احتلال قلعة الشقيف جنوبي لبنان يعيد إلى الواجهة رمزية وأسطورية معركة 1982
في تطور ميداني جديد ضمن العدوان "الإسرائيلي" المتواصل على لبنان، أعلن جيش الاحتلال "الإسرائيلي" في 31 أيار/مايو الفائت سيطرته على قلعة الشقيف التاريخية في جنوب البلاد، ورفعه العلم "الإسرائيلي" فوقها، في خطوة أعادت إلى الواجهة رمزية الموقع الذي شكّل أحد أبرز معالم المقاومة الفلسطينية خلال الاجتياح "الإسرائيلي" للبنان عام 1982.
وتزامناً مع هذا التطور، حذّرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) من تهديدات تطال التراث الثقافي في جنوب لبنان، مؤكدة في بيان لها قلقها البالغ إزاء الوضع في قلعة الشقيف الأثرية، التي تخضع لسيطرة واحتلال الجيش "الإسرائيلي".
ودعت المنظمة الدول إلى الالتزام بالامتناع عن أي استخدام قد يؤدي إلى تدمير أو إلحاق الضرر بالممتلكات الثقافية، مشيرة إلى استمرار التنسيق مع السلطات اللبنانية لتقييم الأضرار التي لحقت بالمواقع التاريخية، وذكّرت بأن قلعة الشقيف وقلعة شمع مدرجتان على قائمة الحماية الخاصة باتفاقية "لاهاي" لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة.
وتقع قلعة الشقيف على ارتفاع يقارب 700 متر فوق سطح البحر، وتشرف على وادي نهر الليطاني، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً مهماً في جنوبي لبنان، وهو ما يفسر تكرار استخدامها عبر العقود كنقطة مراقبة عسكرية وسيطرة ميدانية.
ويأتي هذا التطور بعد إعلان "إسرائيلي" سابق بتوسيع العمليات البرية داخل لبنان، والسيطرة على مناطق تمتد إلى ما بعد نهر الليطاني، بما في ذلك المرتفعات المحيطة بالقلعة.
ذاكرة فلسطينية تتجاوز البعد العسكري
لكن في الذاكرة الفلسطينية، تتجاوز قلعة الشقيف بعدها العسكري إلى كونها رمزاً للمقاومة والصمود، إذ شكّلت عام 1982 مسرحاً لإحدى أبرز معارك التصدي للاجتياح "الإسرائيلي" للبنان، حين تحصنت فيها قوات منظمة التحرير الفلسطينية إلى جانب قوى من الحركة الوطنية اللبنانية.
وبحسب توثيقات قائد الكتيبة الطلابية في تلك المعركة معين الطاهر، بدأت المعركة في 4 حزيران/يونيو 1982 بقصف "إسرائيلي" كثيف استخدمت فيه الطائرات والمدفعية والقنابل العنقودية، غير أن التحصينات التي أُعدّت مسبقاً داخل القلعة، بمشاركة مئات من أبناء المخيمات وطلبة الجامعات، حالت دون سقوط سريع للموقع.
وفي 6 حزيران/ يونيو، شهدت القلعة تصعيداً إضافياً مع استخدام وسائل قتالية متطورة، بينها قنابل يُعتقد أنها احتوت على غازات سامة محدودة التأثير، فيما استمرت المواجهات لأكثر من 60 ساعة، في قتال وُصف بأنه انتقل من خندق إلى خندق، وصولاً إلى اشتباكات مباشرة بالسلاح الأبيض.
وتشير الروايات الفلسطينية إلى أن معظم المقاتلين في القلعة استشهدوا خلال المعركة، بينهم عناصر من حركة "فتح" والجبهة الديمقراطية، إضافة إلى مقاتلين لبنانيين وعرب، بينما تحدثت مصادر محلية عن دفن عشرات الشهداء في محيط القلعة بعد انتهاء القتال.
أما الرواية "الإسرائيلية"، فتشير إلى مشاركة نحو 120 جندياً من وحدات النخبة في الهجوم، وتحدثت عن معارك عنيفة أوقعت خسائر في صفوف قواتها، رغم محاولات لاحقة لتقليل حجمها، كما ارتبطت المعركة في الذاكرة "الإسرائيلية" بأسئلة سياسية وعسكرية بقيت مثار جدل حول حجم الخسائر وطبيعة المواجهة.
وبعد انتهاء معركة 1982، تحولت القلعة إلى موقع عسكري "إسرائيلي" ثم إلى نقطة سيطرة متقدمة خلال سنوات الاحتلال "الإسرائيلي" لجنوبي لبنان، قبل أن تُفجر منشآت عسكرية "إسرائيلية" فيها خلال الانسحاب عام 2000.
ويعيد الاحتلال الجديد للقلعة عام 2026 فتح ملف رمزية الموقع، ليس فقط كمعلم أثري مدرج على قوائم الحماية الدولية، بل كأحد أبرز الشواهد التاريخية على معارك الصراع في جنوب لبنان، بين الذاكرة الفلسطينية لكونها أسطورة صمود، والواقع الميداني الذي يعيد إنتاج السيطرة على موقع ظل لعقود عنواناً للمواجهة.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات