لم يكن الطريق الذي سلكه الشاب الفلسطيني نور الدين أحمد حميدة نحو التفوق الأكاديمي مفروشاً بالنجاح على طول الخط، فالحرب التي أجبرته على ترك المدرسة والنزوح من مخيم اليرموك قطعت سنوات من تعليمه، وأبعدته عن حلمه في دراسة الفيزياء، قبل أن يعيد بناء نفسه من الصفر معتمداً على الدراسة الذاتية والإصرار، ليصبح اليوم من أوائل خريجي قسم الفيزياء في جامعة دمشق، ويستعد لبدء مرحلة الدراسات العليا.

وُلد نور الدين أحمد حميدة عام 1998 ونشأ في مخيم اليرموك جنوب دمشق، ويقول: إن طفولته كانت طبيعية إلى حد كبير، لكنه لم يكن طالباً مهتماً بالدراسة في سنواته الأولى، بل يصف نفسه بأنه كان مشاغباً ولم يمنح التعليم اهتماماً حقيقياً حتى الصف الثامن.

لكن حياته تبدلت مع اشتداد قصف قوات النظام السوري السابق على مخيم اليرموك. اضطر إلى ترك المدرسة، ثم عاد إليها في الصف التاسع، إلا أنه لم يمكث سوى شهر واحد قبل أن تضطر عائلته إلى النزوح مجدداً تحت وطأة القصف.

امتحانات في ظل النزوح

ويصف تلك المرحلة بأنها كانت صدمة قاسية، إذ وجد نفسه بعيداً عن مقاعد الدراسة، يقيم مع أسرته في منزل أحد الأقارب إلى جانب عدة عائلات أخرى، في ظروف مكتظة لم تكن تسمح بالتركيز أو متابعة التعليم، ما جعله يشعر بالضياع وعدم معرفة الطريق الذي ينبغي أن يسلكه.

وقبل امتحانات الصف التاسع بفترة قصيرة، أرسلت إليه خالته أهم المعلومات الدراسية وتوقعات الأسئلة المتداولة بين الطلاب، وشجعته على التقدم للامتحانات، رغم أن الجميع تقريباً كان يعتقد أن عامه الدراسي قد ضاع بالكامل، وأن النجاح بات مستبعدا، الّا أنّ النتيجة جاءت مخالفة لكل التوقعات، إذ نجح في الامتحان.

ورغم أن علاماته لم تكن مرتفعة، فإن ذلك النجاح شكّل نقطة تحول في حياته، وأعاد إليه ثقته بنفسه، فقرر الالتحاق بالفرع العلمي، وهو قرار استغربه كثيرون، معتبرين أن هذا الفرع يحتاج إلى أساس معرفي متين افتقده بسبب سنوات الانقطاع، خصوصاً في الرياضيات والفيزياء والكيمياء.

شغف سابق بالفيزياء

ويؤكد نور الدين لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، أن شغفه بالفيزياء سبق هذه المرحلة بسنوات، إذ كان يقضي وقتاً طويلاً في مشاهدة البرامج العلمية على قناة "ناشيونال جيوغرافي"، وهناك بدأت تتشكل رغبته في دراسة هذا التخصص، غير أن الحرب أجبرته على تأجيل حلمه مؤقتاً، قبل أن يعيده نجاحه في الصف التاسع إلى الواجهة.

وباستثناء والدته وعدد قليل من المقربين، لم يجد كثيراً من المشجعين على خوض هذا الطريق، لكنه مضى فيه مدركاً حجم النقص العلمي الذي يعانيه.

والتحق نور الدين بمعهد تعليمي، إلا أنه لم يشعر بأنه يحقق الفائدة المطلوبة أو يستطيع مجاراة بقية الطلاب، فاعتمد بصورة أساسية على الدراسة الذاتية، ويقول إنه كان يفتقد وجود معلم يرشده ويمنحه الثقة خلال تلك المرحلة الحساسة، متمنياً أن يحظى كل طالب بمن يدعمه في بداية مسيرته العلمية.

وفي تلك الفترة، ساعدته ابنة عمه، التي كانت قد أنهت المرحلة الثانوية، ولا سيما في مادة الرياضيات، بينما ظل شغفه بالفيزياء الدافع الأكبر لتعويض ما فاته من معلومات، حسبما روى نور الدين لموقعنا.

ولاحقاً التحق بسنة بكالوريا بصفة مستمع، وهناك اكتشف حجم الفجوة العلمية التي تفصله عن زملائه، إذ بدت له المعلومات المطروحة متقدمة للغاية، حتى إنه كان يطرح أسئلة شعر معها وكأنه ما يزال في المرحلة الابتدائية، لا في الصف الثالث الثانوي.

ولسد هذا النقص، التحق بعد انتهاء تلك السنة بدورة صيفية يصفها بأنها أفضل دورة تعليمية شارك فيها، إذ ساعدته على ترميم كثير من جوانب الضعف، وأتاحت له فرصة مناقشة الأساتذة والاستفسار عن كل ما كان يجهله، وهو ما انعكس بصورة كبيرة على مستواه العلمي.

ومع بداية سنة البكالوريا الحرة، كان عليه اجتياز امتحان الترشيح، وهو الامتحان الذي يحدد أهلية الطالب للتقدم إلى الامتحان الرسمي.

نتائج مرتفعة في الثانوية العامة

وقبل أيام قليلة من الامتحان، تلقى نصيحة محبطة من أحد المشرفين في المعهد، الذي طلب منه ترك الفرع العلمي والانتقال إلى الفرع الأدبي، معتبراً أنه لن ينجح في الفرع العلمي، ولكن تلك الكلمات تحولت إلى حافز إضافي.

ضاعف نور الدين جهده في الدراسة حتى موعد الامتحان، وكانت المفاجأة بحصوله على المركز الأول في امتحان الترشيح، وهو إنجاز منحه دفعة معنوية كبيرة للاستمرار.

وفي امتحانات الثانوية العامة، حقق نتائج مرتفعة، ولا سيما في المواد العلمية، وحصل على العلامة الكاملة في مادة الفيزياء، ما أهله للالتحاق بكلية العلوم في جامعة دمشق واختيار اختصاص الفيزياء الذي طالما حلم به، غير أن الحياة الجامعية لم تكن سهلة كما تصورها.

فقد اصطدم نور الدين بطبيعة المقررات الجامعية واختلافها عن الدراسة الثانوية، وكانت السنة الأولى الأصعب في مسيرته، إذ كان مطالباً باجتياز خمسة عشر مقرراً، لكنه رسب في ثلاثة عشر منها.

ويقول: إن تلك كانت صدمة جديدة، لكنها لم تدفعه إلى الاستسلام، بل زادت من عزيمته، فتمكن عبر الامتحانات التكميلية من النجاح في تسعة مقررات، ليواصل دراسته إلى السنة الثانية.

وخلال سنوات الجامعة، اضطر في كثير من الأحيان إلى العمل بالتوازي مع الدراسة بسبب الظروف المادية الصعبة، لكنه واصل الاعتماد على التعلم الذاتي، والاستفادة من المصادر العلمية الموثوقة والمواقع المتخصصة في شرح الفيزياء.

ويؤكد نور الدين، أن الشغف كان القوة التي دفعته للاستمرار، مشيراً إلى أنه لا يستطيع حفظ أي معلومة قبل فهمها، لأنه يؤمن بأن الفهم هو الأساس الحقيقي للتعلم.

ومع مرور السنوات، بدأ تفوقه الأكاديمي يظهر بوضوح، حتى أصبح يساعد زملاءه في شرح المواد الدراسية، وفي نهاية المرحلة الجامعية حقق معدلاً بلغ 76.6 في قسم الفيزياء، وهو معدل مرتفع نسبياً في هذا الاختصاص، أهله ليكون ضمن أوائل دفعته.

ويستذكر نور الدين، لحظة إبلاغ عائلته بالنتيجة، مؤكداً أن الفرحة عمّت المنزل، وأن والده شعر بفخر كبير بابنه الذي حوّل ظروف الحرب والانقطاع عن الدراسة إلى قصة نجاح.

ولا يخفي نور الدين أن أكثر ما كان يؤلمه خلال سنوات الدراسة هو النظرة السائدة إلى تخصص الفيزياء، إذ اعتاد سماع السؤال: "لماذا تدرس الفيزياء إذا كان مصيرك أن تصبح مدرساً فقط؟"، لكنه كان يرى الأمر من زاوية مختلفة، ويؤمن أن الفيزياء تشكل أساس معظم العلوم الحديثة، وأن هذا التخصص، رغم الصعوبات التي يواجهها في سوريا، يبقى ركيزة لكثير من المجالات العلمية، مشيراً إلى أن أعداد الطلاب في القسم تتراجع عامًا بعد عام بسبب صعوبة الدراسة واستسلام كثيرين قبل إكمال الطريق.

وعن طموحاته، يقول إنه يتمنى أن يشهد قسم الفيزياء مزيداً من التطور، وأن يواكب ما وصلت إليه الجامعات المتقدمة في العالم، فيما يستعد اليوم لبدء السنة الأولى في الدراسات العليا، واضعاً نصب عينيه مواصلة مسيرته العلمية، سواء عبر العمل في البحث العلمي أو الوصول مستقبلًا إلى التدريس الجامعي.

ويختتم نور الدين، بتوجيه رسالة إلى الطلاب يؤد خلالها، أن الرغبة الحقيقية في التعلم هي التي تصنع الإنسان، مهما اشتدت الظروف، وأن التحديات لا ينبغي أن تكون سببًا للاستسلام، بل دافعاً يدفع الإنسان إلى التفوق وتحقيق أحلامه.