مخيمات الضفة الغربية في مرمى "الهندسة العسكرية".. لفرض التهجير وضرب حق العودة
كثفت قوات الاحتلال خلال الأشهر الأخيرة عملياتها العسكرية في الضفة الغربية والقدس المحتلة، مع تركيز واضح على مخيمات اللاجئين، استنادًا إلى معطيات نشرتها وسائل إعلام عبرية وتصريحات لمسؤولين عسكريين تكشف عن خطة أوسع لإعادة تشكيل المخيمات عمرانيًا وأمنيًا، بما يضمن حرية حركة قوات الاحتلال داخلها، ويفكك بنيتها الاجتماعية والسياسية المرتبطة بقضية اللاجئين وحق العودة.
وبحسب الإعلام العبري، وضعت قوات الاحتلال خططًا لكل مخيمات الضفة الغربية المحتلة، يمكن تفعيلها وفق التطورات الميدانية، بالتوازي مع نية للبقاء داخل مخيمات شمالd الضفة حتى نهاية العام على الأقل، وبحث ترتيبات تمنع إعادة البناء في بعض المناطق التي دمرتها الجرافات العسكرية، وكذلك تمنع عودة سكانه إليه.
وشهدت مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم تحولًا خطيرًا في طبيعة عمليات قوات الاحتلال، من الاقتحامات الموضعية إلى الحملات العسكرية المطولة، التي أدت إلى تهجير أكثر من 40 ألف لاجئ، وفق تقديرات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا".
وتشير تقديرات اللجان الشعبية إلى نزوح نحو 27.5 ألف فلسطيني من مخيمي طولكرم ونور شمس ومحيطهما، توزعوا بين مدينة طولكرم وقراها، وسط دمار واسع شمل تدمير نحو 1750 وحدة سكنية كليًا، وتضرر قرابة 3650 وحدة جزئيًا، إضافة إلى إحراق 135 منزلًا بشكل كامل.
وامتد الدمار في طولكرم ونور شمس إلى نحو 800 محل ومنشأة تجارية، إلى جانب تدمير واسع في شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والاتصالات.
وفي مخيم جنين، نزح نحو 21 ألف شخص من المخيم ومحيطه، وتوزعوا بين مساكن الجامعة الأميركية وأحياء مدينة جنين و39 بلدة وقرية في المحافظة، بالتزامن مع تدمير نحو 1200 شقة كليًا و700 شقة جزئيًا، إضافة إلى 200 محل تجاري.
وتعكس هذه المعطيات انتقال سياسة كيان الاحتلال من الاقتحام العسكري المؤقت إلى فرض تهجير طويل الأمد، وإعادة تشكيل المخيمات بالقوة.
المخيم كذاكرة سياسية تختزن حق العودة
يضع المحلل السياسي د. نزار نزال هذا الاستهداف في سياقه الأوسع، مؤكدًا أن كيان الاحتلال ينظر إلى المخيمات الفلسطينية باعتبارها "عصب القضية الفلسطينية" و"مخها"، لأنها تذكّر الفلسطينيين والعالم باللجوء والنزوح والاقتلاع.
ويقول نزال: إن المخيم ليس تجمعًا سكانيًا مكتظًا فحسب، بل مساحة سياسية ووطنية تختزن ذاكرة النكبة، وتحافظ على حق العودة بوصفه جوهر القضية الفلسطينية.
ومن هذا المنطلق، تبدو مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس نموذجًا أوليًا لخطة أوسع، فوفق ما نقلته وسائل إعلام عبرية عن مسؤولين عسكريين في القيادة المركزية لجيش الاحتلال، فإن التغيير الذي شهدته الضفة الغربية بين صيف 2022 وصيف 2025 هو الأبرز منذ عام 1967، بعدما فقدت قوات الاحتلال، بحسب توصيفها، حرية الحركة داخل المخيمات بفعل الأزقة الضيقة والعبوات والمقاومة المتصاعدة.
ويرى نزال أن هذه اللغة العسكرية تخفي هدفًا سياسيًا عميقًا، إذ يتعامل كيان الاحتلال مع المخيمات باعتبارها "هاجسًا أمنيًا وسياسيًا"، لأنها تنتج فعلًا مقاومًا لا يمكن فصله عن قضية اللاجئين.
فمن داخل المخيمات انطلقت محطات بارزة في الانتفاضتين الأولى والثانية، ومنها برزت لاحقًا كتائب جنين وطولكرم ونور شمس بعد عام 2016، ما جعلها في عين الاستهداف المستمر.
من جنين إلى بقية مخيمات الضفة الغربية
يعتبر نزال أن تدمير المباني وشق الطرق ليس مسألة هندسية فقط، بل جزء من "إعادة هندسة الجغرافيا" بما يخدم السيطرة العسكرية.
ويوضح أن ما جرى في جنين وطولكرم ونور شمس والفارعة ليس معزولًا، بل يأتي ضمن رؤية أشمل لدى كيان الاحتلال تقوم على تفكيك البنية العمرانية والاجتماعية للمخيمات، وفتح شرايين عسكرية داخلها، وتغيير شكلها بما يفقدها خصوصيتها الوطنية والسياسية.
وتتعمق خطورة الخطة مع حديث الاحتلال عن أن المناطق التي دُمرت ستبقى على حالها بموجب أوامر عسكرية، دون السماح بإعادة البناء، وهذا يعني أن التدمير لا يستهدف فقط ملاحقة أفراد أو مجموعات، بل يرسم واقعًا طويل الأمد يقوم على منع عودة المخيم إلى صورته السابقة، وتحويله إلى مساحة مفتوحة للسيطرة والمراقبة والاقتحام الدائم.
ويحذر نزال من أن المرحلة المقبلة قد تشهد نقل النموذج ذاته إلى مخيمات أخرى، من بينها بلاطة في نابلس والجلزون في رام الله وغيرها، ضمن خطة تدريجية تستهدف محو الطابع الخاص للمخيمات وتحويلها إلى مناطق محكومة أمنيًا.
ويؤكد أن كيان الاحتلال لا يريد للمخيمات أن تبقى كما هي، لأنها تذكير دائم بأن أصل الصراع مرتبط بالاقتلاع والتهجير وحرمان اللاجئين من العودة إلى ديارهم.
التهجير كامتداد للنكبة
لا ينفصل هذا المسار عن واقع التهجير الفعلي الذي شهده شمالي الضفة الغربية، فخلال عمليات عام 2025، سيطرت قوات الاحتلال على مخيمات في جنين وطولكرم، ودمرت أجزاء واسعة منها، ودفعت عشرات آلاف اللاجئين الفلسطينيين إلى النزوح، وأقامت مواقع عسكرية داخلها.
وبذلك يتحول ما يسميه كيان الاحتلال "تفكيكًا أمنيًا" إلى تهجير واسع، يضرب حياة اللاجئين داخل مخيمات أُنشئت أصلًا نتيجة تهجير عام 1948.
ويرى نزال أن هذه المفارقة تكشف جوهر السياسة الاحتلالية: اللاجئ الفلسطيني الذي هُجّر من قريته ومدينته إبان النكبة، يُعاد تهجيره اليوم من مخيمه تحت ذرائع أمنية.
لذلك، فإن استهداف المخيمات ليس مجرد فصل عسكري جديد، بل امتداد للنكبة بأدوات معاصرة، هدم، وشق طرق، واقتحام دائم، ومنع لإعادة البناء، وترحيل للسكان عن بيئتهم الاجتماعية.
ويحاول كيان الاحتلال تصوير وجوده العسكري المستمر داخل المخيمات على أنه وسيلة لمنع "النمو المستقبلي" للمقاومة، إلا أن النتائج الميدانية تشير إلى استهداف شامل للبيئة المدنية، فحين تُدمّر أحياء كاملة، وتُجرف الطرق، وتُمنع العائلات من العودة، يصبح المخيم كله هدفًا، لا مجموعات بعينها.
ويشدد نزال على أن المخيمات، في الوعي الفلسطيني، لم تكن يومًا هامشًا اجتماعيًا، بل كانت منطلقًا للثورات والانتفاضات، ومركزًا لصناعة الذاكرة الوطنية، ولذلك، فإن ضرب المخيم يعني محاولة لضرب الوعي الجمعي المرتبط بحق العودة، وتفكيك الحاضنة الاجتماعية التي أبقت قضية اللاجئين حية عبر الأجيال.
المستوطنون ذراع موازية للضغط والاقتلاع
في موازاة الاستهداف العسكري، يلفت نزال إلى تصاعد دور المستوطنين في الضفة الغربية، معتبرًا أنهم باتوا يشكلون "دولة داخل دولة"، بعد توسيع تسليحهم وصلاحياتهم وتوفير الحماية لهم من قبل جيش الاحتلال "الإسرائيلي".
ويقول: إن المستوطنين لم يعودوا مجرد مجموعات منفلتة، بل تحولوا إلى ذراع أمنية موازية للمؤسسة العسكرية، تُستخدم للضغط على الفلسطينيين ودفعهم نحو الترحيل التدريجي والناعم.
وبهذا المعنى، يتكامل استهداف المخيمات مع اعتداءات المستوطنين في القرى والأرياف. فقوات الاحتلال تعيد هندسة المخيمات وتفكك بنيتها، بينما يمارس المستوطنون ضغطًا يوميًا على الفلسطينيين عبر الهجمات والسرقة والترهيب، بما يخدم هدفًا واحدًا: تفكيك الوجود الفلسطيني وفرض وقائع جديدة على الأرض.
ويخلص نزال إلى أن استهداف المخيمات وتصعيد اعتداءات المستوطنين يمثلان وجهين لسياسة واحدة، هدفها ضرب رمزية اللجوء والمقاومة، وتغيير الجغرافيا بما يخدم مشروع السيطرة والتهجير. فالمخيم، بالنسبة إلى كيان الاحتلال، ليس فقط مكانًا يصعب اقتحامه، بل ذاكرة حية لا يريد لها أن تبقى.
ويعتمد النازحون من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس اليوم بشكل شبه كامل على مساعدات إنسانية محدودة لا تلبي احتياجاتهم الأساسية، بعدما تلقى بعضهم منح إيجار جزئية لمرة واحدة خلال أكثر من عام على النزوح، بقيمة 900 دولار، قدمتها منظمات دولية بالشراكة مع "أونروا" والسلطة الفلسطينية.
وتكشف هذه المعطيات أن التهجير لم يكن حدثًا عابرًا، بل واقعًا ممتدًا يثقل حياة آلاف العائلات التي فقدت بيوتها ومصادر رزقها وأمانها الاجتماعي.
وبين اعتداءات قوات الاحتلال والمستوطنين، تتحول حياة اللاجئين المهجرين من مخيماتهم إلى فصل جديد من النكبة المستمرة.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات