عمايري يكشف ما حصل معه في القضاء العسكري ومحادثات بينه وبين أمجد يوسف
في الجزء الأول من هذه الشهادة، روى اللاجئ الفلسطيني زياد عمّايري تفاصيل اعتقال عشرة من أفراد عائلته في حيّ التضامن عام 2013، بعد مداهمة منزل شقيقته في شارع نسرين، واختفائهم القسري منذ ذلك الحين دون معرفة مصيرهم.
أما في هذا الجزء، فيكشف عمّايري ما واجهه داخل أروقة القضاء العسكري، حين حاول رفع دعوى قضائية على من اعتقل عائلته، ليتعرض إلى مواقف عززت مأساته، وواجه انتهاكات داخل المؤسسات القضائية، وضغوطًا وتهديدات، كما انتقد مسار العدالة الانتقالية في سوريا وبطء تطبيق العدالة، مطالبًا بمحاسبة جميع المتورطين.
دعوى قضائية تتحول إلى اعتقال… انتهاكات داخل القضاء العسكري
يقول زياد عمّايري في شهادته: "رفعنا دعوى عام 2021 لدى القضاء العسكري، وعندما وصلنا إلى المكتب الذي تُسجَّل فيه الدعاوى، سألنا الموظف: أعطِنا الأسماء ومن الذي اعتقلهم".
يتابع زياد: قلت له: "صالح الراس، المعروف بأبو منتجب"، بعد ذلك غضب العنصر المسؤول عن تسجيل الدعوى، وانهال عليّ بالشتائم، حتى أنه شتم الذات الإلهية، ثم اعتقلوني لمدة ثماني ساعات، تعرّضت خلالها للضرب المبرح والتكسير.
وبعد ذلك جرى منع زياد من دخول القضاء العسكري، ويقول: "بعد ذلك مُنعت من دخول القضاء العسكري، وقال لي أحد الضباط: لو أنك سببتَ الرب لكان أهون، ارفع دعوى على ربك، ولكن لا ترفعها على أبو منتجب".
ويضيف: "ومع ذلك أصررت، فحصل احتكاك بيني وبين أحد العناصر، فجاؤوا وأخذوني وانهالوا عليّ ضربًا. كان والدي واقفًا في الخارج، ثم قالوا إنهم سيفرجون عني كرماله هذه المرة، لكن سيتم وضع اسمي على باب القضاء العسكري كأحد الممنوعين من الدخول".
ويضيف عمّايري: "رغم ذلك، بقيت مصرًّا حتى وصلت إلى القاضي الأول، فقال لي: ما الأمر يا زياد؟ فشرحت له ما حدث، فقال لي: أتضرب عسكريًا؟ فأجبته: نعم، أضرب عسكريًا، أنا أرفع دعوى من أجل أمي".
فردّ عليه القاضي قائلًا: "يا عمايري، هل تعلم أن أبو منتجب لديه ثمانية آلاف مقاتل في التضامن؟ وإذا أردتُ اعتقاله سينتشر هؤلاء في دمشق وتسقط البلاد". ثم قال: "هذا ما تريده؟ اكتب الدعوى، ونحن نحيلها إلى الشرطة"، وكان المقصود عمليًا تهميشها ووضعها جانبًا، أي أنهم يؤدون شكليًا واجبهم في تسجيل الدعوى دون اتخاذ أي إجراء فعلي، حسبما أضاف عمايري.
العيش تحت التهديد… وتواصل مع متهمين ومحادثة مع يوسف
ويتابع: "خلال تلك الفترة، كنت أرسل تهديدات لأبو منتجب عبر أشخاص، وكنت أعتبر نفسي ميتًا في كل لحظة، إذ لم أكن أخرج من المنزل وأنا واثق من عودتي. كان هذا الشعور دائمًا يلازمني، لأن مجرد انتمائي إلى عائلة عمايري في التضامن كان يعد تهمة بحد ذاته، خاصة بعد أن كثر الحديث عن اعتقال أفراد من عائلتنا في تلك الفترة".
ويضيف موضحًا: "تاريخ الاعتقال كان في 16-06-2013، وكنت حينها في لبنان. ولو كنت موجودًا، لما خرج أهلي من المنزل ما دمت حيًا، وكان من الممكن أن أقتل ثم أعتقل".
ويقول: "كان أبو منتجب يرد أحيانًا على الرسائل، ويقترح التفاوض على إخراج المعتقلين مقابل طلبات غريبة، مثل طلب سهرات ومشروبات وغيرها، لكنه اعترف صراحة أنهم لديه. وبكل صدق، وأنا أروي هذه التفاصيل، كنت دائمًا أشعر أن الأمن قد يداهم منزلي في أي لحظة ويعتقلني، لكنني كنت أرى في ذلك -موتة عز-، لأنني أطالب بحقي".
كما يضيف: "طالبت بعقد جلسة علنية مصوّرة بيني وبين أمجد يوسف، إذ توجد بيني وبينه محادثة على "فيسبوك" اعترف فيها بأنه تسلّم أربعة أشخاص من عائلة العمايري عبر الشبيح المدعو "أبو حيدر ماريا"، وأنهم كانوا شبانًا ومسلحين.
كما اعترف يوسف في المحادثات أنه شارك في قتل أشخاص في التضامن، وهدد بملاحقة كل "سني"، على حد تعبيره. وفي إحدى المرات قال إن فادي صقر قتل أكثر منه بأربع مرات، وإنهم كانوا يعوّلون على "قسد" للوقوف إلى جانبهم. وكان أسلوبه دائمًا يحمل طابع التهديد، إذ قال لي إنه يحتفظ بكل معلوماتي، وأن حكومتي لن تفعل شيئًا"، حسبما أكد عمايري في شهادته.
"خلي عينك على حلب" … يوسف كان يواصل التهديد
ويتابع عمّايري: "كان أمجد يوسف يكرر عبارة: خلي عينك على حلب، في إشارة إلى المعركة التي شنتها قوات "قسد" الكردية، التي كانت تسيطر على منطقة الجزيرة السورية في يناير الفائت، على مدينة حلب وفشلها، ما جعلني أعيش في حالة ترقب دائم، خاصة مع وجود عناصر كثيرة من "الدفاع الوطني" في التضامن، ما جعلني أتوقع في أي لحظة أن أتعرض لإطلاق نار أو اغتيال".
صعوبات الإثبات وبقاء المتورطين في شارع نسرين
ويقول زياد: "اليوم، لا يزال العديد من المتورطين في شارع نسرين يعيشون بين الناس بشكل طبيعي. وبعد سقوط النظام، تقدمنا بشكاوى إلى الأمن العام ووزارة الداخلية، وكان هناك تجاوب، لكنهم طلبوا أدلة وصورًا".
ويتابع في هذا الشأن: "المشكلة أن كثيرًا من هؤلاء حذفوا حساباتهم على ‘فيسبوك’ بعد سقوط النظام، رغم أنهم كانوا ينشرون صورهم، ويفتخرون بقتالهم مع النظام. الوحيد الذي استمر بالنشر حتى اعتقاله كان أمجد يوسف، حيث نشر منشورات مسيئة وطائفية".
ويضيف: "خلال الوقفة التي جرت في التضامن احتفالًا باعتقال أمجد يوسف، طالب الأهالي بتمشيط المنطقة من جديد، مؤكدين أن هناك متورطين لا يزالون يعيشون بينهم. كما وصلت معلومات عن اعتقال عدد من الأشخاص، في حين حاول آخرون الفرار ونقل ممتلكاتهم، فتم منع نقل الأثاث دون موافقة أمنية للتحقق من الأسباب".
متورطون طلقاء ومطالب بتوسيع العدالة وإشراك الضحايا في المسار
ويشير عمّايري: "من بين الأسماء المتداولة، (أبو إياد) مختار شارع نسرين، الذي يُتهم بالمشاركة في الاعتقالات، لكن لا توجد أدلة موثقة ضده حتى الآن، في ظل إصرار الجهات الرسمية على ضرورة تقديم إثباتات واضحة".
ويضيف: "تلقيت اتصالًا من رقم مجهول يسألني إن كان لدي دليل على أن فادي صقر هو من اعتقل أهلي، فأوضحت أن المسؤول المباشر هو أبو منتجب، الذي كان يتبع لفادي صقر. وبحكم التسلسل، فإن المسؤولية تقع على من كان يشرف على المنطقة. ومع ذلك، لا يزال فادي صقر ينكر جميع التهم، بينما أؤكد ضرورة محاسبته".
ويؤكد: "لا أخشى شيئًا، وما زلت أنشر وأطالب بحقي، وأؤكد أن لا أحد مخوّل بالعفو في قضايا الدم، وأن الحكومة الجديدة في سوريا مطالبة بإحقاق العدالة".
ويتابع: "هنا بدأ انكساري. نشأت في ظل نظام حافظ الأسد، حيث كان القمع والاعتقال والترهيب وسائل دائمة لإسكات الناس، ولم نكن نجرؤ على الكلام؛ لأننا كنا نعرف ثمن الكلمة".
ويضيف: "اليوم، بعد كل ما حدث، أرى أن القاتل يجب أن يحاسب، لكنني، كابن لمعتقلة، منعت من رفع دعوى أو حتى من المطالبة بحقي بشكل طبيعي، رغم عدم وجود قرار رسمي يمنعني، لكن الواقع كان كذلك".
ويختم عمّايري هذا الجزء من شهادته بالقول: "أتمنى اليوم أن يتم إشراك أهالي المعتقلين والمفقودين في أي مسار يتعلق بقضاياهم، وأن يكون لهم دور في التشاور واتخاذ القرارات، وقد تواصلت بالفعل مع هيئة المفقودين في هذا الإطار".
شاهد/ي الجزء الثاني من شهادة اللاجئ الفلسطيني زياد عمّايري
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات