"أطباء بلا حدود" تحذّر من تصاعد القيود "الإسرائيلية" في الضفة الغربية
حذّرت منظمة "أطباء بلا حدود" من التدهور المتسارع للأوضاع الإنسانية في الضفة الغربية المحتلة، مؤكدة أن القيود "الإسرائيلية" المشددة على الحركة، وتصاعد العمليات العسكرية، وعنف المستوطنين، وعرقلة عمل المنظمات الإنسانية، فاقمت معاناة الفلسطينيين، ولا سيما في الوصول إلى الرعاية الصحية وخدمات الصحة النفسية.
وقالت المنظمة إن الفلسطينيين في الضفة الغربية يعيشون منذ عقود تحت وطأة القيود "الإسرائيلية" والعنف، إلا أن الأوضاع ازدادت سوءًا منذ بدء الحرب "الإسرائيلية" على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ووفقًا للمنظمة، ارتقى منذ ذلك الحين 1109 فلسطينيين في الضفة الغربية والقدس المحتلة برصاص قوات الاحتلال والمستوطنين، بينهم 243 طفلًا على الأقل، فيما بلغ عدد الشهداء منذ بداية عام 2026 نحو 74 فلسطينيًا.
وأكدت "أطباء بلا حدود" أن النساء يواجهن تحديات متزايدة في الوصول إلى الرعاية الصحية، خصوصًا في محافظة نابلس، حيث تدير المنظمة برنامجًا للدعم النفسي، في ظل القيود المفروضة على الحركة وتعقيد إجراءات التنقل بين المدن والبلدات الفلسطينية.
وأضافت أن قرار السلطات "الإسرائيلية" رفض تسجيل عشرات المنظمات الإنسانية الدولية، من بينها "أطباء بلا حدود"، حدّ من قدرتها على العمل الميداني وتنسيق تحركات طواقمها، وعرّض العاملين الإنسانيين لمخاطر أمنية متزايدة.
وسلطت المنظمة الضوء على قصة الفلسطينية رنا، من قرية عزون عتمة في محافظة قلقيلية، التي فقدت ابنتها البالغة من العمر عامين عام 2011، بعدما تعذر نقلها إلى المستشفى بسبب إغلاق البوابة العسكرية الوحيدة المؤدية إلى القرية.
وتقع عزون عتمة داخل جيب معزول تحيط به المستوطنات وجدار الفصل، ولا يمكن الدخول إليها أو الخروج منها إلا عبر بوابة يفتحها جيش الاحتلال لساعات محدودة يوميًا.
وقالت رنا إن ابنتها توفيت؛ لأن العائلة لم تتمكن من مغادرة القرية خلال الليل، مضيفة أن أمهات فلسطينيات كثيرات مررن بتجارب مشابهة بسبب القيود المفروضة على الحركة.
وأشارت إلى أن منزل العائلة تعرض للهدم الجزئي يوم زفافها عام 2004، ولا تزال الأسرة تعيد بناءه تدريجيًا، بينما يطل منزلها مباشرة على جدار الفصل والمستوطنات "الإسرائيلية" المقامة على أراضي القرية.
كما روت أنها اضطرت، قبيل ولادة طفلها الأخير، إلى السفر ليلًا من قلقيلية إلى نابلس بعد إحالتها طبيًا، رغم المخاطر الأمنية وصعوبة الطريق، مؤكدة أن "أعظم إنجاز في هذه الأيام هو العودة إلى المنزل سالمين".
من جانبه، قال رئيس بعثة "أطباء بلا حدود" في فلسطين، فيليبي ريبيرو، إن الفلسطينيين يغادرون منازلهم يوميًا من دون معرفة ما إذا كانوا سيتمكنون من العودة إليها، بسبب الحواجز العسكرية والإغلاقات، إلى جانب خطر الاعتقال الإداري أو التعرض لهجمات المستوطنين والعمليات العسكرية.
وأوضح أن المنظمة تواجه ما وصفه بـ"نظام لعرقلة الرعاية الصحية"، يتمثل في تكاثر الحواجز العسكرية، وتأخير سيارات الإسعاف أو منعها من المرور، واستهداف وسائل النقل الطبي، ومحاصرة المستشفيات، وانقطاع العلاجات.
وأضاف أن حرمان الفلسطينيين من الرعاية الصحية "ليس ضررًا جانبيًا، بل سياسة متبعة".
وأشار ريبيرو إلى أن رفض السلطات "الإسرائيلية" تسجيل 37 منظمة إنسانية دولية مطلع عام 2026، بينها"أطباء بلا حدود"، حرم المنظمة من التواصل المباشر مع السلطات العسكرية لتنسيق تحركات طواقمها.
ولفت إلى أن هذا القرار أدى إلى زيادة المخاطر الأمنية على العاملين الإنسانيين، وجعل إرسال موظفين دوليين إلى فلسطين غير ممكن، فيما تواصل الفرق الفلسطينية عملها بدعم عن بعد من العاصمة الأردنية عمّان.
وبسبب تدهور الوضع الأمني، اضطرت المنظمة إلى حصر خدماتها داخل عيادتها الوحيدة في نابلس، وتعليق جميع العيادات المتنقلة، خصوصًا في محافظتي قلقيلية وطوباس، ما جعل وصول المرضى إلى خدمات الصحة النفسية أكثر صعوبة.
وقالت الأخصائية الاجتماعية شروق المدموج، التي تعمل مع المنظمة منذ 22 عامًا، إن تقديم العلاج النفسي يتطلب مقابلات مباشرة ومنتظمة، إلا أن المنظمة تجد نفسها أمام معادلة صعبة بين توفير العلاج وعدم تعريض المرضى للخطر خلال تنقلهم.
وأضافت أن الحالة النفسية للفلسطينيين تدهورت بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، مشيرة إلى ظهور اضطرابات نفسية لدى الأطفال في سن مبكرة، مثل التبول اللاإرادي وفرط النشاط، نتيجة القلق المستمر من الاقتحامات العسكرية والعنف المحيط بهم.
وأكدت المدموج أن الموت أصبح جزءًا من الحياة اليومية في مناطق واسعة من الضفة الغربية، وهو ما يترك آثارًا نفسية عميقة على الأطفال والأسر.
كما عرضت المنظمة شهادة الفلسطينية مريم، من مخيم نور شمس في طولكرم، التي قالت إنها عانت الاكتئاب بعد اندلاع الحرب على قطاع غزة، قبل أن تنخرط في تدريبات الإسعاف والطوارئ، وتعمل على مرافقة سيارات الإسعاف خلال الاقتحامات العسكرية لمساعدة الجرحى.
وأكدت مريم أن الطواقم الطبية والصحفيين لم يكونوا يتمتعون بأي حماية، رغم ارتدائهم السترات الواقية، مشيرة إلى أن مدنيين قُتلوا داخل منازلهم لمجرد وقوفهم قرب النوافذ.
وأوضحت أن جيش الاحتلال بدأ عملية "الجدار الحديدي" في الضفة الغربية يوم 21 كانون الثاني/يناير 2025، بعد يومين من بدء وقف إطلاق النار في قطاع غزة، قبل أن تتوسع العملية لتشمل مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس.
وأدت العملية إلى نزوح معظم سكان المخيمات الثلاثة، ومن بينهم مريم، التي علمت لاحقًا أن جيش الاحتلال استولى على منزل عائلتها، وحوّله إلى منطقة عسكرية.
وقالت إنها عادت بعد أشهر لتجد منزلها متضررًا بشدة، بينما دُمر منزل شقيقتها بالكامل، ووصفت مخيم نور شمس بأنه "تحول إلى مقبرة"، مضيفة أن "رائحة الدم لا تزال عالقة في المكان".
ووفقًا للمنظمة، نزح منذ كانون الثاني/يناير 2025 أكثر من 33 ألف فلسطيني من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس والمناطق المحيطة بها، بحسب بيانات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا".
كما أشارت إلى أن عام 2025 شهد توسعًا استيطانيًا غير مسبوق، مع إنشاء 86 بؤرة استيطانية جديدة، والمصادقة على إقامة 54 مستوطنة، ومنح تراخيص لنحو 28 ألف وحدة استيطانية، استنادًا إلى بيانات منظمة "السلام الآن" "الإسرائيلية".
واختتم ريبيرو بالقول إن ما يجري في الضفة الغربية يمثل سياسة تهدف إلى عزل الفلسطينيين وتفتيت أراضيهم، معتبرًا أن استمرار هذه الإجراءات يعمّق الانقسام الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي، ويقوض إمكان قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات