في مخيمات شمالي الضفة الغربية، لم تعد النكبة حدثًا مؤرخًا في عام 1948، بل واقعًا يتجدد يوميًا تحت وقع الاقتحامات والحصار والجرافات العسكرية، من جنين إلى طولكرم ونور شمس والفارعة، تتعرض المخيمات لسياسة ضغط مركبة تستهدف المكان والإنسان والذاكرة، عبر تدمير البنية التحتية، وإخلاء المنازل، ومنع العودة، وتحويل الحياة داخل المخيم إلى مستحيلة.

تكشف الأرقام حجم الكارثة، فقد قدّرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" أن نحو 33 ألف لاجئ فلسطيني لا يزالون في حالة نزوح قسري من مخيمات شمالي الضفة، خصوصًا جنين ونور شمس وطولكرم، بعد أن هدمت قوات الاحتلال مساحات واسعة من هذه المخيمات، بما قلّص فرص تعافيها وعودة سكانها، ولم تشهد الضفة الغربية موجة تهجير بهذا الحجم منذ نكسة عام 1967، ما يمنح المشهد بعدًا سياسيًا وتاريخيًا يتجاوز توصيفه كعملية عسكرية عابرة.

استهداف المخيم محاولة لشطب فكرة اللاجئ الفلسطيني

يرى الكاتب والمحلل السياسي ثائر أبو عياش أن ما يجري في هذه المخيمات لا يمكن فصله عن النكبة الأولى، بل هو استمرار لها بأدوات جديدة، ويقول: إن سياسات الحصار والاقتحامات والتجريف في مخيمات طولكرم وجنين ونور شمس والفارعة تعيد إنتاج مشاهد النكبة بصيغة معاصرة، لكنها لا تأتي بوصفها حدثًا منفصلًا، بل امتداد لممارسات مستمرة منذ عام 1948، تقوم على محو المكان وذاكرته ودفع السكان إلى الخروج منه.

ويؤكد أبو عياش أن ما تنفذه قوات الاحتلال في المخيمات ليس مجرد عمليات عسكرية عابرة، كما يحاول كيان الاحتلال تسويقها، بل سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الوعي الفلسطيني وضرب الذاكرة الجمعية للنكبة، فالمخيم، وفق قراءته، ليس تجمعًا سكنيًا فقط، بل شاهد مادي وسياسي على قضية اللاجئين وحق العودة، ولذلك يصبح استهدافه محاولة لشطب فكرة اللاجئ الفلسطيني نفسها.

استمرار للنكبة بأدوات جديدة

منذ مطلع عام 2025، صعّدت قوات الاحتلال عدوانها على مخيمات شمالي الضفة الغربية في إطار العملية التي أطلقت عليها اسم "الجدار الحديدي"، مستهدفة مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس ومحيطها، بذريعة ملاحقة المقاومة، لكن حجم التدمير الذي طال المنازل والشوارع وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي كشف أن الهدف يتجاوز البعد الأمني المعلن، ليطال قدرة المخيم على الاستمرار كمساحة اجتماعية ووطنية حية.

وتشير المعطيات إلى أن عشرات آلاف اللاجئين الفلسطينيين نزحوا من مخيمات شمالي الضفة بفعل العمليات العسكرية، فيما فقدت مئات العائلات منازلها وممتلكاتها، واضطرت إلى اللجوء للمدارس والقاعات المؤقتة أو الإقامة عند الأقارب، وفي ظل تدمير البنية التحتية الأساسية، تحوّل النزوح من حالة مؤقتة إلى واقع مفتوح، خصوصًا مع منع كثير من السكان من العودة أو عجزهم عن السكن في منازل دمرتها الجرافات أو جعلتها غير صالحة للحياة.

في هذا السياق، يربط أبو عياش بين تدمير المخيمات واستهداف "أونروا"، معتبرًا أن محاولات شطب الوكالة أو تقليص دورها لا تنفصل عن محاولة شطب رمزية المخيم، فـ"أونروا"، بالنسبة للاجئين، ليست مجرد مؤسسة خدماتية، بل شاهد دولي على قضية اللجوء وحق العودة، ولذلك فإن استهدافها يتقاطع مع ضرب مراكز الخدمات داخل المخيمات وتفكيك البنية الإدارية والاجتماعية التي تحفظ ذاكرة اللجوء.

ويضيف أبو عياش أن قوات الاحتلال عملت خلال الفترة الأخيرة على تغيير معالم المخيمات، عبر تجريف الشوارع، وتدمير شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، وقطع شرايين الحياة، بما جعل المخيم نفسه منطقة منكوبة، ويرى أن الحصار المطبق ومنع السكان من العودة وخنق الاقتصاد المحلي كلها أدوات تهدف إلى تحويل المخيم إلى بيئة طاردة، لا مكانًا مؤقتًا يحفظ حق العودة كما ظلَّ في الوعي الفلسطيني.

الحصار والهدم كأداة تهجير

في طولكرم ونور شمس، يظهر الحصار كأداة تهجير بطيء، فالاقتحامات المتكررة لم تقتصر على اعتقال الشبان أو مداهمة المنازل، بل شملت تجريف الطرق الداخلية، وتدمير المحال والمنشآت، وإغلاق المداخل، وتعطيل التعليم والعمل والخدمات الصحية. بهذه السياسة، لا يصبح الهدف فقط تنفيذ عملية عسكرية، بل جعل الحياة اليومية داخل المخيم شديدة القسوة إلى حد يدفع السكان إلى النزوح أو البقاء تحت ضغط دائم.

أما في جنين، فيتخذ الاستهداف بعدًا رمزيًا إضافيًا، فالمخيم الذي ارتبط عبر السنوات بصورة الصمود والمقاومة، تعرض لاجتياحات واسعة استخدمت فيها قوات الاحتلال الجرافات والمدرعات والطائرات المسيّرة. ويقول أبو عياش: إن ما يجري هناك لا يستهدف البنية المسلحة فقط، بل يضرب صورة المخيم كمركز للذاكرة الوطنية، ويحاول تفكيك قدرته على البقاء كحاضنة اجتماعية وسياسية للاجئين الفلسطينيين.

ويمتد النمط ذاته إلى مخيم الفارعة، حيث تظهر الاقتحامات والاعتقالات وترهيب العائلات بوصفها جزءًا من سياسة أوسع لا تقتصر على شمال الضفة، فكل مخيم يدخل دائرة الاستهداف يحمل رسالة لبقية المخيمات: الوجود الفلسطيني نفسه تحت الضغط، واللاجئ مطلوب منه أن يعيش بلا استقرار، وبلا أفق عودة، وبلا مكان قادر على احتضان ذاكرته.

الاحتلال يتعامل مع المخيمات كعائق أمام المشروع الاستيطاني

ويرفض أبو عياش توصيف ما يحدث بأنه إجراءات أمنية مؤقتة، معتبرًا أن ذريعة "مواجهة المقاومين" باتت مستهلكة أمام حقيقة ما يجري على الأرض، ويقول إن كيان الاحتلال: يبحث دائمًا عن مبرر أمني لتطبيق خطة أوسع في الضفة، مرتبطة بمنطق الضم والحسم، حيث يجري التعامل مع المخيمات باعتبارها عائقًا سياسيًا ورمزيًا أمام المشروع الاستيطاني.

ويصف أبو عياش ما يجري بأنه "اقتلاع بنيوي ووظيفي ممنهج"، يستهدف المخيم باعتباره الشاهد المادي الوحيد على قضية اللاجئين، فالمطلوب، وفق قراءته، ليس فقط تدمير المنازل، بل ضرب الهوية والأرشفة والذاكرة، وتفكيك المؤسسات التي تحفظ معنى اللجوء، لذلك، يربط بين استهداف المخيمات ومحاولات فرض شروط "إسرائيلية" على أي عودة محتملة للسكان، تصل إلى حد شطب كلمة "لاجئ" من تعريف سكان المخيم.

إعادة الإعمار المشروطة وخطر تفريغ المخيم

هنا تتضح خطورة مشاريع إعادة الإعمار المشروطة، فحين يربط كيان الاحتلال إعادة بناء المخيمات بتنسيق أمني مع جيشه، وضمان حرية حركته داخلها، وتقليص دور "أونروا" أو استبعادها، يصبح الإعمار نفسه أداة لإعادة تعريف المخيم لا لإعادة الحياة إليه، وبهذا المعنى، قد يتحول إعمار المخيمات من عملية إنسانية إلى محاولة سياسية لتفريغها من رمزيتها كفضاءات لجوء وحق عودة.

ولا تعمل قوات الاحتلال وحدها في هذه السياسة، فالمستوطنون، وفق أبو عياش، يمثلون جزءًا أساسيًا من منظومة متكاملة تقوم على توزيع الأدوار، ويصف العلاقة بين قوات الاحتلال والمستوطنين بأنها "استراتيجية ابتلاع مزدوجة"، إذ تتولى قوات الاحتلال الهدم والتجريف والاقتحامات وتدمير البنية التحتية، فيما يجعل المستوطنون الحياة اليومية للفلسطينيين مستحيلة عبر الاعتداءات، وحرق المنازل والمركبات، وسرقة الأغنام، والهجوم على المدارس والأراضي الزراعية.

ويشدد أبو عياش على أن المستوطن لا يتحرك بمعزل عن جيش الاحتلال، بل يعمل تحت غطاء عسكري وقانوني واضح، فحالات محاسبة المستوطنين على اعتداءاتهم تكاد تكون معدومة، بينما تتحول حمايتهم من قبل قوات الاحتلال إلى قاعدة ميدانية، ويرى أن الأخطر في المرحلة المقبلة هو تحوّل المستوطن نفسه إلى امتداد مباشر للجندي "الإسرائيلي"، خاصة أن كثيرًا من الاعتداءات تُنفذ بلباس عسكري أو بحماية مباشرة من قوات الاحتلال.

استهداف الريف الفلسطيني لعزل المخيمات

وتنعكس هذه المعادلة على القرى والبلدات المحيطة بالمخيمات، حيث يمارس المستوطنون ضغطًا متواصلًا على الريف الفلسطيني. ويعتبر أبو عياش أن استهداف الريف مسألة مركزية في سياسة كيان الاحتلال، لأنه يشكل حلقة الوصل بين المدن والمخيمات والقرى، ومن خلال الاعتداءات والبوابات العسكرية والاقتحامات وإغلاق الطرق، يجري تفريغ الريف من سكانه أو دفعهم إلى العزلة، بما يحول الضفة الغربية إلى كانتونات منفصلة.

وتتطور اعتداءات المستوطنين، بحسب أبو عياش، من حيث الكم والنوع، فهي لم تعد حوادث عشوائية أو فردية، بل هجمات ممنهجة تستهدف محو الوجود الفلسطيني وتغيير الواقع الديموغرافي لصالح المشروع الاستيطاني، ويضاف إلى ذلك تشريعات ومشاريع "إسرائيلية"، مثل محاولات السيطرة على الآثار والتراث، بما يكشف أن سياسة الضم لا تجري فقط عبر السلاح والجرافة، بل أيضًا عبر القانون والرواية والهوية.

المخيم شاهد النكبة وهدفها المتجدد

بهذا المعنى، تتكامل أدوات الاقتلاع: اقتحام عسكري من الداخل، وضغط استيطاني من المحيط، وحصار اقتصادي وخدماتي، ومحاولة قانونية وسياسية لتغيير تعريف المكان، والنتيجة واحدة: دفع الفلسطيني إلى النزوح التدريجي، لا بالضرورة عبر تهجير جماعي دفعة واحدة كما جرى عام 1948، بل عبر جعل البقاء نفسه معركة يومية مرهقة.

إن مفهوم النكبة المستمرة يصبح هنا أكثر من توصيف سياسي، ففي عام 1948، هُجّر الفلسطينيون من قراهم ومدنهم، ونشأت المخيمات بوصفها أماكن مؤقتة بانتظار العودة. واليوم، يتعرض أحفاد اللاجئين في هذه المخيمات لسياسات تعيد إنتاج الاقتلاع، وتستهدف المكان الذي حفظ ذاكرتهم الجماعية وحقهم السياسي.

لا يمكن النظر إلى مخيمات الضفة بوصفها ساحات أمنية كما يروج الاحتلال،. فهي عنوان حي لقضية اللاجئين، وشاهد يومي على النكبة، ومساحة رمزية يرفض كيان الاحتلال استمرارها بمعناها السياسي، وما يجري فيها من حصار وتجريف وتهجير، وما يرافقه من عنف منظم للمستوطنين، ليس إلا محاولة لإعادة إنتاج النكبة بأدوات جديدة. لذلك، فإن الدفاع عن المخيمات هو دفاع عن الذاكرة والهوية وحق العودة، لا عن مكان جغرافي فقط.