أدانت رابطة الحقوقيين الفلسطينيين في سوريا بشدة وفاة الشاب محمد غميرة، بعد تعرضه للضرب والتعذيب وسوء المعاملة خلال توقيفه في مخفر شرطة الحفة بريف اللاذقية، وطالبت الجهات الرسمية والقضائية السورية بفتح تحقيق شفاف ومستقل في ملابسات الواقعة، وتحديد المسؤوليات الوظيفية والقانونية عنها، وإحالة كل من تثبت مسؤوليته إلى القضاء المختص.

وقالت الرابطة، في بيان لها الاثنين 17 آب/أغسطس، إن ما تعرض له غميرة يمثل مخالفة للقوانين التي تحمي الموقوفين، وتلزم سلطات إنفاذ القانون بالحفاظ على سلامتهم وكرامتهم، مطالبةً بنشر نتائج التحقيقات للرأي العام، ومحاسبة المتورطين وفق القوانين التي تجرّم التعذيب وسوء المعاملة.

وربطت الرابطة الواقعة بالتزامات سوريا الدولية، مشيرةً إلى أن التعذيب وسوء المعاملة يمثلان انتهاكاً واضحاً لاتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية في آب/أغسطس 2004، بموجب المرسوم التشريعي رقم 39 لعام 2004. وتؤكد سجلات الأمم المتحدة انضمام سوريا إلى الاتفاقية في 19 آب/أغسطس 2004.

موقوفو مخيم خان الشيح

وفي جانب آخر من بيانها، دعت رابطة الحقوقيين الفلسطينيين وزير الداخلية والمسؤولين في الأمن العام إلى التدخل الفوري لمعالجة ملف الموقوفين من مخيم خان الشيح، وضمان خضوع توقيفهم وإجراءات التحقيق معهم للقانون.

وأوضحت أن كلاً من أحمد محمود محمد، وأحمد حمدان عبده، وخليل إبراهيم رشيد، مضى على توقيفهم أكثر من أربعة أشهر، فيما اقتربت مدة توقيف محمد معتصم حامد من عشرة أشهر، دون إحالتهم حتى تاريخ صدور البيان إلى القضاء المختص للبت في التهم المنسوبة إليهم.

واستندت الرابطة إلى المادة 17، الفقرة الثالثة، من قانون أصول المحاكمات الجزائية، المتعلقة باختصاص الضابطة العدلية والمفوضين بمهامها في استقصاء الجرائم المنصوص عليها في المواد من 260 إلى 339، والمواد 221 و388 و392 و393 من قانون العقوبات.

وبحسب الرابطة، تلزم المادة المذكورة الجهات المختصة بألا تتجاوز مدة التحفظ على الموقوفين لديها سبعة أيام، قابلة للتجديد من النائب العام وفق معطيات كل ملف على حدة، على ألا تتجاوز مدة التحفظ في جميع الأحوال ستين يوماً. وهذه الصياغة مطابقة لنص الفقرة الثالثة المضافة إلى المادة 17 بالمرسوم التشريعي رقم 55 لعام 2011.

وأشارت الرابطة كذلك إلى ما نشره والد أحد الموقوفين بشأن تعرض نجله للتعذيب أثناء التحقيق، موضحةً أن الابن أبلغه بذلك خلال زيارة له، معتبرةً أن هذه الإفادة تشكل إخطاراً بوجود شبهة تعذيب تستوجب فتح تحقيق جدي ومستقل للتحقق منها.

وأكدت الرابطة انضمامها إلى مطالب أهالي الموقوفين بإحالة أبنائهم وذويهم إلى القضاء المختص وضمان محاكمتهم محاكمة عادلة، مشددةً على أن الالتزام بسيادة القانون هو الضمان لحماية حقوق جميع السوريين ومن هم في حكمهم، وصولاً إلى "سوريا الجديدة" التي يتطلع إليها الجميع باعتبارها دولة عدل واستقرار وأمان.

ويضع بيان الرابطة قضية موقوفي خان الشيح في سياق أوسع من المطالبة بحماية حقوق الموقوفين وضمان عدم تعرضهم للتعذيب، بالتزامن مع التحقيق الذي فتحته وزارة الداخلية في وفاة محمد غميرة، وما رافقه من توقيف سبعة من عناصرها وتعهدات رسمية بإعلان نتائج التحقيق ومحاسبة المسؤولين.

اقرأ/ي حول قضية موقوفي خان الشيح: عائلات معتقلي خان الشيح تصعّد مطالبها بكشف مصير أبنائها

وفاة غميرة تعيد ملف التعذيب إلى الواجهة

وبالعودة إلى قضية الشاب المغدور محمد غميرة، يُذكر أنه أحد منتسبي الدفاع المدني السوري "الخوذ البيضاء"، وقد توفي في المشفى الجامعي بمدينة اللاذقية، متأثراً بإصاباته بعد توقيفه في مخفر الحفة، وسط حالة من الاستياء والجدل حول ظروف وفاته وما أثارته من مخاوف بشأن استمرار ممارسات التعذيب وسوء المعاملة في مراكز التوقيف السورية.

وأعلنت وزارة الداخلية السورية، على لسان المتحدث باسمها نور الدين البابا، توقيف سبعة من منتسبي الوزارة، بينهم محققون ورئيس القسم وعدد من العناصر، للتحقيق في حادثة وفاة غميرة.

وقال البابا إن لجنة طبية مستقلة ستشرف على تشريح الجثة لتحديد المسؤول عن الوفاة ودرجة مسؤوليته، فيما تتولى لجنة تحقيق مؤقتة، لمدة ثلاثة أيام، التحقيق في الحادثة قبل إعلان نتائجها. وأضاف أن اللجنة ستتوجه إلى منطقة الحفة، وتستمع إلى أقوال المشتبه بهم والأهالي.

وفي السياق ذاته، نعى وزير الطوارئ والكوارث السوري رائد الصالح غميرة، وذكر أن وفاته جاءت الأحد 16 آب/أغسطس في المشفى الجامعي بمدينة اللاذقية، متأثراً بمضاعفات نزيف في الدماغ والجهاز الهضمي نتيجة تعرضه للضرب بعد توقيفه في مخفر الحفة.

وأشار الصالح إلى أن غميرة كان يعاني من مرض الناعور، ما يزيد من مخاطر النزف ومضاعفاته، مؤكداً أنه تابع القضية منذ اليوم الأول مع وزير الداخلية، وأن عناصر المخفر المتهمين بضرب غميرة أوقفوا، وستُتخذ بحقهم الإجراءات القانونية.

وقال الصالح إن "سوريا الجديدة دولة قانون وعدالة "، مؤكداً أن السوريين ضحوا طوال 14 عاماً للوصول إلى دولة "تصون كرامتهم وتحفظ إنسانيتهم"، وأنه "لن يكون في سوريا الجديدة أي إفلات من العقاب".

وتأتي وفاة غميرة في مشهد أعاد إلى الواجهة ذكريات ممارسات التعذيب والقتل تحت التعذيب التي ارتبطت بحقبة حكم عائلة الأسد، وسط مطالب حقوقية بأن تشكل التحقيقات الحالية اختباراً لمدى جدية السلطات السورية الجديدة في القطع مع تلك الممارسات ومحاسبة المسؤولين عنها.