قيود عسكرية تخنق حركة الفلسطينيين في مخيمي العروب والفوار بالخليل
تواصل قوات الاحتلال تشديد القيود المفروضة على أهالي مخيم العروب شمالي الخليل، عبر إغلاق مداخله ومخارجه وعرقلة حركة الفلسطينيين، بالتزامن مع اقتحامات واعتقالات متواصلة واعتداءات ينفذها المستوطنون في مناطق متفرقة من المحافظة.
وتؤكد مصادر محلية أن قوات الاحتلال أبقت على إجراءاتها العسكرية المشددة عند مداخل المخيم، وعرقلت الحركة الطبيعية للأهالي، ما تسبب بأزمات خانقة وتأخير واسع في تنقل الطلبة والعمال والموظفين، لا سيما خلال ساعات الصباح الأولى التي تشهد حركة نشطة باتجاه الجامعات وأماكن العمل والمصالح اليومية.
وتحوّلت مداخل المخيم إلى نقاط تفتيش وانتظار طويلة، إذ يضطر الفلسطينيون إلى الانتظار لساعات لعبور مسافات قصيرة، وسط عمليات تفتيش واحتجاز وعرقلة متكررة، ما يضاعف معاناة السكان، ويعطل جوانب من حياتهم اليومية.

إغلاق يمس آلاف الفلسطينيين
يكتسب مخيم العروب أهمية خاصة؛ بسبب موقعه على الطريق الرئيسي الواصل بين الخليل وبيت لحم، إذ لا تقتصر تداعيات إغلاقه على سكان المخيم وحدهم، بل تمتد إلى الحركة العامة في المنطقة، باعتباره ممرًا حيويًا يستخدمه آلاف الفلسطينيين يوميًا للوصول إلى أعمالهم وجامعاتهم ومنازلهم.
وبحسب الأهالي، تتصاعد إجراءات الاحتلال عادة خلال ساعات الصباح، بالتزامن مع خروج الطلبة والعمال والموظفين، ما يجعل الوصول إلى الجامعات وأماكن العمل والمنازل رحلة مرهقة وطويلة، في ظل ما يرافق الإغلاق من عمليات تفتيش واحتجاز وإجراءات مهينة.
ولا تتوقف المعاناة عند حدود إغلاق الطرق، بل تمتد إلى احتجاز الفلسطينيين لساعات عند الحواجز، ومنعهم من اجتياز البوابات التي تغلق بها قوات الاحتلال مداخل المخيم، ما يحوّل التنقل اليومي إلى حالة من الاستنزاف النفسي والجسدي.

وتؤكد مصادر محلية أن مخيم العروب يعيش منذ أيام تحت ضغط عسكري متواصل، إذ تفرض قوات الاحتلال قيودًا جماعية على حركة الأهالي، في مشهد يتكرر في مخيمات وبلدات الضفة الغربية، ويترك آثارًا مباشرة على حق الفلسطينيين في التنقل والوصول إلى أعمالهم ومؤسساتهم التعليمية والخدمات الأساسية.
أبو عياش: ليست إجراءات معزولة
يرى الكاتب والمحلل السياسي ثائر أبو عياش، من مدينة الخليل، أن استمرار إغلاق مخيم العروب، بالتزامن مع اقتحام مخيم الفوار، لا يمكن قراءته بوصفه تصعيدًا موضعيًا أو حدثًا أمنيًا عابرًا، بل يأتي ضمن سياسة أوسع تستهدف مخيمات الضفة الغربية، وتعمل على خنق مفاصلها الحيوية وإعادة هندسة حركة الفلسطينيين.
ويقول أبو عياش، لــ "بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، إن ما يجري في العروب والفوار يندرج في إطار سياسة مستمرة لا تقتصر على جنوبي الضفة الغربية، بل تمتد إلى شمالها ووسطها، من خلال الحصار والإغلاق والاقتحامات والاعتقالات.
ويضيف أن الاحتلال يسعى إلى فرض تكلفة يومية باهظة على الفلسطينيين، عبر تعطيل الحياة العامة ومنع الوصول إلى أماكن العمل والجامعات والمستشفيات، وإبقاء السكان تحت ضغط أمني ومعيشي دائم.
ويوضح أن أهمية مخيم العروب لا تنبع فقط من رمزيته بوصفه مخيمًا للاجئين، بل أيضًا من موقعه الجغرافي على شارع 60، أحد الطرق الحيوية التي تربط الخليل ببيت لحم.
ويرى أن إغلاق المخيم بالبوابات الحديدية لا ينعكس على سكانه وحدهم، بل يطال البلدات والقرى المحيطة، ومنها بيت أُمّر وصوريف، ويقيد حركة عشرات آلاف الفلسطينيين باتجاه الخليل وبيت لحم.
أما مخيم الفوار، بحسب أبو عياش، فيحمل أهمية جغرافية وأمنية مشابهة، لوقوعه جنوبي محافظة الخليل وعلى مقربة من مفترقات طرق تربط المدينة ببلدات رئيسية، مثل يطا والظاهرية ودورا، وصولًا إلى المناطق القريبة من أراضي عام 1948.
ويرى أن استهدافه لا يرتبط بحدث أمني منفصل، بل بمنطق أوسع يقوم على السيطرة على العقد الجغرافية التي تتحكم في حركة الفلسطينيين.
عقاب جماعي بغطاء أمني
وتشهد محافظة الخليل خلال الفترة الأخيرة تصاعدًا في إجراءات الاحتلال، سواء عبر الحواجز المنتشرة على الطرق الرئيسية، أو من خلال الاقتحامات الليلية والنهارية للمخيمات والبلدات، وما يرافقها من اعتقالات وإطلاق نار وتخريب للممتلكات.
ويرى الأهالي أن هذه الإجراءات تندرج ضمن سياسة عقاب جماعي تستهدف الحياة اليومية للفلسطينيين، إذ لا يقتصر أثرها على من يتعرضون للاعتقال أو الإصابة، بل يطال آلاف العائلات التي تجد نفسها عالقة بين الإغلاق والخوف ومنع الحركة وتعطيل التعليم والعمل والخدمات.
وفي هذا السياق، يقول أبو عياش إن الاحتلال يقدم هذه الإجراءات بوصفها خطوات أمنية ميدانية، ويسوقها للرأي العام الدولي ولجمهوره الداخلي باعتبارها إجراءات وقائية لحماية الطرق الالتفافية ومنع العمليات.
لكنه يرى أن هذه الرواية تسقط عندما تتحول الإجراءات من ملاحقة أفراد محددين إلى معاقبة مناطق كاملة وسكان بأكملهم.
ويضيف أن إغلاق البوابات، ووضع السواتر الترابية، ومنع حركة الطلبة والعمال والمرضى، وتعطيل وصول سيارات الإسعاف، كلها ممارسات تتجاوز الهدف الأمني المباشر، وتدخل في إطار العقاب الجماعي المنظم.
ويعتبر أبو عياش أن الاحتلال يستخدم الأدوات العسكرية لفرض ضغط معيشي وسياسي على سكان المخيمات، في محاولة لكسر إرادتهم وإضعاف قدرتهم على الصمود، مشيرًا إلى أن الممارسة على الأرض تكشف عن سياسة عقابية شاملة.
منع تمدد نموذج المخيمات المقاومة
ويعتقد أبو عياش أن الاحتلال يتعامل مع المخيمات الفلسطينية باعتبارها نقاط ثقل ديمغرافي وسياسي وميداني، ولذلك يحاول منع انتقال نماذج المواجهة التي برزت في مخيمات شمالي الضفة الغربية، مثل جنين وطولكرم وبلاطة ونور شمس، إلى مخيمات الجنوب.
ويشير إلى أن كثافة الاقتحامات والاعتقالات والتحقيقات الميدانية والإصابات تأتي في سياق ما يصفه بسياسة "الاستباق والردع"، بهدف تفكيك أي مجموعات شبابية قد تكون في طور التشكل، ومنع نشوء حالة ميدانية مستقرة داخل المخيمات.
ويضيف أن الاحتلال يسعى إلى إبقاء البيئة الداخلية في حالة انشغال دائم بالاحتياجات اليومية، مثل تأمين القوت والحركة والعمل والتعليم، إلى جانب القلق المستمر من الاعتقال والاقتحام، بما يمنع تشكل جبهة ميدانية موحدة في الجنوب.
وتتفاقم هذه الإجراءات مع الأوضاع الإنسانية والمعيشية في مخيمي العروب والفوار، إذ يعيش الأهالي تحت ضغط دائم بفعل الاقتحامات المتكررة والحصار العسكري وعرقلة وصول الإسعاف والخدمات، ما يجعل الحياة اليومية عرضة للتعطيل في أي لحظة.
إعادة هندسة حركة الفلسطينيين
وفي قراءته لدلالة استهداف العروب والفوار تحديدًا، يقول أبو عياش إن الهدف الأعمق هو إعادة هندسة حركة الفلسطينيين وتقطيع أوصال الجغرافيا، عبر تحويل المدن والبلدات والمخيمات إلى جيوب معزولة يسهل التحكم فيها أمنيًا وعسكريًا.
ويشير إلى أن مخيم العروب، إلى جانب بلدة بيت أُمّر، يشكلان بوابة شمالي الخليل باتجاه بيت لحم، وأن التحكم في هذه المنطقة يعني التحكم في جزء أساسي من حركة المواطنين بين المحافظتين.
كما يلفت إلى قرب المنطقة من محيط استيطاني حساس، من بينها تجمع "غوش عتصيون" الاستيطاني، إضافة إلى وجود جامعة فلسطين التقنية "خضوري" - فرع العروب، ما يمنحها أهمية مضاعفة في حسابات الاحتلال.
أما مخيم الفوار، فيصفه أبو عياش بأنه بوابة جنوبي الخليل، نظرًا إلى قربه من طرق تربط المدينة ببلدات الجنوب.
ويرى أن السيطرة على هذه النقاط تسمح للاحتلال بفصل المسارات الفلسطينية عن الطرق التي يستخدمها المستوطنون، ودفع الفلسطينيين إلى سلوك طرق بديلة ووعرة، فيما تبقى الطرق الرئيسية أكثر سهولة للمستوطنين.
ويقول إن هذه السياسة لا تستهدف مخيمات الخليل وحدها، بل تستخدمها نموذجًا ضمن خطة أشمل تقوم على التفتيت: فصل المخيمات عن محيطها، وفصل البلدات بعضها عن بعض، والتحكم في حركة السكان وفق الاعتبارات الأمنية والعسكرية للاحتلال.
ويخلص أبو عياش إلى أن ما يجري في الخليل ليس حدثًا منفصلًا عن المشهد العام في الضفة الغربية، بل حلقة في استراتيجية متدحرجة تهدف إلى الإمساك بزمام المبادرة الأمنية، وتفتيت الجغرافيا الفلسطينية، وتسهيل السيطرة عليها في ظل انشغال إقليمي ودولي بملفات أخرى.
وتؤكد التطورات الميدانية في الخليل أن قوات الاحتلال ماضية في سياسة تشديد السيطرة على المخيمات ومداخلها، في وقت يواصل فيه الفلسطينيون محاولة الحفاظ على حياتهم اليومية رغم الإغلاقات والاقتحامات والاعتقالات المتواصلة.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات