الجزء الأول من شهادته: زياد عمايري يكشف تفاصيل اختفاء عشرة من عائلته في التضامن
يقدّم اللاجئ الفلسطيني زياد عمّايري، ابن مخيم اليرموك في سوريا، شهادةً مفصّلة عن مسار حياته قبل أن تتحول إلى واحدة من أكثر القصص قسوة في سياق مجازر حي التضامن جنوب دمشق، حيث فقد عشرة من أفراد عائلته في واقعة اعتقال قسري واختفاء قسري ما زال مستمراً منذ عام 2013.
يأتي ذلك، في سياق إعادة فتح ملفات المجازر وجرائم الحرب في سوريا التي ارتكبتها القوات العسكرية والميليشيات التابعة لنظام بشار الأسد السابق، وبعد إعلان وزارة الداخلية السورية في 24 نيسان/أبريل الفائت، اعتقال أمجد يوسف، أحد المتورطين الرئيسيين بارتكاب مجزرة حي التضامن عام 2013، لتأتي الشهادات الفردية بوصفها مادة أساسية في مسار العدالة.
ومن بين هذه الشهادات، تبرز رواية اللاجئ الفلسطيني زياد عمّايري، الذي فقد عشرة من أفراد عائلته في تلك المجزرة، بينهم والدته وأخواته البنات وطفل وطفلة بسنواتهم الأولى، مقدّماً سرداً تفصيلياً دقيقاً لتسلسل الأحداث، منطلقاً من مخيم اليرموك، وصولاً إلى لحظة الاعتقال في حي التضامن وما سبقها من ظروف، ونقدمها للقرّاء بجزئها الأول.

علقوا خارج المخيّم واقتيدوا من شارع نسرين حيث توجهوا للمبيت
يستهل زياد عمّايري حديثه بالتعريف عن نفسه "أنا زياد عمّايري، لاجئ فلسطيني من مخيم اليرموك، كانت حياتنا عادية جداً في المخيم، حيث في منزلنا الذي نقيم فيه منذ العام 2008. أعمل في مجال التمريض منذ عام 2009 بعد خضوعي لدورات تدريبية لدى وكالة الأونروا، كنت أقدّم دورات تدريبية للوكالة في مشفى ابن النفيس، واستمر عملي والحمد لله".
ويتابع: "في عام 2012 طلب مني النظام الالتحاق بالتجنيد الإجباري في الجيش، بينما كنت أعمل، ولتفادي ذلك غادرت إلى لبنان، ثم سافرت إلى لبنان، وأقمت هناك لمدة ست سنوات، قبل أن أعود عام 2018".
وبعد خروج زياد من المخيم، وافتراقه عن أهله عام 2013، وقعت المأساة، إذ تمت مداهمة منزل أخته في منطقة التضامن/ شارع نسرين واعتقالها وكل من لجأوا إليها من أهلها في المنزل. ويوضح زياد: "أختي خرجت من المخيم بعد وقوع تفجير في مخيم اليرموك، وتضرر منزلها جزئياً، فاضطرت لاستئجار منزل في شارع نسرين. وخلال فترات إغلاق حاجز مخيم اليرموك وفتحه لساعات محدودة إبان الحصار، خرج أفراد من عائلتي من المخيم لجلب الخضار والخبز وبعض الحاجيات، لكن عند عودتهم أغلق الحاجز، ولم يتمكنوا من معاودة الدخول إلى المخيم".
ويتابع: "كانت والدتي وأخواتي هديل وآسيل ووداد ورزان خارج المخيم، وهناك التقين بخالتي وزوجها سهير عمّايري وميساء إدريس. ولم يجدوا مكاناً للمبيت، فاضطروا للتوجه إلى منزل أختي آسيل في التضامن/ منطقة شارع نسرين، حيث كانت تقيم مع زوجها وأطفالها، على سبيل البقاء ليوم واحد".
غدر أمني من قبل "أبو منتجب" بحجة الموافقة الأمنية
ويبرز في شهادة عمّايري، اسم محمد صالح الراس "أبو منتجب"، مسؤول ميليشيا "الدفاع الوطني" في التضامن، ويتبع له أمجد يوسف وشبيحة آخرون، كالمدعو "أبو حيدر ماريو"، وكان يشرف عليهم ضابط يدعى جمال سليمان من فرع المنطقة، إضافة إلى شخص آخر يحمل الاسم نفسه.
ويقول زياد أنّ "أبو منتجب منع إقامة العائلة وقال لهم إنه منحهم موافقة أمنية لأربعة أشخاص للإقامة في التضامن، علماً أنّ العائلة ذهبت للإقامة في منزل أختي ليوم واحد فقط. وفي الليل، حضر أبو منتجب وطلب إخلاء المنزل صباح اليوم التالي".
ويتابع: "وبعد نقاش، تم الاتفاق على إخلائه عند الساعة العاشرة صباحاً، إلا أنه داهم المنزل عند الساعة السابعة والنصف صباحاً، بحركة غدر، واعتقل جميع من كانوا فيه، رغم الاتفاق المسبق.
ويواصل زياد حديثه: "في ذلك الوقت، تم اعتقال عشرة أشخاص، بينهم صهري زوج أختي، وطفلا أختي حمزة (ثلاث سنوات ونصف تقريباً) وحلا (حوالي سنة وثلاثة أشهر أو سنة ونصف). تم اقتيادهم جميعاً إلى جهة مجهولة، ولم يعرف مصيرهم حتى اليوم".
مساومة غير أخلاقية لإخراج المعتقلين رفضتها العائلة بنبل شديد
وتحدث زياد عن محاولة ابتزاز ومساومة، قام بها "أبو منتجب" تحت وعود غير موثوقة بالإفراج عن العائلة.
ويقول زياد: "أحد العناصر في منطقة التضامن أبلغ والدي أن المعتقلين موجودون لدى أبو منتجب تحديداً، فنصحه بالتوجه إليه. وكان ذلك أثناء وجودي في لبنان. ذهب والدي إليه وأبلغه أنه متأكد من وجودهم لديه، وسأله عن مصيرهم وكيفية إخراجهم، فأجابه: "أسلّمك العشرة، ولكن بشرط أن تسلّمني الشخص الذي أخبرك بهذه المعلومة".
ويتابع زياد: "دار نقاش بيني وبين والدي حول هذا الشرط، وقلت له إن هذا الشخص قد يكون غادراً، وقد لا يفرج عن المعتقلين حتى لو تم تسليمه، كما أن من غير المقبول تسليم شخص ساعدنا ليقتل. وقلت له إنني لا أستطيع العيش مع هذا العبء الأخلاقي، وأن موتهم مظلومين أهون من التضحية بشخص بريء بسببنا".
وأضاف زياد: "حاولنا لاحقاً البحث عن وساطات عبر أشخاص يعملون في جهات رسمية، وتكبّدنا مبالغ وصلت إلى نحو 25 ألف، فقط لمعرفة مكانهم أو محاولة إخراجهم، لكن جميعها كانت عمليات نصب وابتزاز، ولم يفرج عن أي منهم."
ويشير زياد قائلاً: "وحتى بعد سقوط النظام، بقينا نأمل أن يكونوا أحياء في مكان ما، لكنهم لم يظهروا حتى الآن، وما زلنا ننتظر فرج الله".
استمرار البحث عن العدالة ورفض تعويم فادي صقر
ويؤكد زياد في شهادته استمراره في البحث عن العدالة ويقول: "سأستمر في البحث والمطالبة بحقوقهم ما حييت. المختفون من عائلتي هم عشرة أشخاص: والدتي، وأربع من أخواتي، وصهري، وزوج أختي، وطفلاه (ولد وبنت)، وخالتي وزوجة خالي."
ويشدد زياد على طلبه بمواجهة المجرم وجهًا لوجه ويقول: "أطالب الحكومة بعقد لقاء مع أمجد يوسف، الذي تم اعتقاله، وكذلك مع فادي صقر بصفته مسؤول "الدفاع الوطني"، باعتبارهما كانا مسؤولين عن تلك المنطقة. نريد لقاءهم بشكل مباشر لمعرفة مصير أهلنا الذين اختفوا في التضامن".
ويشدد عمّايري: "لا أطالب بإعدام أمجد يوسف، بل أريده حيًا لكشف كل الحقائق. نريد الفيديوهات إن وجدت، والملفات التي توثق المعتقلين في منطقة التضامن، وأسماءهم، ومصيرهم، وأين نُقلوا أو قُتلوا، ومصير الأطفال".
وعبّر عمّايري، الذي كأحد "أولياء الدم"، بشكل قاطع عن رفضه تمثيل فادي صقر لما يسمى بـ"لجنة السلم الأهلي"، وهو قائد ميليشيا الدفاع الوطني وأحد المتورطين بجرائم حرب، بحسب ما ينقل الأهالي.
ويشدد عمّايري أن شخصًا كصقر لا يمثل سوى نفسه ومن كانوا معه من شبيحة، وليس السلم الأهلي. ويقول: "فمن أخذ أمي من بيت أختي، وأخذ أختي وأطفالها، يجب أن يُحاسب. نحن أولياء الدم، ومن حقنا أن نراه ونواجهه ونطالب بحقنا منه. وكما نشكر اليوم عناصر الداخلية والأمن العام لاعتقال يوسف، نطالبهم بالمحاسبة".
ويؤكد عمّايري في شهادته أنّ الاعتقالات في التضامن كانت واسعة، ولم تقتصر على عائلته، إذ اعتقلت أيضًا عائلة العبدالله الفلسطينية، وكان الهدف الاستيلاء على منازلهم وتأجيرها، بحسب عمّايري، الذي أشار إلى ممارسة المدعو "أبو منتجب" بيع وتأجير منازل بعد اعتقال أصحابها، وكانت الموافقة الأمنية للإقامة في شارع نسرين عام 2013 تتجاوز 100 ألف ليرة.
لحظة تلقي خبر اعتقال يوسف.. شعور ناقص
يصف زياد في شهادته شعوره لحظة تلقيه خبر اعتقال المجرم أمجد يوسف، ويقول: "عندما سمعت خبر اعتقال أمجد يوسف، كنت نائمًا بسبب إرهاقي من عملي في التمريض. تلقيت اتصالًا من أحد أصدقائي في المخيم، أخبرني بالخبر، فخرجت لأجد الشباب يهنئونني. كان شعورًا جميلًا، لكنه ناقص؛ إذ تم القبض على القاتل، لكن لم يظهر الضحايا".
ويتابع بغصّة: "لم أعرف أين دُفنت والدتي، ولا أين ذهب الأطفال، وما زلت حتى اليوم أعتقد أنه ربما تم تبنيهم من قبل عائلات أخرى. ومع ذلك، فإن اعتقال أمجد يوسف لا يكفي، فهناك العديد من المتورطين الآخرين الذين يجب محاسبتهم".
شاهد/ي الجزء الأول من شهادة اللاجئ الفلسطيني زياد عمّايري
يتبع في الجزء الثاني: حيث يتحدث زياد عمّايري عن تفاصيل إجراءات قضائية قام بها وكيف ووجه، إضافة إلى تفاصيل حول حوار جرى بينه وبين أمجد يوسف عبر "فيسبوك" قبل اعتقال الأخير.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات