حذّرت محافظة القدس، اليوم الخميس، من تصعيد جديد تقوده سلطات كيان الاحتلال في مدينة القدس المحتلة ومحيطها، يتمثل في إعلان شرطة الاحتلال حملة لاستقطاب “متطوعين” إلى ما تُسمى “وحدة جبل الهيكل”، بما يكشف عن انتقال مشروع تهويد المسجد الأقصى المبارك إلى مرحلة أكثر خطورة، بالتوازي مع شروع الاحتلال في إجراءات تخطيط مشروع استعماري ضخم لمعالجة النفايات على أراضي قرية قلنديا شمال غرب القدس، يهدد بالاستيلاء على مئات الدونمات ومصادر رزق الفلسطينيين وبيئتهم.

وقالت المحافظة، في بيانين صحفيين، إن إعلان شرطة الاحتلال عن تجنيد عناصر جديدة في “وحدة جبل الهيكل” لا يشكل إجراءً إدارياً عابراً، بل يكشف بصورة علنية عن نية الاحتلال دمج جماعات “الهيكل” المزعوم المتطرفة وأتباع تيار الصهيونية الدينية داخل الجهة التي يستخدمها الاحتلال لفرض سيطرته الميدانية على المسجد الأقصى المبارك.

وأوضحت أن خطورة الإعلان تكمن في كونه يعكس انتقال الاحتلال إلى مرحلة جديدة من الشراكة المباشرة بين مؤسساته التنفيذية وجماعات “الهيكل” المتطرفة، في إطار مساعٍ متواصلة لفرض وقائع جديدة داخل المسجد الأقصى، وتقويض الوضع التاريخي والقانوني القائم فيه.

وبحسب الإعلان الذي نشرته شرطة الاحتلال، ظهر عدد من أبرز حاخامات تيار الصهيونية الدينية الداعمين لاقتحامات المسجد الأقصى، من بينهم “شموئيل إلياهو”، و“شلومو أفينير”، و“إلياكيم ليفانون”، إلى جانب قائد الوحدة “غاي تال” ونائبه “دانيال لارخ”، وكلاهما محسوبان على التيار ذاته.

واعتبرت محافظة القدس أن هذا الظهور المشترك لا يعكس مجرد تأييد متبادل بين شرطة الاحتلال وجماعات “الهيكل”، بل يكشف عن مستوى متقدم من الاندماج والتنسيق بين الطرفين، ويؤكد تكاملاً واضحاً في الأدوار ووحدة في الأهداف ضمن مشروع واحد يستهدف تعزيز السيطرة المفروضة على المسجد الأقصى، وتسريع خطوات تهويده وفرض وقائع جديدة تخدم أجندات جماعات “الهيكل” المتطرفة.

وشددت المحافظة على أن جوهر القضية لا يتعلق بإعلان التجنيد بحد ذاته، بل بما يكشفه من سعي الاحتلال إلى نقل مركز القرار الفعلي داخل المسجد الأقصى من دائرة الأوقاف الإسلامية، صاحبة الولاية القانونية والتاريخية، إلى شرطة الاحتلال وأجهزته المختلفة.

وأكدت أن إدارة أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى المبارك، التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية، هي الجهة الوحيدة صاحبة الاختصاص في إدارة شؤون المسجد الأقصى والإشراف عليه وفق الوضع التاريخي والقانوني القائم، غير أن سلطات الاحتلال تعمل بصورة ممنهجة على تقويض هذا الدور وفرض نفسها كجهة تتحكم بالدخول إلى المسجد والعاملين فيه ومختلف تفاصيل الواقع الميداني المرتبط به.

وأشارت إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت تصعيداً متدرجاً استهدف تقويض دور دائرة الأوقاف الإسلامية وسحب صلاحياتها قسراً، من خلال تعطيل أعمالها الإدارية والفنية والخدمية، وفرض قيود متزايدة على موظفيها وحراسها، وصولاً إلى منعها من تنفيذ العديد من المهام الأساسية المرتبطة بإدارة المسجد الأقصى.

ورأت المحافظة أن حملة التجنيد الجديدة تمثل حلقة إضافية في مشروع إعادة هندسة الواقع المفروض على المسجد الأقصى، عبر إدخال عناصر مؤدلجة تتبنى أفكار جماعات “الهيكل” إلى مواقع التأثير والقرار الميداني، بما ينذر بمزيد من التضييق على المصلين، وتصعيد الاقتحامات، وتوسيع نطاق الطقوس التوراتية داخل المسجد، وصولاً إلى فرض وقائع تهدد هوية المسجد الأقصى ووضعه التاريخي والقانوني.

وجددت محافظة القدس التأكيد على أن المسجد الأقصى المبارك، بكامل مساحته البالغة 144 دونماً، هو مكان عبادة خالص للمسلمين وحدهم، وأن إدارة أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى المبارك هي الجهة القانونية صاحبة الاختصاص الحصري بإدارة جميع شؤونه والإشراف عليه.

وحذرت المحافظة من أن الصمت الدولي إزاء هذه السياسات شجع سلطات الاحتلال على الانتقال من مرحلة حماية جماعات “الهيكل” المتطرفة وتوفير الغطاء لها، إلى مرحلة دمجها داخل المؤسسات المنفذة لسياساته في المسجد الأقصى، بما يجعل هذه المؤسسات شريكاً مباشراً في مشروع التهويد الجاري.

مشروع استعماري ضخم لمعالجة النفايات على أراضي قرية قلنديا
مشروع استعماري ضخم لمعالجة النفايات على أراضي قرية قلنديا

وفي ملف آخر، حذرت محافظة القدس من قرار ما تسمى اللجنة القطرية التابعة لكيان الاحتلال للتخطيط والبناء الشروع رسمياً في إجراءات التخطيط لإقامة مشروع استعماري ضخم لمعالجة النفايات على أراضي قرية قلنديا شمال غرب القدس المحتلة، معتبرة ذلك تصعيداً خطيراً في سياسات الضم والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وتهديداً مباشراً للوجود السكاني والزراعي في المنطقة.

وأوضحت المحافظة أن المخططات المنشورة تتضمن إقامة مشروع واسع لمعالجة النفايات على أراضي قلنديا، يرافقه تغيير في مسار جدار الضم والتوسع العنصري عبر إزاحته باتجاه عمق أراضي القرية. وبحسب المخطط، فإن المشروع بمختلف مكوناته سيؤدي إلى الاستيلاء على نحو 278 دونماً من أراضي الفلسطينيين، وهي مساحة تتجاوز بكثير ما ورد في مخططات سابقة، ما يكشف اتساع نطاق المشروع الاستعماري وأهدافه.

وبيّنت أن المنطقة المستهدفة تضم قرابة 40 منزلاً مأهولاً، إلى جانب عشرات الدونمات من الأراضي الزراعية الخصبة المزروعة بأشجار الزيتون والحبوب والخضراوات، الأمر الذي يجعل المشروع تهديداً مباشراً لمصادر رزق الفلسطينيين واستقرارهم الاجتماعي وحقهم في البقاء على أرضهم.

وبحسب المخطط، ستُقام منشأة لمعالجة النفايات وتحويلها إلى طاقة كهربائية تُضخ في شبكة الكهرباء التابعة لكيان الاحتلال، حيث ستستقبل كميات كبيرة من النفايات المختلفة، بما فيها البلاستيك والمخلفات الورقية ومواد أخرى قابلة للاشتعال، ضمن خطة أوسع لتوسيع البنية التحتية الخاصة بمعالجة النفايات على حساب الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وأكدت المحافظة أن جذور المشروع تعود إلى حزيران/ يونيو 2024، حين كلفت حكومة الاحتلال شركة “عيدن” التابعة لبلدية الاحتلال في القدس بتحديد موقع لإقامة المنشأة، فاقترحت الشركة قطعة أرض تبلغ مساحتها 130 دونماً في قلنديا، تضم سبعة مبانٍ سكنية على الأقل وأراضي زراعية، تمهيداً لإنشاء منشأة لمعالجة النفايات واستعادة الطاقة.

وأضافت أن وزير مالية كيان الاحتلال بتسلئيل سموتريتش وقّع في نيسان/ أبريل 2025 إخطاراً بموجب المادة 19 من “أمر الأراضي”، لتفعيل مصادرتين قديمتين تعودان إلى عامي 1970 و1982 بهدف تجهيز الأرض للمشروع الجديد. وتشمل المصادرة الأولى، الصادرة بتاريخ 30 آب/ أغسطس 1970، نحو 1200 دونم خُصصت للمنطقة الصناعية الاستيطانية في “عطروت”، منها 390 دونماً تعود ملكيتها لأهالي قلنديا، فيما شملت المصادرة الثانية، الصادرة في الأول من حزيران/ يونيو 1982، مساحة 137 دونماً خُصصت لما يسمى “منشأة أمنية”.

وشددت محافظة القدس على أن المشروع لا يمكن التعامل معه بوصفه مشروعاً بيئياً كما تدّعي سلطات الاحتلال، بل هو جزء من منظومة استعمارية متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية في القدس المحتلة ومحيطها، من خلال مصادرة الأراضي وتوسيع السيطرة عليها وفرض وقائع جديدة تفضي إلى التضييق على الفلسطينيين وتهجيرهم قسراً.

ولفتت إلى أن خطورة المشروع لا تقتصر على مصادرة الأراضي وتهديد المنازل، بل تمتد إلى أبعاد بيئية وصحية خطيرة، نظراً لوقوع الموقع المستهدف بمحاذاة مباشرة للتجمعات السكنية الفلسطينية المكتظة في قرية قلنديا ومحيطها. وحذرت من أن إقامة منشأة لمعالجة النفايات في هذه المنطقة ستؤدي إلى زيادة الانبعاثات الملوثة والروائح والملوثات الدقيقة، وما يرافقها من آثار سلبية على جودة الهواء والتربة والمياه الجوفية والصحة العامة.

وأكدت أن التجارب العالمية المرتبطة بمنشآت معالجة النفايات القريبة من المناطق السكنية تشير إلى مخاطر متزايدة على صحة السكان، بما في ذلك ارتفاع معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية وبعض أنواع السرطان، خاصة بين الأطفال وكبار السن، فضلاً عن الأضرار التي قد تلحق بالإنتاج الزراعي والأمن الغذائي المحلي نتيجة استهداف الأراضي الزراعية المنتجة.

واعتبرت المحافظة أن المشروع يمثل نموذجاً واضحاً لما يعرف بـ“العنصرية البيئية”، حيث يجري تحميل التجمعات الفلسطينية الأعباء والمخاطر البيئية الناجمة عن مشاريع تخدم المستوطنات والبنية التحتية التابعة لها، في انتهاك لمبادئ العدالة البيئية والحق في بيئة آمنة وسليمة.

وأكدت محافظة القدس أن مشروع قلنديا يشكل انتهاكاً صارخاً لأحكام القانون الدولي الإنساني، وعلى وجه الخصوص اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على قوة الاحتلال مصادرة الممتلكات الخاصة أو استغلال الأراضي المحتلة لخدمة مصالحها، كما يتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي البيئي.

ودعت المحافظة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والبعثات الدبلوماسية والمؤسسات الحقوقية والبيئية الدولية إلى التحرك العاجل لوقف هذه الانتهاكات، وضمان احترام الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى المبارك، ووقف محاولات فرض السيادة الاحتلالية عليه بالقوة، إلى جانب التصدي لمشروع النفايات الاستعماري في قلنديا ومحاسبة سلطات الاحتلال على سياساتها التي تستهدف الأرض والإنسان والبيئة الفلسطينية في القدس المحتلة.