أكد المفوض العام للـ"أونروا" بالإنابة، كريستيان سوندرز، أن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" تواجه واقعاً سياسياً وتشغيلياً ومالياً جديداً، يتطلب التفكير والتصرف بطرق مختلفة، بما يضمن استمرار تقديم الخدمات الحيوية للاجئي فلسطين والحفاظ على ولايتها الأممية.

وجاءت تصريحات سوندرز في كلمته أمام اجتماع اللجنة الاستشارية للـ"أونروا"، حيث أعرب عن تقديره للبرازيل، رئيسة اللجنة الاستشارية المنتهية ولايتها، على دعمها للوكالة، كما شكر بلجيكا ومصر، نائبي الرئيس، وأستراليا والأردن وأيرلندا على قيادتهم للجنة الفرعية، مثمناً دعم الدول الأعضاء للوكالة في مرحلة وصفها بالعصيبة.

ولاية "أونروا" مستمرة رغم تغير الواقع

قال سوندرز إن لاجئي فلسطين و"أونروا" صمدوا معاً أمام العديد من الأزمات منذ تأسيس الوكالة عام 1949، مشيراً إلى أنّ العالم تغيّر بصورة كبيرة منذ ذلك الحين، غير أن ولاية "أونروا" التي منحتها الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أكثر من سبعة عقود لم تتغير.

وشدد على أن الوكالة ماضية في خدمة لاجئي فلسطين وتمكينهم من عيش حياة كاملة وكريمة، مؤكداً أنّ التحديات الحالية لا تعني التراجع عن الولاية، بل تستدعي التكيف لحمايتها وضمان استمرارها.

غزة: "أونروا" أكبر وكالة إنسانية عاملة في القطاع

أوضح سوندرز أنّ "أونروا" تواصل عملها في قطاع غزة رغم الظروف التشغيلية القاسية، مشيرًا إلى أن 390 من موظفي الوكالة قدموا "أعظم تضحية"، فيما أصيب آلاف آخرون أو تعرضوا للتنكيل وسوء المعاملة.

وأكد أنّ "أونروا" لا تزال أكبر وكالة إنسانية في غزة، والأكثر قدرة على تقديم الخدمات على نطاق واسع، لافتاً إلى أنّ موظفيها يعملون على تخفيف ظروف التجويع والمعاناة بين لاجئي فلسطين، وهي مهمة قال إنها ما زالت وثيقة الصلة اليوم كما كانت عند إنشاء الوكالة.

دور حيوي في التعافي والحوكمة

اعتبر سوندرز أنّ "أونروا" تُمثّل رصيداً لا يقدر بثمن لرفاه السكان في غزة، ولجهود التعافي والحوكمة والسلام المستدام، مشيراً إلى أنّ قوتها العاملة في القطاع، البالغ عددها 11 ألف موظفة وموظف، وشبكاتها الخدمية، والثقة التي تحظى بها لدى المجتمع، تجعلها عنصراً حيوياً في أي مسار لإدارة غزة وتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة.

الصحة والمياه والتعليم في غزة

أشار سوندرز إلى أنّ "أونروا" تُعد أكبر مزود منفرد للرعاية الصحية الأولية في غزة، حيث أجرت أكثر من 18 مليون استشارة صحية منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

وأوضح أنّ أكثر من 1300 عامل في مجال الرعاية الصحية يقدمون نحو 80 ألف استشارة طبية أسبوعياً، إلى جانب دعم الصحة العامة من خلال حملات التحصين، وفحوصات التغذية، واختبارات جودة المياه، وحملات مكافحة الآفات.

وأضاف أنّ أكثر من مليون شخص يستفيدون من آبار المياه وأنظمة التحلية وخدمات إدارة النفايات التي توفرها الوكالة.

وفي قطاع التعليم، أكّد أنّ "أونروا" تواصل تقديم التعليم في حالات الطوارئ والدعم النفسي والاجتماعي، من خلال أدوات رقمية توفر أنشطة القراءة والكتابة والحساب الأساسية لأكثر من 280 ألف طفل في غزة، بمساندة نحو 7500 معلم يستخدمون مواد التعلم الذاتي التي طورتها الوكالة.

كما أشار إلى توسع نطاق التعليم الحضوري عبر مساحات تعلم مؤقتة تستوعب حاليًا نحو 60 ألف طفل.

الضفة الغربية: تفاقم النزوح والقيود العسكرية

وحذّر سوندرز من تفاقم الوضع في الضفة الغربية المحتلة يوماً بعد يوم، مشيراً إلى تمديد الأوامر العسكرية بإغلاق مخيمات طولكرم ونور شمس وجنين حتى نهاية تموز/ يوليو، ما يحول دون عودة 33 ألف نازح إلى منازلهم.

ووصف هذا النزوح بأنه الأكبر للاجئي فلسطين منذ عام 1967، مؤكداً أنّ "أونروا" لا تزال أكبر جهة إنسانية تستجيب لهذه الأزمة، إذ تُقدّم الرعاية الصحية لـ92% من النازحين، وتوفر التعليم لـ4200 طفل نازح في مدارسها وأماكن التعلم المؤقتة، إلى جانب المساعدات النقدية والدعم النفسي والاجتماعي.

عنف المستوطنين والضغط على السلطة الفلسطينية

وقال سوندرز إن خدمات "أونروا" في مجالات الصحة والتعليم والدعم الاجتماعي والحماية تساهم في توفير قدر من الاستقرار لحياة نحو مليون لاجئ فلسطيني في الضفة الغربية، في ظل تكثيف العمليات العسكرية "الإسرائيلية"، وتصاعد عنف المستوطنين، والضغط الهائل على السلطة الفلسطينية.

الشيخ جراح: انتهاك لامتيازات الأمم المتحدة

اعتبر سوندرز أن استيلاء السلطات "الإسرائيلية" على مجمع "أونروا" في الشيخ جراح، بهدف بناء مجمع دفاع للجيش "الإسرائيلي"، يُشكّل ضربة قاسية للاجئي فلسطين، وانتهاكاً غير مقبول لامتيازات وحصانات الأمم المتحدة.

وأكد أن الوكالة تواصل معالجة هذا الملف على أعلى المستويات.

لبنان وسوريا والأردن: اعتماد متواصل على خدمات الوكالة

أكّد سوندرز أنّ اعتماد لاجئي فلسطين على خدمات "أونروا" لا يزال كبيراً خارج الأرض الفلسطينية المحتلة.

ففي لبنان، أشار إلى أن التفاوتات الهيكلية العميقة تجعل لاجئي فلسطين يعتمدون بشكل كبير على خدمات الرعاية الصحية والتعليم والدعم الاجتماعي، إضافة إلى فرص كسب العيش التي توفرها الوكالة.

وفي سوريا، قال إنّ العديد من لاجئي فلسطين لا يزالون نازحين أو عادوا إلى منازل وبنى تحتية متضررة بشدة، وسط محدودية الخدمات والوظائف والحماية القانونية، ما يجعل مساعدات الأونروا شريان حياة لهم.

أما في الأردن، فأوضح أن الفئات الضعيفة، بمن فيهم لاجئو فلسطين القادمون من سوريا وأماكن أخرى، ما زالوا يعتمدون على خدمات الوكالة رغم حالة الاستقرار النسبي.

تعزيز الاعتماد على الذات وفرص الشباب والنساء

شدد سوندرز على ضرورة تكيف "أونروا" مع الواقع الجديد، والعمل بطرق أكثر فعالية وكفاءة واستدامة لتلبية احتياجات لاجئي فلسطين.

وأوضح أن ذلك يشمل تعزيز اعتماد اللاجئين على أنفسهم، ومنحهم قدرة أكبر على التحكم في حياتهم، خصوصاً عبر توفير فرص أفضل للشباب للتعلم وتطوير المهارات، وتمكينهم من دخول أسواق العمل الحالية والمستقبلية.

كما أكد ضرورة توفير بيئات آمنة وراعية للنساء والفتيات، تدعم قدرتهن على الازدهار والقيادة.

لا تسامح مع أي انتهاك أو سوء سلوك

تطرق سوندرز إلى الاتهامات المتكررة المتعلقة بحياد "أونروا"، مؤكداً أنّ الوكالة لا تتسامح مطلقاً مع أي انتهاك للحياد أو أي شكل من أشكال سوء السلوك.

وقال إنّ سياسة "أونروا" بشأن الأنشطة الخارجية والسياسية تؤكّد أنّ الآراء والمعتقدات الشخصية مصونة، لكن على الموظفين الالتزام بقيم ومبادئ ومعايير الأمم المتحدة في جميع الأوقات.

وشدد على أنّ مشاركة الموظفين في أنشطة أي جماعة مقاتلة أو مسلحة أو الانتماء إليها أمر محظور بشكل واضح.

تنفيذ 80% من توصيات مراجعة الحياد

أعلن سوندرز أن "أونروا" أحرزت تقدّماً مطرداً في تنفيذ توصيات المراجعة المستقلة لحياد الوكالة التي أجرتها كاترين كولونا عام 2024، مشيراً إلى تنفيذ 40 توصية من أصل 50 بشكل كامل، أي ما نسبته 80%.

وأضاف أن العمل جارٍ على تنفيذ عدد من التوصيات المتبقية، معتبراً أنّ إنشاء فريق العمل المعني بقضايا الحياد والنزاهة يعكس التزام الدول الأعضاء بدعم الوكالة ودمج الرقابة على الحياد ضمن إطار حكومي دولي.

أزمة مالية غير محتملة تهدد عمليات الأونروا

حذر سوندرز من أن الوضع المالي للــ"أونروا" لم يعد محتملاً، وأنّ استمرارية عملياتها في المنطقة باتت على المحك.

وأوضح أنّ إجراءات التقشف وضبط التكاليف، التي بلغت قيمتها 175 مليون دولار عام 2025، إضافة إلى الإدارة الصارمة للتدفقات النقدية، ساهمت في منع خسارة واسعة للوظائف إلى حد كبير.

لكنه أشار إلى أن الأونروا اضطرت في كانون الثاني/ يناير من هذا العام إلى تقليص ساعات تقديم الخدمات بنسبة 20%، وخفض رواتب معظم الموظفين الفلسطينيين بالنسبة نفسها.

وأكد أنه رغم هذه الإجراءات، لا يزال هناك عجز في التدفقات النقدية بقيمة 100 مليون دولار لعام 2026.

التقشف ليس حلاً مستداماً

شدد سوندرز على أن إجراءات التقشف الصارمة لا يمكن أن تستمر إلى أجل غير مسمى، لأنها غير مستدامة على المدى الطويل، وتترك آثاراً خطيرة على لاجئي فلسطين وموظفي "أونروا"، وتفاقم المصاعب التي يتحملونها أصلاً.

وأكد أن إعادة عمليات "أونروا" إلى نطاقها وجودتها السابقين، أو منع المزيد من التدهور، لن يكون ممكناً دون تدفق كبير من التمويل الجديد.

تطوير نموذج أكثر استدامة للخدمات

قال سوندرز إنّ استمرار تنفيذ ولاية "أونروا" يتطلّب تكيف الوكالة مع الواقع السياسي والمالي العالمي، مع الحفاظ على الحماية كمحور أساسي لعملها.

وأوضح أن المرحلة المقبلة ستشهد تركيزاً أكبر على مبادرات التنمية وسبل العيش، إلى جانب الحفاظ على قدرة الوكالة على الاستجابة الفعالة للأزمات الإنسانية.

وأضاف أنّ "أونروا" تسعى إلى تقديم الخدمات الأساسية للاجئي فلسطين بطريقة أكثر فعالية من حيث التكلفة، وأكثر كفاءة ومرونة واستناداً إلى البيانات، من خلال الاستفادة من التقنيات الحديثة والتعاون الوثيق مع الدول المضيفة.

دعوة إلى دعم سياسي ومالي قوي

اختتم سوندرز كلمته بالتأكيد أن الوضع الراهن للـ"أونروا" غير قابل للاستمرار، وأن القيادة العليا للوكالة ملتزمة ببذل كل ما هو ضروري لصون ولاية "أونروا" في حماية لاجئي فلسطين ومساعدتهم.

وشدد على أن الوكالة لن تنجح في ذلك إلا بدعم سياسي ومالي قوي من الدول الأعضاء، ومن خلال شراكات راسخة مع منظومة الأمم المتحدة والقطاع الخاص وغيرهما.

وأكد أن هدف "أونروا" خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة هو جعل الوكالة أكثر استدامة مالياً وقابلية للدعم، عبر الحد من الازدواجية والتكرار، واعتماد نماذج تشغيلية أكثر فعالية، خصوصاً بالتعاون مع الدول المضيفة، مع حماية خدمات الخطوط الأمامية لمن يعتمدون عليها.

ودعا سوندرز الدول الأعضاء إلى الاضطلاع بدورها واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية حقوق لاجئي فلسطين وولاية "أونروا"، ودعم السلام والاستقرار الإقليميين.