غزة تستقبل عيد الأضحى بلا أضاحٍ للعام الثالث وسط الغلاء والحصار
يستقبل سكان قطاع غزة عيد الأضحى المبارك للعام الثالث على التوالي دون أضاحٍ، في واحدة من أقسى المراحل الاقتصادية والمعيشية منذ عقود، بعدما تلاشت مظاهر الفرح التقليدية تحت ضغط الحرب والحصار وارتفاع الأسعار وانهيار القدرة الشرائية.
وفي مخيم البريج للاجئين، وسط قطاع غزة، لا تبدو الأسواق وكأنها تستعد لعيد الأضحى. فالحظائر التي كانت تمتلئ في مثل هذه الأيام بالمواشي والمشترين، خلت إلا من أعداد محدودة من الأغنام، فيما يقف مربو الماشية أمام واقع لا يملكون تغييره: مواشٍ محدودة، وأعلاف مرتفعة الثمن، ومعابر مغلقة، وسكان فقد معظمهم القدرة على شراء أبسط احتياجاته.
يمر المواطنون بجوار الحظائر على عجل. يسألون عن السعر، ثم يغادرون بصمت. لم تعد المساومة جزءاً من طقوس ما قبل العيد، لأن الفجوة بين الدخل والأسعار خرجت من حدود المنطق. ففي غزة، حيث يعيش كثير من السكان والنازحين في ظروف قاسية، تحولت الأضحية من شعيرة ينتظرها الناس سنوياً إلى مشهد بعيد، يذكّرهم بما فقدوه من قدرة على الحياة الطبيعية.
ويقول أحد مربي المواشي في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة إن ارتفاع الأسعار ليس طارئًا ولا منفصلًا عن حرب الإبادة المستمرة والحصار، موضحاً أن ما تبقى من الأغنام داخل القطاع "قليل جداً"، وأن منع الاحتلال إدخال المواشي إلى القطاع، إلى جانب شح الأعلاف وارتفاع أسعارها، دفع السوق إلى حالة غير مسبوقة. ويضيف أن المربين أنفسهم باتوا عاجزين عن تحمل كلفة التربية، وأن الحرب أجهزت على ما تبقى من قطاع الثروة الحيوانية.
ولا يقتصر الغلاء، بحسب المربي، على سعر المواشي وحدها، بل يبدأ من العلف والدواء البيطري والماء والنقل، وصولاً إلى المخاطر التي تهدد ما تبقى من الحظائر. فمربو المواشي، الذين كانوا يشكلون جزءاً من منظومة الأمن الغذائي في غزة، يجدون أنفسهم اليوم أمام خسائر متراكمة، في وقت تراجعت فيه قدرة المواطنين على الشراء إلى أدنى مستوياتها.
ويقول اللاجئ يوسف إبراهيم، من مخيم البريج: "كنا في الأعوام السابقة نجتمع أنا وإخوتي ونشتري أضحية واحدة نتقاسمها. اليوم لا أستطيع شراء كيلو لحم. ما أملكه بالكاد يكفي للخبز والماء وبعض الحاجات الأساسية. الأطفال يسألون عن العيد، لكننا لا نعرف كيف نشرح لهم أن العيد موجود في التقويم الهجري فقط".
وتقول نادية أحمد، الموظفة في "أونروا" والنازحة إلى مخيم البريج من شمال غزة: "كنت أنا وزوجي نحرص سنوياً على الأضحية، لكن بعد ما تعرضنا له من إبادة وتهجير تغير كل شيء. كانت الأضحية بالنسبة إليّ أكثر من مجرد لحم، بل مناسبة لاجتماع الأسرة وتوزيع جزء منها على الجيران والأقارب المحتاجين". وتضيف أن "الارتفاع الجنوني في الأسعار ونقص المعروض حرمنا من الأضحية هذا العام، ونأمل أن يتحسن الوضع خلال الفترة المقبلة".
وتختصر هذه الشهادات جانباً من التحول العميق الذي أصاب حياة الناس في غزة. فالعيد الذي كان يفتح نافذة اجتماعية للتكافل والزيارة وتوزيع اللحوم على العائلات، بات يمر على مخيم البريج محاطاً بأسئلة ثقيلة: كيف تؤمّن الأسرة طعامها؟ كيف تشتري الدواء؟ وكيف تحافظ على ما تبقى من كرامة العيش وسط النزوح والغلاء واستغلال الحاجة؟
وبحسب وزارة الزراعة الفلسطينية في قطاع غزة، فإن أكثر من مليوني فلسطيني سيستقبلون عيد الأضحى للعام الثالث على التوالي بلا أضاحٍ، بسبب الدمار الذي طال قطاع الثروة الحيوانية جراء حرب الإبادة الجماعية واستمرار الحصار الإسرائيلي.
وقالت الوزارة: "مع اقتراب عيد الأضحى، الذي يحل في 27 أيار/ مايو الجاري، يدخل أكثر من مليوني فلسطيني في غزة العيد للعام الثالث على التوالي دون أضاحٍ، في مشهد غير مسبوق يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي خلقتها الحرب والحصار المستمران على القطاع".
وأوضحت أن حرب الإبادة المتواصلة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 تسببت في "تدمير ممنهج لقطاع الثروة الحيوانية، بعدما استهدفت مزارع الإنتاج الحيواني والحظائر والمنشآت البيطرية ومخازن الأعلاف بشكل مباشر".
وذكرت أن هذا الاستهداف أدى إلى نفوق أعداد كبيرة من المواشي وانهيار شبه كامل لهذا القطاع الحيوي في غزة.
وبيّنت الوزارة أن قطاع غزة كان يستقبل سنويًا، قبل الحرب، ما بين 10 آلاف و20 ألف عجل، إضافة إلى ما بين 30 و40 ألف رأس من الأغنام لتلبية احتياجات موسم الأضاحي، فيما توقفت اليوم عمليات الاستيراد بشكل كامل.
وتابعت: "وصل استيراد الأضاحي الحية إلى صفر، في ظل استمرار إغلاق المعابر، ومنع إدخال المواشي والأعلاف والأدوية البيطرية".
وأشارت إلى أن شح الأعلاف وارتفاع أسعار المتوفر منها تسببا في "القضاء على ما تبقى من الثروة الحيوانية"، وسط خسائر وصفتها بـ"الكارثية"، وتهدد بخروج مربي المواشي بالكامل من هذا القطاع.
وأكدت أن غياب الأضاحي هذا العام "لا يمثل فقط فقدان شعيرة دينية، بل يعكس حجم المجاعة والمعاناة التي يعيشها فلسطينيو غزة، خاصة مع اعتمادهم قسرًا على كميات محدودة من اللحوم المجمدة، في ظل غياب أي مصادر إنتاج محلية".
وطالبت وزارة الزراعة المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية والإنسانية بالتحرك العاجل للضغط من أجل فتح المعابر فوراً، والسماح بإدخال المواشي والأعلاف ومستلزمات الإنتاج الزراعي والبيطري، و"إنقاذ ما تبقى من هذا القطاع الحيوي الذي يشكل ركيزة أساسية للأمن الغذائي".
وفي 10 نيسان/ أبريل الماضي، وصف مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية "أوتشا" الظروف المعيشية في غزة بأنها "مزرية"، مشيراً إلى أن معظم العائلات نازحة وتعتمد على المساعدات الإنسانية.
ووفق تقرير سابق لبرنامج الأغذية العالمي، فإن 1.6 مليون شخص في قطاع غزة، أي 77% من إجمالي السكان، يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم أكثر من 100 ألف طفل و37 ألف سيدة حامل ومرضع.
وتأتي هذه التطورات فيما تواصل قوات الاحتلال تنصلها من تنفيذ التزاماتها التي نص عليها اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، بما في ذلك فتح المعابر وإدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الغذائية والإغاثية والطبية.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات