تقدمت ثلاث منظمات حقوقية دولية بشكوى جنائية رسمية في بولندا ضد مسؤولين في شركة "نيترو-كيم" Nitro-Chem البولندية، متهمة إياهم بالمساهمة في جرائم دولية ارتكبها الاحتلال "الإسرائيلي" بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، عبر تزويد سلاسل تصنيع السلاح بمادة تي إن تي المتفجرة التي تدخل في إنتاج قنابل جوية وقذائف مدفعية استخدمت على نطاق واسع في حرب الإبادة.

وقالت مؤسسة هند رجب والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان والمركز الأوروبي للدعم القانوني، في بيان مشترك، إن الشكوى قُدمت في 26 حزيران/يونيو 2026 ضد ممثلي الشركة البولندية المملوكة للدولة، والتي وصفتها المنظمات بأنها أكبر منتج لمادة تي إن تي داخل حلف شمال الأطلسي، وذلك على خلفية الاشتباه بتورطها في جرائم دولية ضد الفلسطينيين في غزة.

وبحسب البيان، تستعد ثلاث منظمات حقوقية فلسطينية بارزة، هي مؤسسة الحق ومركز الميزان لحقوق الإنسان والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، إلى جانب ناجين من الإبادة في غزة، لتقديم شكاوى والانضمام كأطراف في الإجراءات القضائية ضد الشركة، بهدف توثيق حجم الدمار والخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالمدنيين الفلسطينيين جراء استخدام هذه الذخائر.

وتستند الشكوى، وفق المنظمات، إلى تقرير استقصائي بعنوان "المكوّن المفقود: التي إن تي البولندي"، أعدته حركة الشباب الفلسطيني وShadow World Investigations ووحدة أبحاث الحركة، بالاعتماد على تحقيقات مفتوحة المصدر. ويشير التقرير إلى أن شركة نيترو-كيم تمثل حلقة مركزية في سلسلة توريد المتفجرات المستخدمة في برامج تسليح أميركية، بينها قنابل Mk 80 وBLU-109 وقذائف مدفعية عيار 155 ملم.

وتقول المنظمات إن مادة تي إن تي التي تنتجها الشركة البولندية تدخل في تصنيع قنابل جوية واسعة الأثر، جرى نقل كميات كبيرة منها لاحقًا إلى الاحتلال "الإسرائيلي"، واستخدمت في قصف مناطق مدنية مكتظة في قطاع غزة.

كما تشير الشكوى إلى أن عقود التوريد بين الشركة وجهات أميركية تعود إلى سنوات سابقة، وجُددت ووسعت بعد بدء الإبادة على غزة، بما في ذلك عقد جديد في نيسان/أبريل 2024، وآخر في نيسان/أبريل 2025 بلغت قيمته نحو 310 ملايين دولار.

وتؤكد شركة نيترو-كيم نفسها، عبر موقعها الرسمي، أنها وقعت في نيسان/أبريل 2024 عقدًا لتوريد مادة تي إن تي إلى الولايات المتحدة لاستخدامها في برامج أسلحة حكومية أميركية، بما يشمل إنتاج قنابل من سلسلة Mk وذخائر من العيار الكبير. كما أعلنت الشركة أن ممثلين عن شركة General Dynamics Ordnance and Tactical Systems حضروا مراسم توقيع العقد، إلى جانب ممثلين عن مجموعة الصناعات الدفاعية البولندية.

وتعرّف نيترو-كيم نفسها بأنها جزء من Polska Grupa Zbrojeniowa، أي مجموعة الصناعات الدفاعية البولندية، وتقول إن نشاطها يشمل إنتاج المتفجرات العالية ومركباتها، وتصنيع ذخائر متوسطة وكبيرة العيار وخدمات تعبئة الذخائر، كما تؤكد أن أكثر من 80% من إنتاجها يتجه إلى التصدير منذ عام 2015.

وترى المنظمات الحقوقية أن استمرار تزويد سلاسل إنتاج الذخائر بهذه المواد، رغم معرفة الموردين المحتملة باستخدامها في حرب الإبادة على غزة، قد يفتح الباب أمام مسؤولية جنائية عن المساعدة أو التسهيل في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية. وشددت على أن المسألة لا تتعلق بصفقات تجارية مجردة، بل بسلسلة توريد دولية تبدأ من منشآت تصنيع المتفجرات في بولندا، وتمر عبر برامج التسليح الأميركية، وتنتهي في قنابل ألقيت على أحياء ومخيمات ومناطق مأهولة في القطاع.

وتأتي الشكوى في سياق تصاعد المسار القانوني الدولي لملاحقة الداعمين والمشاركين في الإبادة على غزة، بعد أوامر محكمة العدل الدولية في قضية جنوب إفريقيا ضد الاحتلال بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، إذ ألزمت المحكمة الاحتلال باتخاذ تدابير لمنع الأفعال التي قد تندرج ضمن نطاق الاتفاقية، وضمان وصول المساعدات، ومنع التحريض على الإبادة.

كما تزامنت هذه التحركات مع استمرار تداعيات قرار المحكمة الجنائية الدولية، التي أصدرت في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 مذكرتي اعتقال بحق رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير جيشه السابق يوآف غالانت، على خلفية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سياق الإبادة على غزة.

وتحمل الشكوى ضد نيترو-كيم بُعدًا سياسيًا وقانونيًا بالغ الأهمية بالنسبة للفلسطينيين، إذ تنقل معركة المساءلة من ملاحقة القادة والجنود "الإسرائيليين" المباشرين إلى تفكيك شبكات الإمداد الدولية التي مكّنت الاحتلال من مواصلة حرب الإبادة. كما تضع بولندا، بوصفها دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، أمام اختبار قانوني وأخلاقي بشأن مسؤولية الشركات المملوكة للدولة عن صادرات عسكرية قد تُستخدم في ارتكاب جرائم جسيمة ضد المدنيين.

وبينما لم تُحسم الاتهامات قضائيًا بعد، تؤكد المنظمات مقدمة الشكوى أن الأدلة المتاحة تكفي لفتح تحقيق جنائي في دور الشركة ومسؤوليها، وفي مدى علمهم أو قدرتهم على توقع استخدام المتفجرات المنتجة في بولندا ضمن ذخائر أميركية نُقلت إلى جيش الاحتلال واستخدمت في تدمير قطاع غزة واستهداف المدنيين.