أن الشكاوى التي قُدّمت عبر قنوات التنسيق المختصة لم تسفر، وفق قوله، عن نتائج ملموسة، بل ترافقت مع استمرار حملات التفتيش وتشديد الإجراءات.

تكلفة اقتصادية ومعيشية متزايدة

ولا تقتصر تداعيات الإغلاقات على حرية الحركة فحسب، بل تمتد إلى مختلف مناحي الحياة الاقتصادية داخل المخيم.

ويشرح اللاجئ عاطف الطيطي جانباً من هذه المعاناة اليومية، مشيراً إلى أن نقل البضائع والمواد الأساسية أصبح أكثر تعقيداً وكلفة. فإغلاق المداخل الرئيسية يجبر التجار والمواطنين على استخدام أكثر من مركبة لنقل احتياجاتهم أو سلوك طرق بديلة مزدحمة، الأمر الذي يرفع تكاليف النقل ويزيد من الأعباء المعيشية على الأسر.

أما الصيدلاني محمد جوابرة، الذي يعمل داخل المخيم منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً، فيؤكد أن المرحلة الحالية تعد من الأصعب التي شهدها خلال سنوات عمله الطويلة.

ويقول إن الإغلاقات المتواصلة أثرت بصورة مباشرة على الحركة التجارية وأثقلت كاهل المواطنين وأصحاب المحال التجارية نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والتنقل، مضيفاً أنّ بعض السكان يضطرون إلى السير لمسافات طويلة على الأقدام والتنقل بين عدة وسائل مواصلات للوصول إلى أعمالهم أو منازلهم.

وأشار إلى أن الحواجز العسكرية المفاجئة وعمليات التفتيش المتكررة أصبحت جزءاً من الحياة اليومية لسكان المخيم، حيث يواجه المواطنون خطر التأخير أو المنع من المرور في أي وقت، سواء عند الدخول إلى المخيم أو مغادرته.

رمزية تتجاوز الجغرافيا

وبالنسبة لسكان العروب، فإن ما يتعرض له المخيم لا يرتبط فقط بالقيود المفروضة على الحركة، بل يتصل أيضاً برمزيته بوصفه أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين التي تجسد قضية اللجوء وحق العودة.

ويقول أمجد الطيطي إن المخيّم يمثل جزءاً من الهوية الوطنية الفلسطينية وذاكرة اللجوء الممتدة منذ أكثر من سبعة عقود، معتبراً أن الضغوط المتواصلة على سكانه تُشكّل استهدافاً لهذه الرمزية، إلى جانب ما تسببه من أعباء إنسانية ومعيشية متزايدة.

ويضيف أنّ السكان باتوا يشعرون بأنهم يعيشون داخل "سجن مفتوح" تحيط به البوابات العسكرية والإغلاقات من مختلف الجهات، في ظل غياب أي مؤشرات على تخفيف القيود أو إنهاء الإجراءات المفروضة عليهم.

وفي وقت تتواصل فيه الاقتحامات والإغلاقات، يُحذّر سكان المخيم من انعكاسات طويلة الأمد على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية، مؤكدين أن استمرار القيود على حرية الحركة والتنقل يهدد بتفاقم الأزمات المعيشية داخل واحد من أكبر مخيمات اللاجئين في جنوب الضفة الغربية.