مع تصاعد العدوان "الإسرائيلي" على جنوب لبنان واتساع رقعة النزوح من المناطق الحدودية، تجد المخيمات والتجمعات الفلسطينية نفسها أمام تحديات إنسانية متزايدة، في ظل مخاوف من توسع دائرة الاستهداف وتفاقم الأوضاع المعيشية لعشرات آلاف اللاجئين الفلسطينيين.

وفي الوقت الذي فتحت فيه وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" عدداً من مراكز الإيواء لاستقبال النازحين، تتصاعد انتقادات فلسطينية وحقوقية لأداء الوكالة، معتبرة أن استجابتها ما تزال دون مستوى الاحتياجات المتزايدة، وأنها تفتقر إلى خطة طوارئ شاملة قادرة على مواكبة تداعيات الحرب المستمرة منذ أشهر.

انتقادات لأداء "أونروا"

يرى مدير الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين أحمد هويدي أن الثغرة الأساسية في أداء "أونروا" تتمثل في غياب خطة استراتيجية واضحة تستند إلى سيناريوهات النزوح والاحتياجات المتوقعة للاجئين الفلسطينيين.

ويقول إن معظم الخدمات المقدمة للنازحين تعتمد بصورة كبيرة على الشركاء من المؤسسات الدولية والمحلية، سواء في مجالات الإيواء أو الإغاثة أو الدعم النفسي، فيما تقتصر تدخلات الوكالة المباشرة على نطاق محدود لا يوازي حجم الأزمة القائمة.

كما يشير إلى أن إغلاق عدد من العيادات التابعة لـ"أونروا" في منطقة صور أدى إلى تضييق فرص حصول اللاجئين على الرعاية الصحية، مطالباً بتوسيع الخدمات الصحية وتقديم مساعدات نقدية مباشرة للعائلات المتضررة التي فقد كثير من أفرادها مصادر دخلهم منذ أشهر.

من جهته، يعتبر رئيس دائرة "أونروا" واللاجئين في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في لبنان عاطف خليل أن الوكالة اكتفت بفتح عدد من مراكز الإيواء دون توفير الاحتياجات الأساسية للنازحين، متهماً إياها بعدم وضع خطة اغاثية متكاملة تستجيب لحجم الأزمة.

ويؤكد أن آلاف اللاجئين الذين نزحوا إلى منازل مستأجرة أو إلى بيوت أقاربهم لم يحصلوا على دعم كافٍ، بينما لا تزال الخدمات الصحية والإغاثية المقدمة أقل بكثير من المطلوب، داعياً "أونروا" إلى إطلاق خطة طوارئ شاملة تشمل الجوانب الإغاثية والصحية والإسكانية، بالتوازي مع تحرك عاجل لحشد التمويل من الدول المانحة.

معاناة يومية داخل المخيمات

على الأرض، تبدو تداعيات الحرب أكثر وضوحاً داخل المخيمات الفلسطينية في منطقة صور.

ويقول أمين سر اللجان الأهلية في لبنان محمد الشولي إن الإنذارات المتكررة واحتمالات الإخلاء خلقت حالة من القلق والضغط النفسي بين السكان، خصوصاً بعد تعرض مناطق قريبة من المخيمات لغارات "إسرائيلية" أدت إلى أضرار في بعض المنازل وشبكات المياه.

ويوضح أن الأزمة الاقتصادية تفاقمت مع توقف أعمال كثيرة وفقدان عدد كبير من اللاجئين مصادر دخلهم، في وقت تشهد فيه أسعار السلع والخدمات ارتفاعاً متواصلاً.

وبحسب الشولي، نزحت نحو 450 عائلة إلى مخيم برج الشمالي من المناطق المجاورة، بينما اضطرت اللجان الشعبية والأهلية إلى البحث عن مساكن وأماكن إيواء بديلة في ظل محدودية الإمكانات المتاحة.

ويضيف أن الاحتياجات الحالية لا تقتصر على الغذاء والمساعدات العينية، بل تشمل أيضاً الرعاية الصحية والتعليم، خصوصاً للطلاب الذين تأثر تعليمهم نتيجة استمرار الحرب وإغلاق المدارس.

النازحون: الأعباء تتضاعف

أما زهراء، وهي نازحة من مخيم البرج الشمالي، فتقول إن عائلتها اضطرت إلى مغادرة منزلها في ثاني أيام عيد الأضحى بعد اشتداد القصف وتعرض المنزل لأضرار، إضافة إلى الخوف الشديد الذي يعيشه الأطفال مع كل غارة.

وتشير إلى أن معاناة النزوح تبدأ بعد مغادرة المنزل، حيث تضطر العائلات إلى تحمل تكاليف إضافية تتعلق بالإيجارات والكهرباء والإنترنت والمواد الغذائية، في وقت توقفت فيه مصادر الرزق لدى كثير من الأسر.

وتؤكد أن المساعدات التي وصلت خلال الأشهر الماضية كانت محدودة جداً، فيما تحتاج العائلات اليوم إلى دعم نقدي وعيني يساعدها على مواجهة الأعباء المتزايدة، لافتة إلى أن بعض العائلات فضلت العودة إلى منازلها رغم المخاطر الأمنية بسبب الظروف الصعبة داخل بعض مراكز الإيواء.

مسؤولية قانونية وإنسانية

من جانبه، يلفت مدير المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان محمود الحنفي إلى أن اللاجئين الفلسطينيين يتمتعون بمركز قانوني خاص يفرض التزامات واضحة على المجتمع الدولي، ليس فقط بصفتهم متضررين من الحرب، بل أيضاً باعتبارهم لاجئين يحتاجون إلى الحماية والرعاية.

ويطرح الحنفي تساؤلات حول مصير عشرات آلاف من اللاجئين الفلسطينيين في حال اتسعت دائرة النزوح، متسائلاً عن أماكن الإيواء المتاحة وآليات الحماية المتوفرة لهم.

ويشدد على أن الوضع الحالي يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً لضمان الحماية وتوفير الاحتياجات الأساسية، في ظل استمرار المخاطر التي تهدد المخيمات الفلسطينية المكتظة بالسكان.

وفي وقت تتزايد فيه التحذيرات من تفاقم الأوضاع الإنسانية، تتفق الجهات الفلسطينية والحقوقية والنازحون على مطلب واحد يتمثل بضرورة إطلاق استجابة طارئة أكثر شمولاً، تضمن توفير المساعدات الصحية والإغاثية والنقدية للاجئين الفلسطينيين، وتخفف من تداعيات حرب ألقت بثقلها على مخيمات تعاني أساساً من أزمات مزمنة ومتراكمة.

مخيم برج الشمالي (1).jpeg
 

مخيم برج الشمالي (2).jpeg