حذّر مركز غزة لحقوق الإنسان من وصول منظومة المياه في قطاع غزة إلى مرحلة الانهيار الكامل، في ظل استمرار الحصار والقيود المفروضة على إدخال الإمدادات الأساسية، مؤكدا أن أكثر من مليوني فلسطيني يواجهون ظروفا كارثية مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قد تلامس الأربعين، خصوصا داخل الخيام ومراكز الإيواء المكتظة.

وأكد المركز، في بيان له اليوم السبت 27 حزيران / يونيو، أنّ أزمة المياه المتفاقمة في قطاع غزة ليست نتيجة ظرف طارئ فقط، بل ثمرة سياسة ممنهجة استهدفت مقومات الحياة المدنية، وفي مقدمتها مرافق المياه والصرف الصحي، بما أدى إلى حرمان السكان من الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، وخلق بيئة معيشية غير قابلة للحياة، مع اتساع مخاطر العطش وسوء التغذية وانتشار الأمراض والأوبئة.

وأظهرت البيانات الموثقة، وفق المركز، أن متوسط حصة الفرد من المياه في قطاع غزة تراجع من نحو 80 لترا يوميا قبل تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إلى ما بين 3 و6 لترات يوميا في معظم المناطق، فيما لا تتجاوز الحصة في بعض المناطق لترين يوميا، وهي أرقام تقل بكثير عن الحد الأدنى الطارئ الذي تحدده منظمة الصحة العالمية بنحو 15 لترا للفرد يوميا.

وبيّن المركز أن تقارير المنظمات الإنسانية الدولية تشير إلى أن أكثر من 80% من شبكات المياه والصرف الصحي تعرضت للتدمير أو لأضرار جسيمة، جراء القصف الإسرائيلي والاستهداف المتكرر للبنية التحتية، فيما دُمر أو تضرر ما يزيد على 1,675 كيلومترا من خطوط المياه والصرف، وتوقفت معظم محطات التحلية والضخ والمعالجة عن العمل.

وتفاقمت الأزمة، بحسب البيان، مع استمرار منع إدخال الوقود وقطع الكهرباء عن مرافق المياه، ما أدى إلى تعطيل تشغيل الآبار ومحطات التحلية والضخ، ودفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للحصول على كميات محدودة من المياه، غالبا ما تكون غير آمنة للاستهلاك البشري بسبب الملوحة والتلوث بمياه الصرف الصحي.

وفي ظل موجات الحر الحالية، حذر المركز من أن المخاطر الصحية والإنسانية تتصاعد بشكل غير مسبوق، إذ يعيش نحو مليون فلسطيني داخل خيام وملاجئ مؤقتة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، فيما تضطر آلاف العائلات إلى المفاضلة بين استخدام المياه للشرب أو إعداد الطعام أو الحفاظ على النظافة الشخصية، الأمر الذي يزيد من انتشار الأمراض المنقولة عبر المياه الملوثة، لا سيما بين الأطفال والمرضى وكبار السن.

واتهم مركز غزة لحقوق الإنسان الاحتلال باستخدام الحرمان من المياه وسيلة ضغط جماعية على السكان، من خلال استمرار القيود على إدخال الوقود وقطع الغيار والمعدات اللازمة لتشغيل مرافق المياه، مؤكدا أن ذلك ينسجم مع ما وثقته منظمات إنسانية وخبراء أمميون بشأن توظيف العطش أداة ضمن سياسات العقاب الجماعي.

وشدد البيان على أن القانون الدولي الإنساني يحظر تجويع السكان أو حرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، كما يحظر استهداف أو تعطيل الأعيان المدنية الضرورية للحياة، بما فيها مرافق المياه وشبكاتها، ويلزم قوة الاحتلال بضمان توفير الاحتياجات الأساسية للسكان، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية دون عوائق.

ورأى المركز أن استمرار انهيار منظومة المياه، إلى جانب الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية، يجعل أزمة المياه أحد أخطر أوجه الكارثة الإنسانية في غزة، ويعكس نمطا واسعا ومنهجيا من الانتهاكات ضد السكان الفلسطينيين، قد يرقى إلى جريمة الإبادة الجماعية من خلال إخضاع السكان عمدا لظروف معيشية تستهدف تدميرهم كليا أو جزئيا، بما في ذلك حرمانهم من مقومات البقاء الأساسية.

ودعا مركز غزة لحقوق الإنسان المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى التحرك الفوري لإلزام إسرائيل بوقف استهداف البنية التحتية المدنية، ورفع القيود المفروضة على إدخال الوقود والمعدات وقطع الغيار اللازمة لتشغيل مرافق المياه، وضمان وصول فرق الصيانة والإغاثة إلى جميع مناطق القطاع دون عوائق، وتأمين تدفق المياه الصالحة للشرب بشكل عاجل.

كما طالب المركز بفتح تحقيقات دولية مستقلة في الاستهداف الممنهج لمنشآت المياه والصرف الصحي، ومساءلة جميع المسؤولين عن استخدام الحرمان من المياه وسيلة ضد السكان الفلسطينيين، مع اعتبار ذلك انتهاكا جسيما للقانون الدولي وجريمة تستوجب المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.