نظمت اللجنة الشعبية للاجئين في مخيم جباليا ندوة ثقافية فوق الركام والدمار، تحت شعار: "لن نرحل.. جذورنا أعمق من دماركم"، إحياءً للذكرى الـ78 للنكبة الفلسطينية، وتأكيدًا على تمسك اللاجئين بحق العودة ورفض التهجير ومحاولات تصفية قضيتهم.

وشارك في الندوة عدد من الوجهاء والمخاتير والمثقفين والشباب وممثلي المؤسسات والجمعيات المحلية، في مشهد حمل دلالات رمزية في ظل ما يعيشه قطاع غزة من حرب إبادة وتدمير واسع طال الإنسان والمكان، وأعاد إلى الواجهة مأساة اللجوء والتهجير التي بدأت عام 1948 وما زالت آثارها قائمة حتى اليوم.

وفي كلمته، قال رئيس اللجنة الشعبية للاجئين في مخيم جباليا، ماجد عكاشة، إن إحياء الذكرى الـ78 للنكبة يستحضر واحدة من أكبر الجرائم الإنسانية في التاريخ المعاصر، بعدما تعرّض الشعب الفلسطيني عام 1948 لتهجير قسري واسع، تخلله تدمير أكثر من 500 قرية ومدينة فلسطينية وتهجير ما يزيد على 750 ألف فلسطيني من ديارهم، إلى جانب مجازر ارتُكبت بحق المدنيين، أبرزها مجزرة دير ياسين.

وأكد عكاشة أن النكبة لم تكن حدثًا عابرًا في التاريخ الفلسطيني، بل جريمة مستمرة تتجدد آثارها عبر اللجوء والحرمان من العودة، وسياسات التهجير والتدمير التي يواصلها الاحتلال حتى اليوم. وأضاف أن ملايين اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية والشتات ما زالوا محرومين من حقهم في العودة إلى ديارهم التي هُجّروا منها وفقدوا فيها الأرض والممتلكات.

وشدد على أهمية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، التي تأسست بقرار أممي عام 1949، بوصفها شاهدًا دوليًا وقانونيًا على قضية اللاجئين الفلسطينيين. وأكد رفض أي محاولات لإنهاء دورها أو تعطيل خدماتها أو خلق بدائل عنها قبل حل قضية اللاجئين حلًا عادلًا يضمن حق العودة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

وأشار عكاشة إلى أن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة يتعرض منذ أكثر من عامين لحرب إبادة طالت البشر والحجر والشجر، لكن ذلك لم ينجح في كسر تمسكه بهويته ومفتاح العودة. وقال إن الفلسطينيين، رغم انعدام مقومات الحياة، ما زالوا يرفعون شعار البقاء والتمسك بالأرض والحقوق الوطنية.

من جانبه، تناول الخبير والمستشار القانوني الدكتور سمير ظاهر البعد القانوني للنكبة الفلسطينية، مؤكدًا أنها ليست مأساة إنسانية فقط، بل قضية قانونية ما زالت آثارها قائمة. وأوضح أن تهجير مئات آلاف الفلسطينيين من قراهم ومدنهم يندرج في إطار التهجير القسري للسكان المدنيين، وهو انتهاك واضح لمبادئ القانون الدولي الإنساني التي تحظر طرد السكان من أراضيهم بالقوة وتؤكد حمايتهم في أوقات النزاعات.

وأكد ظاهر أن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة يستند إلى قرارات دولية واضحة، في مقدمتها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، الذي أكد حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم والتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم. ولفت إلى أن هذا القرار يشكل أحد الأسس القانونية الدولية التي تثبت عدالة القضية الفلسطينية وشرعية مطالب اللاجئين.

كما أشار إلى أن مصادرة أراضي الفلسطينيين وممتلكاتهم، عبر قوانين وتشريعات فرضها كيان الاحتلال، تتعارض مع المبادئ القانونية الدولية التي تحمي الملكية الخاصة وتمنع مصادرتها دون وجه حق أو تعويض عادل. وبيّن أن باحثين وقانونيين يعدّون ما جرى عام 1948 شكلًا من أشكال التطهير العرقي، بالنظر إلى حجم التهجير وطبيعته المنظمة واستهدافه مجموعة سكانية بعينها.

وتحدث المختار أبو إياد أبو عليان عن البعد الاجتماعي للنكبة، مؤكدًا أنها لم تعنِ فقدان الأرض فقط، بل أحدثت زلزالًا عميقًا في بنية المجتمع الفلسطيني. وقال إن تهجير أهالي القرى والمدن، ومن بينهم أهالي قرية دير سنيد، نقل الفلسطينيين من حياة قائمة على الأرض والزراعة والترابط العائلي إلى واقع اللجوء والمخيمات.

وأضاف أن اللاجئين أعادوا بناء مجتمعاتهم داخل المخيمات بإمكانات محدودة، لكن بروح عالية من التضامن والتكافل، مشيرًا إلى أن العائلة الفلسطينية لعبت دورًا محوريًا في حفظ الهوية ونقل الذاكرة الجماعية من جيل إلى آخر.

وأكد أن أبناء القرى المهجرة تمسكوا بعاداتهم وتقاليدهم ومناسباتهم الاجتماعية، حفاظًا على جذورهم ومقاومة لمحاولات الذوبان في واقع اللجوء. واعتبر أن البعد الاجتماعي للنكبة يبقى شاهدًا على قدرة الفلسطيني على الصمود وإعادة بناء حياته دون التخلي عن حقه في العودة إلى أرضه.

وفي ختام الندوة، أكد المشاركون أن إحياء ذكرى النكبة فوق ركام مخيم جباليا يحمل رسالة واضحة بأن اللاجئين الفلسطينيين باقون على أرضهم ومتمسكون بحقوقهم الشرعية والدولية، وفي مقدمتها حق العودة، وأن شعار “لن نرحل.. جذورنا أعمق من دماركم” يعبر عن إرادة شعب يرفض التهجير ويتمسك بهويته وذاكرته الوطنية.