تصاعدت المساعي الأمريكية الرامية إلى تقويض عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، بعد تقديم عضوي مجلس النواب الأمريكي، الجمهوري مايك لولر والديمقراطي جوش غوتهايمر، مشروع قانون يحمل اسم "قانون استبدال أونروا بمساعدات إنسانية حقيقية"، ويطالب وزارة الخارجية الأمريكية بوضع استراتيجية لتفكيك عمليات الوكالة واستبدالها بجهات أخرى.

وأثار المشروع موجة واسعة من الرفض في الأوساط الفلسطينية، وسط تحذيرات من أن الخطوة تتجاوز الجانب الإنساني، لتستهدف البعد السياسي والقانوني لقضية اللاجئين الفلسطينيين.

وينص المشروع على إعداد استراتيجية شاملة خلال 180 يومًا، تتضمن جدولًا زمنيًا لإنهاء عمليات "أونروا"، وتحديد الجهات الحكومية أو غير الحكومية التي ستتولى مهامها، إلى جانب إعداد خطة للتمويل وآلية انتقالية بالتنسيق مع الحلفاء والشركاء الدوليين.

وفي أحاديث منفصلة لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، أجمع مسؤولون وباحثون فلسطينيون على أن استهداف "أونروا" يمثل محاولة لإنهاء الوكالة الأممية المكلفة بقضية اللاجئين الفلسطينيين، تمهيدًا لشطب حق العودة وإعادة تعريف قضية اللاجئين باعتبارها أزمة إنسانية، لا قضية سياسية وحقوقية.

المشروع يستهدف شطب قضية اللاجئين

في هذا السياق، أكد المدير العام للهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين، علي هويدي، أن مشروع القانون الأمريكي يحمل أبعادًا سياسية بالدرجة الأولى، ويستهدف قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة، معتبرًا أن "هدفه النهائي هو شطب هذه القضية".

وأوضح هويدي أن الحديث عن استبدال "أونروا" غير واقعي من الناحية القانونية، لأن الجهة الوحيدة المخولة بتعديل تفويض الوكالة أو إنهائه هي الجمعية العامة للأمم المتحدة، وليس الكونغرس الأمريكي، مهما بلغ عدد أعضائه المؤيدين للمشروع.

وأشار إلى أن هذه ليست المحاولة الأولى، إذ سبق أن قاد لولر، في أيار/مايو 2026، رسالة شارك فيها أكثر من 90 عضوًا في مجلس النواب الأمريكي، دعت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى تفكيك عمليات "أونروا" في قطاع غزة والضفة الغربية والأردن ولبنان وسوريا.

ولفت إلى أن الجديد في المشروع الحالي هو تقديمه من نائب جمهوري وآخر ديمقراطي، بما يعكس وجود توافق بين الحزبين على استهداف الوكالة، رغم عدم امتلاكهما أي صلاحية قانونية لإنهاء تفويضها الأممي.

وربط هويدي توقيت طرح المشروع بالاستحقاقات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، معتبرًا أن اقتراب انتخابات تجديد عضوية الكونغرس جعل من "أونروا" "مادة دسمة" لاستقطاب الأصوات الانتخابية، بحيث بات استهداف الوكالة وسيلة يلجأ إليها بعض أعضاء الكونغرس لتعزيز حضورهم السياسي.

ورأى أن الإدارات الأمريكية، سواء الجمهورية أو الديمقراطية، تتبنى في الجوهر هدف إنهاء دور الوكالة، وإن اختلفت أساليبها، مشيرًا إلى أن المشروع ينسجم مع الرؤية الصهيونية الساعية إلى إنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين وإزالة صفة اللجوء عنهم.

وأضاف أن ذلك يهدف إلى "غسل يدي المجرم الصهيوني من جريمة النكبة والتطهير العرقي التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في فلسطين".

الضغوط الأمريكية: استنزاف تمهيدًا للاستبدال

وأشار هويدي إلى أن الضغوط الأمريكية و"الإسرائيلية" لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تمتد إلى الضغط على الدول المانحة لتقليص تمويل الوكالة.

ولفت إلى محدودية التعهدات المالية الجديدة خلال مؤتمر المانحين الذي عقد في 30 حزيران/يونيو 2026، معتبرًا أن ذلك يعكس تأثير الضغوط وحملات التشكيك بعمل "أونروا"، رغم تنفيذ الوكالة 40 توصية من أصل 50 وردت في تقرير مجموعة المراجعة المستقلة برئاسة كاثرين كولونا، واستمرار العمل على تنفيذ التوصيات المتبقية.

تداعيات سياسية تتجاوز البعد الإنساني

وشدد هويدي على أن "أونروا" لا يمكن استبدالها بأي جهة أخرى، لأن دورها يتجاوز تقديم الخدمات الإنسانية، ويحمل بعدًا سياسيًا وقانونيًا مرتبطًا بقضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة.

ورأى أن نقل مهامها إلى مؤسسات أخرى يعني إعفاء المجتمع الدولي من مسؤولياته تجاه قضية اللاجئين، وتحويلها من قضية سياسية مرتبطة بحق العودة إلى قضية إنسانية تقتصر على توفير الغذاء والدواء والإيواء، بما قد يمهد لمشاريع التوطين بدلًا من ضمان عودة اللاجئين إلى فلسطين.

دعوة إلى تحرك فلسطيني وعربي ودولي

وأكد هويدي ضرورة تحرك المجتمع الدولي لحماية "أونروا" وضمان استمرارها، قائلًا إن "المطلوب اليوم صحوة ضمير حقيقية".

وأشار إلى أن نحو 6 ملايين لاجئ فلسطيني مسجلين لدى الوكالة، إلى جانب نحو مليوني لاجئ غير مسجلين، داعيًا إلى توحيد الجهود الفلسطينية والعربية والدولية ضمن مسارات سياسية ودبلوماسية وقانونية وإعلامية وشعبية.

واعتبر أن الجهود الحالية ما تزال متفرقة، وأن المرحلة تتطلب بناء حراك موحد وأكثر فاعلية، قادر على تحقيق إنجازات والدفاع عن "أونروا" وقضية اللاجئين الفلسطينيين.

المشروع امتداد لمحاولات بدأت في عهد ترامب

بدوره، رأى أمين سر اللجان الأهلية ومسؤول العلاقات العامة في المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان "شاهد"، أبو هشام، أن المشروع المطروح ليس جديدًا، بل يأتي امتدادًا لمحاولات بدأت خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عندما أوقفت الولايات المتحدة تمويلها للوكالة.

واعتبر أن الهدف من المشروع يتمثل في إلغاء الجهة الدولية التي أُنشئت بقرار أممي لحماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين، موضحًا أن "أونروا" تمثل شاهدًا دوليًا على قضية اللجوء الفلسطيني.

وأكد أن استبدالها بجهات إنسانية أخرى يعني المساس بحقوق اللاجئين وتحويل قضيتهم من قضية سياسية وقانونية إلى مجرد ملف إغاثي، بما يهدد حقهم في العودة.

لا صلاحية قانونية للكونغرس

وأكد أبو هشام أن الكونغرس الأمريكي أو الإدارة الأمريكية لا يملكان أي صلاحية قانونية لإنهاء عمل "أونروا"، لأنها أُنشئت بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302.

واعتبر أن أي قرار يصدر عن جهة محلية لا يمكنه إلغاء تفويض وكالة أممية أُنشئت بقرار دولي، ولذلك فإن أي قرار يصدر عن الكونغرس في هذا الشأن "غير شرعي وغير قانوني".

ورأى أن الدوافع السياسية للمشروع تتمثل في شطب القضية الفلسطينية وإسقاط حق اللاجئين في العودة وتقرير المصير، مشيرًا إلى قراري الأمم المتحدة 181 المتعلق بتقسيم فلسطين، و194 الذي نص على حق اللاجئين في العودة.

وأضاف أن الهجمة على الوكالة تهدف إلى شطب حق العودة ومحو صفة اللجوء الفلسطيني ودمج اللاجئين في المجتمعات التي يقيمون فيها، بما يؤدي إلى إنهاء أحد أهم الملفات المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

أزمة التمويل تهدد خدمات ملايين اللاجئين

وفي ما يتعلق بالمواقف الدولية، أشار أبو هشام إلى أن الأمم المتحدة لا تزال متمسكة باستمرار عمل "أونروا"، باعتبارها وكالة أُنشئت بقرار أممي، لكنه أبدى تشاؤمه إزاء أداء الدول المانحة وتراجع التزاماتها المالية تجاه الوكالة.

وقال إن مؤتمر المانحين الأخير لم يسفر إلا عن تعهدات جديدة بقيمة 4 ملايين دولار، في وقت تواجه فيه الوكالة فجوة تمويلية قدرها نحو 100 مليون دولار، ما ينذر بمشكلات كبيرة خلال ما تبقى من العام الجاري والعام المقبل.

وحذر من أن استمرار الأزمة قد يجعل الوكالة عاجزة عن تقديم خدماتها، ويعرّض اللاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها الخمس لتقليصات كبيرة وأساسية.

إلغاء "أونروا" يفاقم معاناة اللاجئين

وحذر أبو هشام من أن أي إلغاء لـ"أونروا" أو استبدالها سيترك اللاجئين الفلسطينيين، ولا سيما في لبنان، من دون خدمات أساسية في مجالات التعليم والصحة والإغاثة والبنية التحتية، في ظل غياب بديل ملزم قانونيًا بتقديم هذه الخدمات.

ورأى أن إحالة هذه المهام إلى مؤسسات إنسانية أخرى قد تجعل تقديم الخدمات خاضعًا للاجتهادات أو المحسوبيات، بما يهدد حقوق اللاجئين، ويزيد معاناتهم الاقتصادية والاجتماعية.

دعوات إلى حملة دولية للدفاع عن "أونروا"

ودعا أبو هشام إلى إطلاق حملة دولية واسعة لفضح المشاريع التصفوية التي تستهدف اللاجئين الفلسطينيين، والضغط على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ومجلس الأمن لدعوة الدول الأعضاء والمانحة إلى الوفاء بالتزاماتها.

كما دعا إلى الالتزام بدعم "أونروا" دون غيرها من المؤسسات الإنسانية البديلة، معتبرًا أن دعم الوكالة يمثل تثبيتًا لحقوق اللاجئين الفلسطينيين وهويتهم وحقهم في العودة.

استبدال "أونروا" يعيد صياغة قضية اللاجئين

من جانبه، رأى مسؤول ملف "أونروا" في "حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين"، جهاد محمد، أن مشروع القانون الأمريكي لا يقتصر على إعادة تنظيم المساعدات الإنسانية، بل يندرج، من وجهة النظر الفلسطينية، ضمن مسار سياسي يستهدف إعادة صياغة قضية اللاجئين الفلسطينيين وإفراغها من مضمونها القانوني والسياسي.

وأوضح أن "أونروا" لم تنشأ كمؤسسة إغاثية تقليدية، وإنما أُسست بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة استجابة لنتائج نكبة عام 1948، إلى حين التوصل إلى حل عادل ودائم لقضية اللاجئين، وفي مقدم ذلك ضمان حق العودة.

وأشار محمد إلى أن استبدال "أونروا" بجهات إنسانية أخرى يعني، وفق الرؤية الفلسطينية، نقل اللاجئ من موقع صاحب الحق السياسي والقانوني إلى مجرد متلقٍ للمساعدات، بما يطمس خصوصية قضيته، ويحصرها في إطار إنساني منفصل عن جذورها التاريخية والسياسية.

ورأى أن المشروع ينسجم مع الموقف "الإسرائيلي" الذي ينظر إلى الوكالة باعتبارها شاهدًا أمميًا على النكبة وعائقًا أمام محاولات إنهاء ملف اللاجئين.

النفوذ الأمريكي يهدد الوكالة

ومن الجانب القانوني، أكد محمد أن الولايات المتحدة لا تملك، سواء عبر الكونغرس أو الإدارة الأمريكية، صلاحية إنهاء عمل الوكالة، باعتبارها أُنشئت بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأن أي تعديل في تفويضها أو إنهاء عملها يبقى من اختصاص الأمم المتحدة والدول الأعضاء.

وحذر، في الوقت نفسه، من التقليل من حجم النفوذ الأمريكي، معتبرًا أن الخطر الحقيقي يكمن في محاولات إضعاف الوكالة واستنزافها ماليًا وسياسيًا، وصولًا إلى خلق واقع يتيح استبدالها تدريجيًا.

واعتبر أن المشروع يأتي في سياق الدور الأمريكي المستمر في استهداف "أونروا" عبر الضغوط السياسية والمالية، ويتقاطع مع الرؤية "الإسرائيلية" الهادفة إلى تصفية ملف اللاجئين.

ورأى أن توقيت طرح المشروع، في أعقاب حرب الإبادة على قطاع غزة، ليس مصادفة، بل يمثل محاولة لاستثمار الظروف الراهنة لإضعاف الوكالة.

وأكد أن القضية المطروحة لا تتعلق بإصلاح آليات العمل الإنساني، بل بإعادة تعريف قضية اللاجئين وتحويلها من قضية سياسية وقانونية مرتبطة بحق العودة إلى ملف إغاثي يمكن إدارته عبر مؤسسات بديلة.

وتوقع أن تتمسك الأمم المتحدة بالتفويض الممنوح للوكالة، فيما رجح تباين مواقف الدول المانحة بين دول ستواصل دعمها وأخرى قد تتأثر بالضغوط السياسية.

وحذر من أن استمرار تراجع التمويل قد ينعكس على قدرة "أونروا" على أداء مهامها، حتى من دون صدور قرار رسمي بإنهاء عملها.

وأضاف أن مخاطر استبدال الوكالة لا تقتصر على الجانب الخدمي، بل تمتد إلى أبعاد سياسية وقانونية، إذ سيؤدي ذلك إلى إرباك قطاعات التعليم والصحة والإغاثة، ولا سيما في لبنان، فضلًا عن تذويب الخصوصية القانونية للاجئ الفلسطيني وتحويل قضيته من قضية حقوق وطنية وسياسية إلى مجرد ملف إنساني.

المساس بـ"أونروا" يمس المكانة القانونية للاجئ الفلسطيني

وشدد محمد على أن المطلوب يتمثل في توحيد الموقف الفلسطيني الرافض لأي مساس بوكالة "أونروا"، إلى جانب تحرك عربي ودولي لضمان استمرار تفويضها وتأمين تمويل مستدام لها.

وأكد أن "أونروا" ستبقى، من وجهة النظر الفلسطينية، شاهدًا أمميًا على نكبة الشعب الفلسطيني ورمزًا لاستمرار المسؤولية الدولية تجاه قضية اللاجئين، إلى حين التوصل إلى حل عادل يضمن حقوقهم، وفي مقدمتها حق العودة.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت تواجه فيه وكالة "أونروا" تحديات غير مسبوقة على المستويين السياسي والمالي، وسط تصاعد الدعوات الأمريكية و"الإسرائيلية" المطالبة باستبدالها، الأمر الذي يثير مخاوف من انعكاس ذلك على أوضاع ملايين اللاجئين الفلسطينيين ومستقبل الخدمات المقدمة لهم، إلى جانب ما يمثله من مساس بالمكانة القانونية والسياسية للوكالة.

وتواصل "أونروا"، التي تعمل في مناطق عملياتها الخمس في قطاع غزة والضفة الغربية والأردن ولبنان وسوريا، تقديم خدمات التعليم والصحة والإغاثة والحماية لنحو 5.9 ملايين لاجئ فلسطيني مسجل، استنادًا إلى التفويض الممنوح لها من الجمعية العامة للأمم المتحدة.