موجة الحر تعرّي الخدمات في مخيم عين الحلوة... الكهرباء والمياه والاكتظاظ تهدد اللاجئين
تتفاقم معاناة اللاجئين الفلسطينيين في مخيم عين الحلوة، جنوب مدينة صيدا، مع موجة الحر التي تضرب لبنان، حيث تتداخل درجات الحرارة المرتفعة مع أزمات مزمنة تعصف بالمخيم، أبرزها انقطاع الكهرباء، وشح المياه، وارتفاع كلفة اشتراكات المولدات الكهربائية، فضلًا عن الاكتظاظ السكاني الذي يحول المنازل إلى مساحات خانقة تفتقر إلى التهوية.
وفي ظل هذه الظروف، تتزايد المخاطر الصحية التي تهدد كبار السن والأطفال والمرضى، بينما تجد غالبية العائلات نفسها عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من وسائل التخفيف من حرارة الصيف، في وقت تتواصل فيه الأزمة الاقتصادية التي تثقل كاهل اللاجئين.
ورصدت "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" آثار موجة الحر داخل المخيم من خلال شهادات لأهالٍ وناشطين اجتماعيين، إلى جانب رأي طبي يسلط الضوء على التداعيات الصحية الناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة، ولا سيما على الفئات الأكثر هشاشة.
موجة الحر تكشف عمق الأزمات
وقال الناشط الاجتماعي أحمد أبو عرب، في حديث لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، إن موجة الحر كشفت حجم الأزمات المتراكمة التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في المخيم، موضحًا أن ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وما يرافقهما من عجز كثير من الأسر عن تحمل كلفة اشتراكات الكهرباء، يجعل مواجهة درجات الحرارة المرتفعة أكثر صعوبة.
وأشار إلى أن مخيم عين الحلوة، الذي يقطنه نحو 70 ألف لاجئ ضمن مساحة لا تتجاوز كيلومترًا مربعًا واحدًا، يعاني اكتظاظًا سكانيًا شديدًا، حيث تسهم المنازل المتلاصقة وضيق الأزقة في احتباس الحرارة ومنع تجدد الهواء، الأمر الذي ينعكس سلبًا على صحة السكان.
وأضاف أن أزمة المياه تتصدر أيضًا التحديات خلال فصل الصيف، لافتًا إلى أن انخفاض منسوب الآبار، بالتزامن مع تقليص وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" كميات المازوت المخصصة لتشغيل آبار المياه، أدى إلى تراجع كميات المياه المتوافرة للأهالي، ما زاد من صعوبة التكيف مع موجة الحر.
وأكد أبو عرب أن كبار السن، والأطفال الرضع، والمرضى هم الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية الناتجة عن الارتفاع الكبير في درجات الحرارة.
منازل تتحول إلى أفران
أما اللاجئة أم هادي، فتصف واقع الحياة اليومية داخل المخيم بأنه أصبح أكثر قسوة مع اشتداد الحر، موضحة أن ارتفاع درجات الحرارة يبلغ ذروته بعد ساعات الظهر، حين تحتبس الحرارة داخل الجدران والأسقف.
وقالت، في حديثها لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين": "يبدأ الحر يشتد بعد الساعة الثالثة بعد الظهر، لأن الحرارة تكون قد احتبست داخل الجدران، فنشعر باختناق شديد، ويكون التأثير الأكبر على سكان الطوابق العليا، بينما تبقى الطوابق الأرضية أقل حرارة بقليل".
وأكدت أن موجة الحر انعكست أيضًا على صحة الأطفال، مشيرة إلى انتشار حالات الإسهال والاستفراغ، وأضافت: "ابني بقي أسبوعًا كاملًا يعاني من الإسهال بسبب الحر".
وتابعت أن زوجها يضطر إلى النوم على سطح المنزل هربًا من الحرارة، بينما تنام هي وطفلها على الأرض لأن السرير أصبح أكثر حرارة، موضحة أن المراوح لا توفر سوى هواء ساخن في ظل غياب أي حركة للهواء.
ورغم امتلاك العائلة جهاز تكييف، فإنها لا تستطيع تشغيله بسبب ارتفاع كلفة اشتراك الكهرباء، لافتة إلى أن الاستفادة منه تقتصر على ساعات وصول كهرباء الدولة، التي لا تتجاوز في بعض الأيام ساعة واحدة خلال أربع وعشرين ساعة.
أزمة المياه تزيد المعاناة
وأوضحت أم هادي أن أزمة الكهرباء انعكست مباشرة على توفر المياه داخل المخيم، إذ أدى ضعف التغذية الكهربائية إلى تراجع ضخ المياه من الآبار، ما اضطر العائلة إلى شراء المياه لأيام متتالية.
وقالت: "المياه تصل اليوم بكميات قليلة جدًا، وإذا استمر انقطاع الكهرباء وعدم تشغيل الآبار كما في السابق، فسنضطر إلى شراء (ستير) مياه كل يومين".
كبار السن بين المرض والحر
أما سناء محمد (63 عامًا)، التي تعاني من ارتفاع ضغط الدم والسكري، إضافة إلى ضيق في التنفس وتسارع دقات القلب، فتؤكد أن موجة الحر، فاقمت معاناتها الصحية بصورة كبيرة.
وقالت: "الحر يزعجني كثيرًا، ونتعرق طوال الوقت، ولا يوجد أي حل. فواتير اشتراك الكهرباء أصبحت كارثية، وكل أهالي المخيم يشتكون منها".
وطالبت بزيادة ساعات تغذية كهرباء الدولة أو مراعاة أصحاب المولدات للأوضاع الاقتصادية الصعبة خلال أشهر الصيف، بما يسمح للعائلات بتشغيل أجهزة التكييف، مؤكدة أن المراوح لم تعد كافية في ظل درجات الحرارة المرتفعة.
وأضافت أن أبناءها يتكفلون بدفع اشتراك الكهرباء، إلا أن أحدهم عاطل عن العمل ويعيل أسرة، وقالت: "لا أريد أن أزيد الأعباء عليهم، لكننا حرفيًا نموت من شدة الحر".
تحذيرات طبية من مخاطر الجفاف والتسممات
من جهتها، حذرت طبيبة الأطفال الدكتورة لبنى قاسم، في حديث لموقعنا، من أن ارتفاع درجات الحرارة ينعكس بصورة مباشرة على صحة الأطفال، ولا سيما الرضع وصغار السن، بسبب ارتفاع خطر الإصابة بالجفاف، إضافة إلى زيادة حالات الإسهال والاستفراغ عند عدم تعويض السوائل المفقودة.
وأوضحت أن الأطفال المصابين بأمراض مزمنة، مثل أمراض القلب والجهاز التنفسي، هم الأكثر عرضة للمضاعفات، مؤكدة أن الاكتظاظ داخل المنازل، وضعف التهوية، والانقطاع المتكرر للكهرباء، كلها عوامل تزيد من صعوبة حمايتهم من آثار الحر.

ولفتت إلى أن بعض الأعراض تستوجب مراجعة الطبيب بصورة عاجلة، مثل الارتفاع الشديد في حرارة الجسم، والخمول، ورفض الطفل شرب السوائل، وجفاف الفم، وقلة التبول، أو استمرار الإسهال والاستفراغ، لما قد تسببه من حالات جفاف خطيرة.
كما أشارت إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يسرّع فساد الأطعمة عند عدم حفظها بالشكل الصحيح، ما يزيد من احتمالات الإصابة بالتهابات الأمعاء والتسممات الغذائية، خصوصًا بين الأطفال.
وأوصت الأهالي بالإكثار من تقديم السوائل للأطفال، وإبقائهم في أماكن جيدة التهوية قدر الإمكان، وتجنب تعريضهم لأشعة الشمس المباشرة خلال ساعات الذروة، مع الحرص على النظافة الشخصية، وإلباسهم ملابس قطنية فاتحة اللون، واستخدام مياه شرب نظيفة وآمنة.
وبين موجة حر غير مسبوقة، واستمرار أزمتي الكهرباء والمياه، يعيش آلاف اللاجئين الفلسطينيين في مخيم عين الحلوة صيفًا استثنائيًا يضاعف أعباءهم اليومية، ويهدد صحة الفئات الأكثر هشاشة، في وقت لا تزال فيه الحلول غائبة، فيما تبقى قدرة الأهالي على التكيف محدودة بفعل الظروف الاقتصادية والمعيشية المتدهورة.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات