تدفع الحرب "الإسرائيلية" المتواصلة على لبنان، وما خلّفته من نزوح وخسائر مادية ومعيشية، آلاف اللبنانيين واللاجئين إلى البحث عن سبل جديدة لتأمين حياتهم، بعدما فقد كثير منهم منازلهم أو مصادر رزقهم.

ومن بين هذه القصص الإنسانية، تبرز حكاية النازح اللبناني حسين شاهين، الذي اضطر إلى مغادرة مدينة صور جنوبي لبنان، ليجد في مخيم نهر البارد شمالي البلاد فرصة للبدء من جديد، من خلال مشروع صغير لبيع حلوى الكنافة، مستندًا إلى دعم عائلته واحتضان أهالي المخيم له.

بسطة كنافة تختصر حكاية نزوح وتضامن.jpeg

من مهنة ثابتة خسرها إلى عمل جديد ينهض به

اضطر شاهين إلى مغادرة مدينة صور؛ بسبب الظروف الأمنية وتصاعد العدوان"الإسرائيلى"، بعدما فقد عمله الذي كان يؤمّن له ولعائلته مصدر الدخل الأساسي.

وكان شاهين يعمل في مجال صيانة مكيفات السيارات، إلا أن الحرب أدت إلى خسارة محله وتوقف نشاطه بالكامل، ما وضعه أمام تحديات معيشية صعبة.

ومع وصوله إلى مخيم نهر البارد نازحًا، وجد نفسه أمام واقع جديد يتطلب البحث سريعًا عن فرصة عمل تساعده على تأمين احتياجات أسرته اليومية، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وبعد فترة من النزوح، بدأ شاهين التفكير في وسيلة تتيح له تأمين دخل، ولو كان محدودًا. وبحكم مساعدته السابقة أبناء شقيقه في محلهم المتخصص ببيع الكنافة التركية "كرزة فريش"، خطرت له فكرة إطلاق بسطة صغيرة تعتمد على المنتج نفسه.

ويقول شاهين لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين" إن أبناء شقيقه لم يترددوا في الوقوف إلى جانبه، إذ قدموا له المعدات الأساسية والمواد اللازمة للانطلاق بالمشروع، في محاولة لمساعدته على تجاوز هذه المرحلة الصعبة.

ولم يكن الدعم ماديًا فحسب، بل شكّل بالنسبة إليه دفعة معنوية أعادت إليه الأمل بإمكان استعادة حياته المهنية رغم الخسائر التي تكبدها.

وبفضل هذا الدعم العائلي، تمكن شاهين من افتتاح بسطة متواضعة لبيع الكنافة التركية داخل مخيم نهر البارد، لتتحول تدريجيًا إلى مصدر رزق يساعده على مواجهة أعباء النزوح والحياة اليومية.

ويؤكد أن مبادرة أبناء شقيقه، أصحاب محل "كرزة فريش"، منحته فرصة حقيقية للانطلاق من جديد بعد أن فقد عمله ومصدر رزقه في الجنوب، وهو ما يعدّه من أهم عوامل استمرار المشروع.

نازح من صور لمخيم نهر البارد.jpeg

بيئة مخيم نهر البارد الداعمة كانت عونًا لشاهين

إلى جانب الدعم العائلي، يشير شاهين إلى أن أهالي مخيم نهر البارد لعبوا دورًا أساسيًا في مساعدته على التأقلم مع حياة النزوح، إذ لمس منذ الأيام الأولى لوصوله ترحيبًا واسعًا من السكان، الذين تعاملوا معه كواحد من أبناء المنطقة.

ويقول إن كلمات التشجيع والدعم التي تلقاها من الأهالي خففت عنه كثيرًا من أعباء النزوح، وجعلته يشعر بأنه بين أهله وناسه، بعيدًا عن مشاعر الغربة التي ترافق من يضطر إلى مغادرة منزله قسرًا.

من صور إلى مخيم نهر البارد.. بسطة كنافة تختصر حكاية نزوح وتضامن.jpeg

كما يثني شاهين على المبادرات التي قدمها عدد من أصحاب المؤسسات التجارية في المخيم، وفي مقدمتهم أصحاب "حلويات سهيل"، الذين وضعوا إمكاناتهم في خدمته منذ اللحظة الأولى، وساعدوه في تأمين برادات لحفظ البضاعة، وقدموا له طاولة وبعض المستلزمات الضرورية لبدء العمل، إلى جانب استعدادهم لتقديم أي مساعدة يحتاجها.

ويرى شاهين أن هذه المبادرات تجسد روح التضامن والتكافل بين أبناء المخيم، لا سيما في الأوقات الصعبة، مشيرًا إلى أن سكان نهر البارد لم يُشعروا عائلته للحظة بأنها عائلة نازحة أو غريبة عن المكان، بل أحاطوها بالرعاية والاهتمام.

ورغم الظروف التي دفعته إلى مغادرة الجنوب، يؤكد شاهين أنه يشعر براحة كبيرة داخل مخيم نهر البارد، إلى درجة أن أفراد عائلته باتوا يتحدثون أحيانًا عن إمكان البقاء فيه لفترة أطول، نظرًا إلى طبيعة الحياة الاجتماعية والعلاقات الإنسانية التي وجدوها هناك.

ولا يقتصر مشروع حسين شاهين على كونه بسطة كنافة افتُتحت بعد النزوح، بل يعكس صورة من صور التضامن التي تظهر في أوقات الأزمات.

وبين انتظار العودة إلى الجنوب واستعادة حياته السابقة، يواصل شاهين عمله اليومي، ممتنًا لكل من وقف إلى جانبه، ومتمسكًا بفرصة جديدة تساعده على مواجهة أعباء الحرب والنزوح.