كشفت تصريحات لقائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال "الإسرائيلي"، "آفي بلوط"، جانبًا من التحول الخطير في سياسة كيان الاحتلال تجاه الضفة الغربية، حيث لم تعد المقاربة الأمنية تقتصر على إدارة الاقتحامات والاعتقالات، بل تتجه نحو إبقاء القرى الفلسطينية في حالة احتكاك دائم، وإنتاج توتر ميداني مستمر تحت غطاء "النشاط الأمني".

وبحسب ما أورده الصحفي "يهوشع براينر" في "هآرتس"، تحدث بلوط عن رفع مستوى استخدام القوة القاتلة في الضفة الغربية المحتلة، بما في ذلك إطلاق النار على فلسطينيين حاولوا دخول الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 دون تصاريح، مشيرًا إلى وقوع إصابات، ومقرًا بأن مستوى استخدام النار ارتفع مقارنة بفترات سابقة.

وتعكس هذه التصريحات، وفق مضمون المقال، سياسة لا تتعامل مع الفلسطيني بوصفه مدنيًا له حقوق، بل كـ"خطر محتمل" يمكن إخضاعه عبر الرصاص والضغط الاقتصادي والاحتكاك اليومي،  فإطلاق النار هنا لا يظهر كاستثناء ميداني، بل كأداة ردع مقصودة، تُبقي أثر الإصابة حاضرًا في حياة الفلسطينيين ورسالة لبقية السكان.

الأخطر أن بلوط تحدث، وفق ما نقلته الصحيفة، عن إبقاء بعض القرى الفلسطينية في حالة تماس دائم مع قوات الاحتلال، بما يحولها إلى بؤر توتر مفتوحة، وهذا يكشف نهجًا يقوم على صناعة الاحتكاك لا منعه، وإدارة التصعيد لا إنهائه، في محاولة لضبط الفلسطينيين عبر الخوف والاستنزاف اليومي.

كما تناولت "هآرتس" تصريحات سابقة لبلوط أشار فيها إلى إقامة عشرات "المزارع الاستيطانية" بالتنسيق مع جيش الاحتلال، واعتبارها جزءًا من "تعزيز الأمن". غير أن هذه المقاربة تكشف التداخل العميق بين المؤسسة العسكرية والمشروع الاستيطاني، إذ تتحول البؤر والمزارع الاستيطانية إلى أدوات للسيطرة على الأرض، وفرض تواصل جغرافي استيطاني في مناطق الضفة المحتلة.

وفي هذا السياق، لا يبدو اعتراض جيش الاحتلال على بعض مظاهر عنف المستوطنين نابعًا من رفض العنف ذاته، بل من رفض العنف غير المنضبط الذي قد يحرج كيان الاحتلال أو يكشف طبيعة مشروعه التوسعي القائم على تهجير الفلسطينيين، فالمشكلة، كما يظهر من مضمون المقال، ليست في الاعتداء على الفلسطينيين، بل في أن ينفذ المستوطنون العنف خارج إدارة "الدولة" وجيش الاحتلال، بما يهدد صورة "العنف المنظم" الذي يحاول الاحتلال تسويقه كإجراء أمني.

وتبرز ازدواجية المعايير بوضوح في طريقة التعامل مع رشق الحجارة أو الاعتداءات الميدانية، إذ يستخدم جيش الاحتلال أقصى درجات القمع ضد الفلسطينيين، بينما يتجنب الحسم ذاته عند التعامل مع المستوطنين، خشية ما وصفه المقال بتداعيات "اجتماعية" داخل مجتمع المستوطنين. وبهذا، تتحول المؤسسة العسكرية إلى ضابط إيقاع لعنف المستوطنين، لا إلى جهة توقفه أو تحاسب عليه بحسب ما تروج دولة الاحتلال.

وتشير هذه المعطيات إلى أن كيان الاحتلال يدير في الضفة الغربية منظومة سيطرة متكاملة: اقتحامات واعتقالات، إطلاق نار، ضغط اقتصادي، توسيع بؤر ومزارع استيطانية، وتسامح مع عنف المستوطنين ما دام يخدم الهدف الأوسع، تفكيك الوجود الفلسطيني ودفع السكان إلى الانكماش والرحيل التدريجي عن أراضيهم.

ويخلص المقال إلى أن سياسة الاحتلال في الضفة الغربيو لم تعد مجرد إجراءات أمنية منفصلة، بل هندسة ميدانية للعنف، تُستخدم فيها القوة العسكرية والاستيطان والردع النفسي والضغط الاقتصادي كأدوات متكاملة لإعادة تشكيل الواقع على الأرض، وترسيخ السيطرة على الفلسطينيين تحت عناوين أمنية مضللة.