مخيم خان الشيح يستذكر شهداء ذكرى النكسة على الحدود مع الجولان عام 2011
بعد خمسة عشر عاماً على أحداث الخامس من حزيران/يونيو 2011، لا تزال ذاكرة أهالي شهداء مخيم خان الشيح تحتفظ بتفاصيل الساعات الأخيرة التي سبقت اندفاع عشرات الشبان الفلسطينيين نحو الحدود السورية مع الجولان المحتل، في مشهد رأى كثيرون ومنهم ذوو الضحايا، أنّه لم يكن فيه شيئاً عفوياً سوى حماس الشبان الفلسطينيين لملاقاة وطنهم، حيث أنّ الحدث حينها جاء في سياق استثمار النظام السوري السابق وفصائل متحالفة معه للقضية الفلسطينية في لحظة كانت البلاد تدخل فيها مرحلة الثورة والاحتجاجات.
وفي شهادات متقاطعة لموقعنا، عبّر أهالي الشهداء عن قناعتهم بأن سلطات النظام السابق، آنذاك سهّلت وصول الشبان إلى المنطقة الحدودية خلال إحياء ذكرى النكبة في 15 أيار/ مايو ، والنكسة في 5 حزيران/ يونيو 2011، واعتبروا أن ما جرى كان "توظيفاً لدماء الفلسطينيين"، في حين واجه الشبان رصاص قوات الاحتلال "الإسرائيلي" الذي أوقع عشرات الشهداء والجرحى.
لو عاد الزمن لكنت منعته من الذهاب
والدة الشهيد محمود جهاد عوض، وهي سورية ومتزوجة من لاجئ فلسطيني من بلدة تل عامل، تروي أن ابنها كان يعمل في مؤسسة المياه في جديدة عرطوز، وخرج صباح الخامس من حزيران إلى عمله كأي يوم عادي، قبل أن يتوجه مباشرة إلى الجولان المحتل.
تقول الأم: إن محمود كان قد أبدى منذ مشاركته في فعاليات ذكرى النكبة في الخامس عشر من أيار رغبته في الذهاب إلى الحدود مرة أخرى، وكان يردد أمامها أنه يريد أن يستشهد، لكنه لم يخبر أحداً بقراره النهائي. وتضيف أن صديقه الذي كان برفقته أبلغ والده بأنه أصيب ونُقل إلى مشفى أباظة في القنيطرة، لكن والد محمود ما إن وصل إلى المستشفى حتى علم أنه ارتقى شهيداً.

وتصف الأم وقع الخبر بأنه كان صادماً، خصوصاً أن العائلة لم تكن تعلم بخروجه إلى الحدود مع الجولان، مشيرة إلى أن محمود كان ابنها الوحيد ولديها ابنتان فقط، وتقول بحرقة: "لو عاد الزمن إلى ذلك اليوم لكنت منعته من الذهاب، لكنني لم أكن أعرف شيئاً عن نيته."
أشعر أن النظام السوري السابق باع هذا الشعب
أما عوض سليمان صوان، اللاجئ الفلسطيني من قرية بيريا بقضاء صفد، فيستعيد تفاصيل ذلك اليوم قائلاً: إن ابنه محمود كان قبل أسبوع من استشهاده يتحدث عن رغبته في الذهاب مع الشباب إلى حدود فلسطين، لكنه لم يكن يعتقد أنه سينفذ ذلك بالفعل.
ويروي أنه كان في عمله عندما تلقى اتصالين متتاليين من ابن أخته يسأله عن مكان محمود، ما أثار شكوكه بأن أمراً ما قد حدث، خصوصاً أن ابنه كان قد أخبر العائلة بأنه ذاهب مع أصدقائه فقط.
ويؤكد صوان أن والدته لم تكن تعلم وجهتهم الحقيقية، إذ خرج مع رفيقيه، مضيفاً أن المجموعة واجهت في البداية حاجزاً تابعاً للنظام السوري منعهم من المرور، قبل أن يكملوا سيراً على الأقدام لمسافة ثلاثة أو أربعة كيلومترات حتى وصلوا إلى المنطقة الحدودية.
وبحسب روايته، تمكن محمود من اجتياز الشريط الحدودي رغم نداءات رفاقه بالعودة، وعندما شاهد أحد الشبان مصاباً أمامه حاول سحبه وإنقاذه، فأصابته رصاصة في القلب واستشهد على الفور.

ويقول الأب: إن ما حدث لا يمكن فصله عن دور السلطات السورية آنذاك، مضيفاً: "أقولها بصراحة، أشعر أن النظام السوري السابق باع هذا الشعب، ولم أشعر يوماً أن هناك من يهتم بالفلسطينيين كما كانوا يدّعون."
ويضيف أن عدد الضحايا الكبير، الذي بلغ بحسب ما يذكر نحو 25 شهيداً و73 جريحاً، يجعله يعتقد بوجود تواطؤ وتنسيق سابق، قائلاً: إن "الشباب نزلوا وهم يعتقدون أنهم يستطيعون الوصول".
ويستذكر اللحظة التي تأكد فيها من استشهاد ابنه، حين جاءه أحد الجيران طالباً منه الذهاب إلى مشفى "خان أرنبة" للاطمئنان على الشباب، ليوقن حينها أن محمود قد ارتقى شهيداً، قبل أن تستلم العائلة الجثمان الذي أعادته سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" مع بقية الشهداء.
ورغم الحزن، يصف استقبال الجثمان في مخيم خان الشيح بأنه كان أشبه بالعرس، إذ خرجت أعداد كبيرة من الأهالي لاستقبال الشهداء، مرددين عبارات الصبر والإيمان بالقضاء والقدر.
الشهيد أحمد الحجي كان يريد تحدي مزاعم الاحتلال بنسيان الجيل الجديد لفلسطين
ومن جهته، يستعيد محمود الحجي، والد الشهيد أحمد الحجي، ذاكرته إلى تلك الأيام، مؤكداً أن مخيم خان الشيح، الذي كان يُعرف أيضاً باسم "مخيم العودة"، بحكم قربه من فلسطين المحتلة، كان دائماً حاضنة للحراك الوطني الفلسطيني.
ويشير إلى أن مشاركة أبناء المخيم في أحداث الجولان بدأت فعلياً بعد مسيرات الخامس عشر من أيار/ مايو 2011، عندما استشهد ثلاثة شبان من مخيم اليرموك، لافتاً إلى أن شباب مخيم خان الشيح كانوا يعرفون الطرق الفرعية المؤدية إلى الحدود، وساعدوا كثيرين على الوصول إليها.
ويقول: إن ابنه أحمد، المولود عام 1987، كان شديد الحماس للمشاركة في ذكرى النكسة، وكان يؤكد أن الأجيال الجديدة أكثر تمسكاً بحق العودة من الأجيال السابقة، في تحدٍ للرواية "الإسرائيلية" التي تزعم أن "الكبار يموتون والصغار ينسون".
ويضيف: أنه لم يكن يعلم بخروج أحمد، رغم أنه كان يلمح له بوجود موعد في الخامس من حزيران / يونيو، إلى أن تلقى اتصالاً هاتفياً أثناء وجوده في عمله بدمشق يخبره باستشهاده.
ويصف لحظة رؤيته لابنه محمولاً على الأكتاف بأنها من أصعب لحظات حياته، مشيراً إلى أن أحد شباب المخيم كان قد أجرى معه لقاءً قبل استشهاده بقليل.
ويقول الحجي: إن الفلسطينيين يعيشون على قناعة بأنهم "مشروع شهادة"، مضيفاً: "كل فلسطين بالنسبة لنا مشروع شهادة."

ويؤكد أنه تعرف على جثمان ابنه في مشفى أباظة بخان أرنبة، قبل أن يعود به إلى مخيم خان الشيح في جنازة حاشدة، شاركت فيها وفود من مختلف مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا.
وبحسب الحجي، فقد بلغ عدد شهداء مخيم خان الشيح وحده ستة شهداء ونحو عشرة جرحى، فيما وصل إجمالي الشهداء من مختلف المخيمات الفلسطينية في سوريا إلى نحو خمسة وعشرين شهيداً.
وعن تفاصيل ما جرى عند الحدود، يقول: إن الشبان وصلوا إلى محيط مجدل شمس، حيث حذرهم بعض السكان من وجود ألغام، لكنه يعتقد أن ذلك كان مجرد إشاعات، لأن معظم الضحايا ارتقوا برصاص حي أطلقه الجيش "الإسرائيلي" دون أي إنذارات مسبقة، مضيفاً أن بعض الروايات تحدثت أيضاً عن قصف مدفعي وتحليق للطيران في المنطقة.
ويرى والد الشهيد أن "إسرائيل" فوجئت بالحشود التي وصلت إلى الحدود، معتبراً أن تلك الأحداث كانت "الشرارة الأولى لمسيرات العودة" التي شهدتها الساحة الفلسطينية لاحقاً في الداخل والشتات.

ويختتم حديثه بالتأكيد على أن حق العودة سيبقى حاضراً في وجدان الفلسطينيين، قائلاً: "لا يمكن لأي دولة في العالم أن تعتقد أن الفلسطيني سينسى وطنه، نحن وأولادنا تربينا على حب فلسطين، وشربنا هذا الحب مع الحليب، حتى وإن لم نرها بأعيننا."
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات