تتسع تداعيات الأزمة الإنسانية في قطاع غزة نتيجة حرب الإبادة الجماعية المستمرة لتطال الأطفال بصورة أكثر قسوة، مع تسجيل مؤشرات متزايدة على التقزم ونقص الوزن الناجمين عن سوء التغذية، في وقت يواجه فيه آلاف النازحين المقيمين قرب الساحل خطرا إضافيا بفعل اضطراب البحر وارتفاع الأمواج ووصولها إلى الخيام.

وتكشف حالات طبية وأسرية عن آثار ممتدة للمجاعة التي عانى منها القطاع خلال العام الماضي ولا تزال تداعياتها قائمة، إذ أصبح انخفاض أوزان الأطفال وقصر القامة مقارنة بالمعدلات الطبيعية من أبرز المؤشرات التي يرصدها الأطباء في الآونة الأخيرة.

وتروي إحدى الأمهات أن طفلتها عانت نقص الغذاء منذ فترة الحمل، واستمرت معاناتها بعد الولادة في ظل غياب مصادر التغذية الأساسية، من اللحوم والخضراوات والفواكه والبقوليات. وتقول إن طفلتها تجاوزت ثمانية أشهر، إلا أن وزنها لا يتعدى خمسة كيلوغرامات، إلى جانب تأخر واضح في النمو والطول.

ويحذر أطباء من أن استمرار الحرمان الغذائي يترك آثارا مباشرة على نمو الأطفال، خصوصا في ظل غياب الغذاء المتوازن الغني بالبروتين والفيتامينات والمعادن الضرورية، ومن بينها الزنك، وهو ما قد يؤثر في معدلات النمو ويزيد من احتمالات الإصابة بالتقزم.

وتظهر خطورة الأزمة بصورة أكبر في حالات الأطفال المصابين بسوء تغذية حاد، إذ يشير مختصون إلى أن بعض الأطفال يسجلون أوزانا تقل بصورة كبيرة عن المعدلات المفترضة لأعمارهم، ما ينعكس على جهاز المناعة ويرفع احتمالات الإصابة بالأمراض والمضاعفات الصحية الخطرة.

وبحسب مختصين، يعاني نحو 18% من أطفال غزة من حالات تقزم شديد، وسط عجز العديد من الأسر عن توفير الغذاء المناسب لأطفالها، خاصة الأغذية الغنية بالبروتين والعناصر الأساسية اللازمة للنمو.

وفي مؤشر على حجم الضغط الذي تتعرض له المؤسسات الصحية، قال اختصاصي التغذية والجهاز الهضمي محمد أبو راعي إن عيادة التغذية الخارجية في مستشفى الرنتيسي بمدينة غزة تستقبل نحو 30 حالة يوميا تعاني درجات مختلفة من سوء التغذية، تتراوح بين الحاد والشديد.

من جهته، قال مستشار المكتب الإعلامي الحكومي تيسير محيسن إن الاحتلال يواصل ما وصفه بـ"هندسة التجويع" في القطاع، عبر إبقاء السكان في حالة عوز مستمرة وحرمانهم من الوصول الكافي إلى الغذاء ومواد الإيواء وغيرها من الاحتياجات الأساسية.

البحر يقترب من خيام النازحين

وبينما تكافح العائلات لتوفير الغذاء لأطفالها، يواجه النازحون المقيمون على طول شاطئ غزة تحديا آخر مع اضطراب البحر وارتفاع الأمواج خلال الأيام الماضية، ما تسبب بوصول المياه إلى عدد من الخيام المقامة قرب الساحل.

ويقول نازحون إنهم حاولوا حماية أماكن إقامتهم بحفر قنوات وإقامة سواتر رملية، إلا أن المد البحري والأمواج المرتفعة تجاوزت في بعض المناطق تلك الحواجز، ما أثار مخاوف من تفاقم الوضع مع اقتراب فصلي الخريف والشتاء.

وقال النازح أحمد رزق، الذي يقيم مع عائلته على الشاطئ، إن ارتفاع الأمواج أصبح يشكل تهديدا مباشرا للخيام، مشيرا إلى أن المياه وصلت إلى مناطق إقامة النازحين رغم محاولاتهم المتكررة إقامة حواجز رملية.

وأضاف أن السكان يحاولون منع الأطفال والفتية من دخول البحر في ظل اضطرابه، لا سيما بعد تسجيل حالات غرق، مع تصاعد المخاوف من التيارات البحرية القوية.

وحذرت بلدية خان يونس وجهات خدماتية من السباحة بسبب نشاط التيارات الساحبة، مؤكدة أن سرعتها وقوتها قد تتجاوز قدرة السباحين على مقاومتها، وأن محاولة السباحة عكس اتجاهها قد تؤدي إلى الإرهاق السريع وزيادة خطر الغرق.

ولم تتوقف تداعيات اضطراب البحر عند حدود الخطر على الأرواح والخيام، إذ دفعت الأمواج كميات كبيرة من النفايات والأوساخ نحو الشاطئ، ما زاد من سوء الظروف الصحية والمعيشية للنازحين المقيمين في مناطق تفتقر أساسا إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة.

وبين سوء التغذية الذي يهدد نمو الأطفال وخطر البحر الذي يلاحق النازحين على الساحل، تتعمق الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، حيث تتشابك تحديات الغذاء والصحة والإيواء في حياة آلاف الأسر التي تعيش أوضاعا شديدة الهشاشة.