شهد مخيم اليرموك وحي التضامن في دمشق حالة من الابتهاج الشعبي، تمثّلت بخروج مسيرات جابت شوارع وأحياء المنطقتين، عقب الإعلان عن إلقاء القبض على أمجد يوسف، أحد أبرز قادة الميليشيات الأمنية التابعة للنظام السوري السابق، والمتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن عام 2013.

وجابت المسيرات الأماكن التي شهدت وقوع المجزرة، حيث استحضر مشهد الضحايا الذين ارتقوا آنذاك، وهم من أبناء حي التضامن ومخيم اليرموك، بعدما جرى اعتقالهم من منازلهم أو على الحواجز الأمنية، بينهم عائلات كاملة ونساء وأطفال. وبحسب الشهادات، أُجبر الضحايا على حفر مقابرهم بأيديهم قبل تصفيتهم ميدانيًا ورميهم في حفر جماعية في نيسان/أبريل 2013.

وجاءت هذه التحركات عقب إعلان وزارة الداخلية السورية إلقاء القبض على يوسف، الذي كان يشغل موقعًا قياديًا في ميليشيا "الدفاع الوطني" وضابطًا في الفرع 226، وذلك أثناء تخفيه في منطقة سهل الغاب وسط البلاد، ما أثار موجة من الارتياح بين الأهالي، ترافق مع مطالبات متصاعدة بتحقيق العدالة ومحاسبة جميع المتورطين.

التضامن.jpeg

شهادات من ذوي ضحايا فلسطينيين

وفي شهادات مؤثرة، روت شقيقة الشهيد ناصر حسين أبو حمدة لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، أحد ضحايا المجزرة، تفاصيل اللحظات الأخيرة قبل فقدان شقيقها، مؤكدة أنه اعتقل من منزلها وأمام عينيها تحت تهديد السلاح، على يد أمجد يوسف ومجموعة من العناصر، من بينهم المدعو صالح الراس (أبو المنتجب) وخالد الحمد نجيب الحلبي.

وأضافت أن شقيقها تم اقتياده إلى موقع الحفرة التي أعدم فيها الضحايا، مشيرة إلى أنه تمكن بعد ساعات من اعتقاله من إجراء اتصال أخير أبلغها خلاله أن هاتفه أصبح مراقبًا، طالبًا منها عدم التواصل معه، قبل أن ينقطع الاتصال نهائيًا.

وطالبت بتحقيق العدالة والقصاص من جميع المتورطين، داعية الدولة السورية إلى إنصاف الضحايا وإعادة الحقوق إلى أصحابها.

مطالبات بكشف مصير المفقودين

وفي السياق ذاته، وجّه زياد محمود عمايري، أحد ذوي ضحايا المجزرة، نداءً طالب فيه بكشف مصير عائلته التي فقدها بالكامل، والمكوّنة من عشرة أفراد، بينهم والدته ماهرة محمد عمايري، مؤكدًا أنهم قتلوا في حي التضامن – شارع نسرين، على يد عناصر من الميليشيات، بينهم صالح الراس (أبو المنتجب) وبمشاركة أمجد يوسف.

ودعا عمايري إلى مواجهة يوسف علنًا وسؤاله أمام الجميع عن مصير الأطفال والنساء والمفقودين.

وفي منشور له على مواقع التواصل الاجتماعي، قال: "أطلب أنا زياد محمود عمايري، ابن الشهيدة ماهرة محمد عمايري، التي فقدت مع عائلتي المكونة من عشرة أشخاص في حي التضامن شارع نسرين، أن يتم الجلوس مع أمجد يوسف وسؤاله أمام الجميع: أين ذهبوا بالأطفال والنساء والمفقودين جميعًا".

تفاصيل توقيف يوسف وكشف الجريمة

ويأتي توقيف أمجد يوسف، المتهم الرئيسي في مجزرة التضامن التي أودت بحياة عشرات المدنيين، بينهم فلسطينيون، بعد عملية أمنية نفذتها وزارة الداخلية السورية في منطقة سهل الغاب، وذلك بعد سنوات من توثيق الجريمة عبر تحقيق نشرته صحيفة "الغارديان"، كشف تفاصيل الإعدامات الميدانية وعمليات الدفن في مقابر جماعية.

وجرى كشف الجريمة، من خلال واحدة من أبرز عمليات التحقيق الرقمي لتي كشفت خيوط مجزرة حي التضامن عبر شبكة افتراضية محكمة، بدأت بطلب صداقة على موقع "فيسبوك"، وانتهت بكشف تفاصيل واحدة من أبشع الجرائم التي ظلّت طي الكتمان لسنوات.

ففي 22 آذار/مارس 2021، تلقّى أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن، طلب صداقة من حساب يحمل اسم "Anna Sh"، بدا ظاهرياً كحساب لفتاة موالية للنظام السوري من مدينة حمص. غير أن هذا الطلب لم يكن عابراً، بل شكّل مدخلاً لعملية رصد دقيقة استهدفت الإيقاع به وكشف أسراره.

وخلف هذا الحساب، كانت تقف الباحثة السورية أنصار شحّود، التي اختارت منذ اندلاع الثورة السورية الاصطفاف إلى جانبها، في قرار كلّفها قطيعة قاسية مع عائلتها.

 ومنذ عام 2018، نجحت شحّود، عبر شخصية "أنا"، في بناء شبكة واسعة ضمّت نحو 500 شخص من عناصر النظام وميليشياته، بينهم ضباط ورجال أعمال وإعلاميون موالون، وحتى بعض العاملين في الأجهزة الأمنية، دون أن يدركوا هويتها الحقيقية.

واعتمدت شحّود خلال تلك السنوات على أسلوب تواصلي قائم على كسب الثقة، عبر الاستماع إلى مشكلات هؤلاء الأشخاص وشكاواهم، ما جعل حسابها يتحول إلى مساحة "آمنة" بالنسبة لهم.

إلا أن هذا الدور فرض عليها عبئًا نفسياً كبيراً، نتيجة اضطرارها إلى التظاهر بالتعاطف مع أشخاص متورطين في أعمال عنف، في تجربة وصفت بأنها قاسية وخطرة على المستوى الشخصي.

وخلال نحو ستة أشهر من التواصل المكثف مع أمجد يوسف، تمكنت شحّود من بناء علاقة ثقة معه، أقنعته في نهايتها بإجراء مكالمتي فيديو مطولتين. وخلال تلك المكالمات، بدأ يوسف بالكشف تدريجيا عن تفاصيل تتعلق بحياته الشخصية وعمله، قبل أن تنكشف خيوط مجزرة التضامن.

وعندما واجهته الباحثة بمقاطع الفيديو المرتبطة بالمجزرة، أنكر في البداية، قبل أن يعود ويعترف لاحقاً، مبرراً أفعاله بأنها "مقتضيات الحاجة"، بل وأبدى افتخاراً بما قام به، في اعتراف شكّل نقطة تحول في مسار التحقيق.

ولم تتوقف الجهود عند هذا الحد، إذ تعاونت شحّود مع الباحث التركي أور أميت أونغر، إلى جانب وسيط ميداني كان مقيماً في دمشق آنذاك، في محاولة لتتبّع ملابسات الجريمة ميدانياً. ورغم ذلك، لا تزال هوية الشخص الذي سرّب مقاطع الفيديو الأصلية للمجزرة غير معروفة حتى الآن.

وتشير مصادر محلية إلى أن أهالي قرية "نبع الطيب"، مسقط رأس أمجد يوسف، لعبوا دوراً في الإبلاغ عن مكان وجوده، عقب عودته من فترة فرار طويلة منذ سقوط النظام السوري السابق.

وتسلّط هذه القضية الضوء على دور التحقيقات الصحفية والرقمية في كشف الجرائم المعقّدة، حيث تمكنت جهود فردية مدعومة بالتحليل والمتابعة الدقيقة من اختراق شبكة مغلقة من الخوف والتضليل، وكشف حقيقة مجزرة ظلّت لسنوات واحدة من أكثر الجرائم غموضاً في سوريا.

اقرأ/ي ايضاً: القبض على أمجد يوسف مجرم مجزرة التضامن التي قضى فيها مدنيون سوريون وفلسطينيون