البحر والنهر... آخر متنفس مجاني وشريان حياة لأهالي مخيم نهر البارد
لم يعد البحر والنهر في مخيم نهر البارد، شمالي لبنان، مجرد وجهتين لقضاء أوقات الفراغ خلال فصل الصيف، بل تحوّلا إلى جزء أساسي من الحياة اليومية للاجئين الفلسطينيين، بعدما دفعت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة معظم العائلات إلى التخلي عن خيارات الترفيه المدفوعة خارج المخيم.
وبين شاطئ البحر وضفاف النهر، وجد السكان مساحة مجانية تجمع بين الراحة النفسية واللقاءات العائلية وفرص العمل، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية، وترتفع معدلات الفقر والبطالة.

ومع ارتفاع كلفة ارتياد المنتجعات والشواطئ الخاصة وتنظيم الرحلات خارج المخيم، أصبح البحر الخيار الوحيد المتاح لكثير من العائلات، فيما تحولت الاستراحات والأكشاك الصغيرة المنتشرة على الشاطئ إلى مصدر دخل لعشرات الأسر التي فقدت فرص العمل في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة.
مساحة عامة تؤدي أدوارًا تتجاوز الترفيه
قال الناشط الشبابي في مخيم نهر البارد، زاهر الجندي، في حديث لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، إن الواقع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه اللاجئون الفلسطينيون جعل الخيارات الترفيهية محدودة للغاية، بعدما أصبحت كلفة الخروج إلى المنتجعات أو المناطق السياحية تفوق قدرة معظم العائلات.
وأضاف الجندي أن البحر والنهر باتا المتنفس الطبيعي والأقرب إلى السكان، ليس فقط للسباحة أو قضاء الوقت، وإنما أيضًا للتخفيف من الضغوط النفسية التي تفرضها الظروف المعيشية الصعبة.

ورأى أن الحفاظ على هذه المساحات مسؤولية جماعية، لأن البحر والنهر يشكلان مساحة عامة لأهالي المخيم، محذرًا من أن استمرار التلوث والإهمال سيؤدي إلى خسارة متنفس لا يملك السكان بديلًا عنه.
كما أشاد بالمبادرات التي تعمل على تنظيف النهر وتحسين المرافق العامة، معتبرًا أنها تنعكس مباشرة على حياة الأهالي.
ولفت إلى أن الاستراحات المنتشرة داخل المخيم تقدم خدماتها بأسعار أقل بكثير من المناطق المجاورة، سواء من حيث أسعار المشروبات أو غيرها من الخدمات، ما يمنح العائلات فرصة لقضاء أوقات مريحة بتكاليف محدودة.
وفي السياق نفسه، دعا الجندي إلى التحرك لحماية ملعب الشهداء الخمسة، باعتباره المتنفس الرياضي المجاني الوحيد لأطفال المخيم وشبابه، محذرًا من أن خسارته ستفاقم أزمة غياب المرافق العامة، ولا سيما أن كثيرًا من العائلات لا تستطيع تحمل رسوم استخدام الملاعب الخاصة.
غياب البدائل يضاعف أهمية البحر
من جهته، أكد زياد شتيوي أن البحر والنهر لم يعودا مجرد مكانين للتنزه، بل أصبحا المرفق العام الوحيد تقريبًا الذي يستوعب الأطفال والشباب خلال فصل الصيف، في ظل افتقار المخيم إلى الحدائق والملاعب والمساحات الترفيهية، باستثناء بعض المبادرات المحدودة التي تنظمها مؤسسات أهلية.
وأشار إلى أن تكاليف المنتجعات والشواطئ خارج المخيم باتت تفوق إمكانات معظم الأسر، فيما توفر الاستراحات داخل المخيم خدماتها بأسعار رمزية، ما يسمح للعائلات بقضاء وقت مريح من دون أعباء مالية كبيرة.
وأضاف أن هذه المرافق تؤدي أيضًا دورًا اقتصاديًا مهمًا، إذ توفر فرص عمل ومصادر دخل لعدد من الشباب، ما يجعل الحفاظ عليها ضرورة اجتماعية واقتصادية، في ظل استمرار البطالة والقيود المفروضة على عمل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
البحر... الخيار الوحيد للعائلات ومطالب بتأهيله
وقال أحمد حسن لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين" إن الأوضاع الاقتصادية دفعت كثيرًا من العائلات إلى الاستغناء عن الرحلات والمنتجعات، ليصبح البحر الوجهة الوحيدة التي يمكن اصطحاب الأطفال إليها خلال فصل الصيف.
وأضاف أن الشاطئ يمنح الأطفال فرصة للعب والسباحة والاستمتاع بالطبيعة من دون أن تتحمل الأسرة أعباء مالية إضافية، وهو ما لم يعد متاحًا في معظم أماكن الترفيه الأخرى.
أما الطفلة تسنيم الجندي، فوصفت البحر بأنه المكان الذي يمنح الأطفال فرصة للاستجمام وقضاء أوقات ممتعة، مشيرة إلى أن مناطق مثل العبدة والصخور والبحر الصغير تستقطب أعدادًا كبيرة من الأهالي خلال الصيف، رغم الازدحام الذي تشهده أحيانًا.
وأكدت أن انخفاض الأسعار يشجع العائلات على ارتياد هذه الأماكن باستمرار.
ولا يختلف واقع الشباب كثيرًا عن واقع العائلات، إذ قال أحمد، أحد أبناء المخيم، إن البحر أصبح المكان الذي يقصده بعد يوم عمل طويل للسباحة أو صيد السمك أو الجلوس مع الأصدقاء، باعتباره المتنفس الأقل كلفة والأقرب إلى الجميع.
وشدد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة التلوث وتحسين واقع الشاطئ، مؤكدًا أن تنظيفه وتأهيله سيجعلانه وجهة أفضل للعائلات، ويزيدان من الإقبال عليه.
وشاركه الرأي عبد الرحمن، الذي رأى أن البحر بات المتنفس الأساسي للشباب في ظل البطالة وارتفاع تكاليف الترفيه خارج المخيم، مطالبًا بتأهيل الشاطئ، ولا سيما المنطقة الرملية، بما يوفر بيئة نظيفة وآمنة للعائلات والأطفال.
الشاطئ... مصدر رزق أيضًا
ولا تقتصر أهمية البحر على الجانب الاجتماعي، إذ أكد فراس عبد الله، صاحب إحدى البسطات على الشاطئ، أن عشرات العائلات تعتمد على الاستراحات والأكشاك الصغيرة لتأمين دخلها اليومي، في ظل ندرة فرص العمل داخل المخيم.
وأشار إلى أن البحر والنهر يشهدان حركة يومية منذ ساعات الصباح الأولى، إذ يقصدهما الأهالي للتنزه أو الجلوس أو السباحة، فضلًا عن شعورهم بالأمان داخل المخيم مقارنة بالمناطق الأخرى.
وطالب عبد الله الجهات المعنية بدعم العاملين على الشاطئ، من خلال تسهيل الإجراءات والسماح بتطوير الاستراحات والمرافق القائمة، بما ينعكس على مستوى الخدمات، ويوفر فرص عمل إضافية، ويحرك النشاط الاقتصادي داخل المخيم.
وتكشف تجربة مخيم نهر البارد كيف تحولت المساحات العامة المجانية إلى ضرورة حياتية في ظل الأزمة الاقتصادية، بعدما أصبحت تؤدي أدوارًا تتجاوز الترفيه، لتشمل الدعم النفسي وتعزيز الروابط الاجتماعية وتأمين مصادر رزق لعشرات العائلات.
وبين الدعوات إلى الحفاظ على نظافة البحر والنهر وتأهيل مرافقهما، وحماية ملعب الشهداء الخمسة باعتباره المتنفس الرياضي الوحيد، يجمع أهالي المخيم على أن صون هذه المرافق لم يعد قضية خدمية فحسب، بل ضرورة اجتماعية واقتصادية تضمن بقاء آخر المساحات المجانية التي تمنح اللاجئين فرصة للراحة والحياة الكريمة.
شاهد/ي التقرير
شاهد/ي التقرير
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات